شبح انهيار لبنان أصبح واقعا والمستقبل خطير

يأتي الانهيار في لبنان نتيجة عقود من سوء الإدارة الاقتصادية والفساد والإفراط في الإنفاق.

ميدل ايست نيوز: لا تحصل معظم أجزاء لبنان على أكثر من ساعتين أو 3 ساعات من الكهرباء في اليوم، لدرجة أن رحلة قادمة إلى مطار بيروت اضطرت للتخلي عن عملية هبوط هذا الشهر بسبب انطفاء الأضواء على المدرج، كما توقفت إشارات المرور في العاصمة عن العمل، مما زاد من الازدحام في شوارع بيروت الفوضوية بالفعل.

تعد هذه الوقائع الأحدث ضمن أعراض الانهيار الاقتصادي الذي يتسارع بوتيرة مثيرة للقلق في لبنان مع نفاد العملات الأجنبية.

ويأتي الانهيار نتيجة عقود من سوء الإدارة الاقتصادية والفساد والإفراط في الإنفاق. وتتلاشى آمال الإنقاذ مع رفض النخبة الحاكمة في البلاد للإصلاحات والتدقيق الخارجي الذي من شأنه أن يفتح الباب أمام المساعدات الدولية، كما توقفت المحادثات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 10 مليارات دولار.

وبعد أن كانت لبنان تعرف بكونها واحة للرخاء والاستقرار النسبي خلال العقد الماضي من الاضطرابات في الشرق الأوسط، فإنها تنحدر الآن إلى الفقر واليأس والفوضى المحتملة.

فنزويلا أخرى

يتوقع الاقتصاديون الآن انهيارًا على غرار فنزويلا، مع النقص الحاد في المنتجات والخدمات الأساسية، والتضخم الجامح وتفاقم حالة انعدام القانون، في بلد يقع في قلب منطقة غير مستقرة بالفعل.

فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 60% من قيمتها في الشهر الماضي فقط، و 80% من قيمتها منذ أكتوبر/ تشرين الأول، والأسعار ترتفع والبضائع تختفي.

أصبح الخبز شحيحا لأن الحكومة لا تستطيع تمويل واردات القمح، كما اختفت الأدوية الأساسية من الصيدليات، وتسرّح المستشفيات الموظفين لأن الحكومة لا تدفع الرواتب، ويتم إلغاء العمليات الجراحية بسبب عدم توفر الكهرباء الكهرباء أو الوقود لتشغيل المولدات.

يلجأ أشخاص تعرضوا للإفقار حديثًا إلى “فيسبوك” لبيع أدوات من منزلهم مقابل الحليب، كما ترتفع الجريمة، مثلما حدث في أحد مقاطع الفيديو المنتشرة على نطاق واسع، الذي يظهر فيه رجل يرتدي قناعاً للفيروس التاجي ويحمل مسدساً ويطالب الصيدلي بتسليم حفاضات.

وقال “فواز جرجس”، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد: “لبنان لم يعد على حافة الانهيار، بل انهار بالفعل. لقد فشل النموذج اللبناني القائم منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990، كان منزلًا من زجاج، وتحطم بشكل يستحيل التراجع عنه.”

وأضاف أن التداعيات مقلقة، حيث يتفرد لبنان بوضع هش، مع كونه دولة في حالة حرب مع أحد جيرانها (إسرائيل)، وتقع بجوار حرب أخرى (سوريا) وفي مرمى النزاع بين الولايات المتحدة وإيران.

كانت الدولة في الماضي ساحة قتال يتجلى فيها التنافس الإقليمي والدولي، مثل ما حدث خلال الحرب الأهلية التي استمرت 15 عامًا في البلاد، وفي عام 2006 عندما خاضت (إسرائيل) حربًا قصيرة مع “حزب الله”.

تقف المنطقة على حافة الهاوية مرة أخرى، حيث تلقي إيران باللوم على (إسرائيل) في انفجارات غامضة في مواقع حساسة داخل إيران وتضاعف إدارة “ترامب” مجموعة من العقوبات ضد إيران و”حزب الله” وسوريا.

كما تتصاعد التوترات الطائفية التي أشعلت فتيل الحرب الأهلية من قبل أيضًا، حيث يتبادل القادة السياسيون في البلاد، إلى جانب أتباعهم، الاتهامات بالمسؤولية عن الأزمة.

ينتمي السياسيون اليوم إلى نفس الطوائف التي خاضت الحرب ثم حولوا ميليشياتهم إلى أحزاب سياسية، ومن بينهم قادة من الطوائف المسيحية والسنية والشيعية والدرزية الذين تقلدوا مناصب حكومية واشتروا حصصا في البنوك التي منحت قروضا للمشاريع الرسمية التي تنفذها شركات مملوكة للمسؤولين أو أصدقائهم أو أقاربهم.

وهكذا؛ تم إثراء النخب على حساب الفقراء، وأُرسيت أسس الانهيار الحالي.

وقال “جرجس”: “لا أحد يتوقع حربا أخرى قريبا، لكن هناك توقعات بتعمق الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي من شأنها أن تهدد بصراع أوسع وربما تجذب القوى الإقليمية، كما حدث في السنوات الأخيرة في سوريا وليبيا واليمن، وفي لبنان في الماضي.”

وقال “مايك عازار”، وهو محلل مالي مقيم في بيروت: “هذا ليس الانهيار المعتاد حدوثه في بلد صغير”.

هناك لاجئ واحد من كل 5 من السكان الذين يبلغ عددهم 6.8 مليون شخص يعيشون في البلاد، ومعظمهم من السوريين، مما يمنح لبنان أعلى عدد لاجئين لكل فرد من السكان في العالم، وفقا لأرقام الأمم المتحدة والبنك الدولي.

سيتضرر هؤلاء بشدة عندما ترتفع الأسعار بما يتجاوز إمكانياتهم الضئيلة، مع جفاف العمل في القطاع غير الرسمي الذي يعتمدون عليه، وفقًا لما يقوله “نيكولاس أوبرلين”، نائب المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.

وقال “أوبرلين” إن أوضاع مئات الآلاف من اللبنانيين ستصبح مثل أوضاع اللاجئين الذين يعانون الفقر، حيث يقوم برنامج الغذاء العالمي بالفعل بإطعام 750 ألف لاجئ سوري في لبنان، والآن تخطط المنظمة للمرة الأولى منذ حرب 2006 مع (إسرائيل)، للبدء في توزيع الغذاء على اللبنانيين الجياع مع توقع الوصول إلى رقم مكافئ بحلول نهاية العام.

وقال “ناصر سعيدي”، وزير الاقتصاد اللبناني السابق الذي يعمل الآن مستشارا ماليا في دبي، إن اللبنانيين أنفسهم يمكن أن يصبحوا لاجئين، وأضاف: “يمكن أن تكون هناك أزمة لاجئين ضخمة. هل هذا ما يريده لبنان وبقية العالم؟ هل يريدون دولة فاشلة أخرى على البحر الأبيض المتوسط؟ “

المؤسسة السياسية متورطة

ومع ذلك، ليس هناك ما يشير إلى أن العالم مستعد للتدخل للمساعدة، حيث وصلت 6 أسابيع من المحادثات بين الحكومة وصندوق النقد الدولي إلى طريق مسدود، وتعطلت بسبب الجدل بين أعضاء الوفد اللبناني حول مقدار المال الضائع وكيفية توزيع الخسائر، بحسب 3 أشخاص مطلعين على المحادثات.

وقالت “كريستالينا جورجيفا”، المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي، للصحفيين أواخر الشهر الماضي: “لقد كانت المفاوضات صعبة للغاية. إن جوهر المسألة هو إمكانية الوصول إلى وحدة هدف في البلاد”.

كما أوضح حلفاء لبنان الغربيون أنهم لن يساعدوها حتى تقوم الحكومة بجهود لإصلاح القطاع العام الفاسد والمتضخم، حيث كانت الحكومة قد تلقت من قبل حزمة من القروض والاستثمارات بقيمة 11 مليار دولار منذ عام 2018، بشرط أن تقوم ببعض التغييرات المحدودة، ولم يحدث ذلك.

أما دول الخليج، التي تضافرت للمساعدة في إعادة الإعمار بعد حرب 2006، فقد قالت إنها لن تقدم أي مساعدة أخرى لبلد يعتبر فيه “حزب الله” المدعوم من إيران، قوة مهيمنة.

أكبر سؤال الآن هو ما إذا كانت النخب السياسية القوية في لبنان ستوافق على ذلك النوع من الإصلاحات الذي سيفتح الباب للمساعدة الدولية.

وقال “دان عزي”، وهو محلل مالي مقيم في بيروت، إن هؤلاء هم المستفيدون الرئيسيون من النظام الذي أفلس البلاد، ويُعتقد أن الكثير من الأموال المفقودة اختفت في جيوبهم أو في حسابات مصرفية خارجية.

كما قال “عزي” إن جائحة الفيروس التاجي ساهمت في التراجع الحاد في الاقتصاد لكنها ليست سبب الثقب الضخم الذي ظهر في أواخر العام الماضي في المالية العامة للدولة.

لا ينتج لبنان شيئًا تقريبًا وقد اعتمد لسنوات على تدفق الدولارات من عدد كبير من اللبنانيين العاملين في الخارج، وعززت تلك الدولارات نظامًا يشبه “نموذج بونزي” المتلاعب، حيث عرضت البنوك أسعار فائدة عالية لجذب ودائع الدولار الأمريكي ومن ثم أقرضت الأموال للحكومة، حتى نفدت الودائع.

هناك مبالغ هائلة مفقودة الآن من النظام المصرفي، ربما تصل إلى 100 مليار دولار، وفقا للأرقام الحكومية.

وقال “جاد شعبان” الخبير الاقتصادي بالجامعة الأمريكية في بيروت إن ثلاثة أرباع الودائع في النظام المصرفي بأكمله كانت بالدولار الأمريكي، وكثير من اللبنانيين العاديين ربما يكونون قد خسروا هكذا معظم أو كل مدخراتهم.

وقال إن النخب تتعاون الآن لمقاومة الإجراءات التي اقترحتها الحكومة والتي من شأنها أن تفتح الباب للمساعدة ولكنها تقوض أيضا النظام الذي أفادهم.

يسيطر ما يقدر بنحو 1% من السكان على أكثر من 80% من ودائع الدولة، ويتردد الأثرياء في قبول أي مقترحات من شأنها أن تهدد ممتلكاتهم.

وقال المحلل المالي “هنري شاول” إن أحد الإجراءات الضرورية والتي ستكون مطلوبة كجزء من أي اتفاقية مع صندوق النقد الدولي؛ هو قانون لمراقبة رأس المال لمنع هروب الأموال من البلاد.

لكن الساسة يقاومون مثل هذا القانون وسط مؤشرات على أن الأغنياء استمروا في تحويل أصولهم إلى الخارج، بحسب “شاول”، الذي استقال الشهر الماضي من منصبه كمستشار لفريق التفاوض اللبناني مع صندوق النقد الدولي، مبررًا ذلك بتباطؤ الحكومة.

وفي غضون ذلك ، يواجه الأشخاص العاديون قيودًا من بنوكهم على مقدار ما يمكنهم سحبه.

ومن المتطلبات النموذجية الأخرى لصندوق النقد الدولي، والتي أقرها برنامج الانتعاش الحكومي؛ مراجعة جنائية لحسابات البنك المركزي لتحديد أين ذهبت الأموال المفقودة، وقد رفض السياسيون ذلك أيضًا، وفقًا لأشخاص مطلعين على المحادثات.

وقال “سايمون نعيمي”، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في بيروت، إن تدقيقًا يكشف أين ذهبت الأموال من المحتمل أن يورط المؤسسة السياسية.

وأضاف: “الله يعلم إلى أين نتجه وماذا سيحدث، لكني أخشى الأسوأ، نحن نتجه نحو الانهيار الكامل لكل شيء، ولا توجد إرادة لمن هم في السلطة لإصلاح الوضع لأنهم متواطئون”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الخلیج الجدید

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى