هل يأخذ مرفأ حيفا الدور الاستراتيجي لمرفأ بيروت في المنطقة؟

تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل ستكون له تداعيات سلبية خطيرة على مرفأ بيروت، وربما على قناة السويس.

ميدل ايست نيوز: فيما أنقذت العناية الإلهية محطة الحاويات من الانفجار المدمر والقاتل الذي وقع في عنبر “نيترات الأمونيوم” في مرفأ بيروت بتاريخ 4 آب (أغسطس) الماضي، والذي أدى الى تدمير كامل للمرفأ القديم الذي يستقبل البواخر العادية والحبوب والسيارات والحديد، ينتظر هذا المرفقَ تحد من نوع آخر قد يقضي على ما تبقى له من دور استراتيجي في المنطقة. إذ فتح التطبيع الإماراتي الإسرائيلي باب الهواجس على مصراعيه، خصوصاً أن موانئ دبي العالمية المملوكة لحكومة دبي وقّعت سلسلة اتفاقات مع “دوفرتاور” الإسرائيلية تشمل التقدم بعرض مشترك في خصخصة ميناء حيفا المطل على البحر المتوسط، وهو واحد من ميناءين رئيسيين في إسرائيل. ماذا في التفاصيل؟
وقعت الإمارات العربية المتحدة والبحرين اتفاقاً للتطبيع مع إسرائيل بتاريخ 15 أيلول (سبتمبر) الجاري في البيت الأبيض في العاصمة الأميركية واشنطن، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وكانت مصر والأردن قد اعترفتا رسمياً بإسرائيل ووقعتا معاهدتي سلام معها عام 1978 وعام 1994 على التوالي، مع معلومات عن أن دولاً عربية أخرى ستحذو حذو تلك الدول.
في دراسة أعدّها رئيس الغرفة الدولية للملاحة في بيروت إيلي زخور، يرى أن تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل ستكون له تداعيات سلبية خطيرة على مرفأ بيروت، وربما على قناة السويس. فمرفأ بيروت يعتبر المنافس الأول لمرفأ حيفا الإسرائيلي، لا سيما بعدما أصبحت لديه محطة حاويات حديثة ومتطورة تم تشغيلها اعتباراً من عام 2005، بواسطة كونسورتيوم بحري يضم الشركات الثلاث: Mersey Docks and Harbour Company البريطانية وInternational Maritime Associates (IMS) الاميركية وBeirut Container Terminal Consortium (BCTC) اللبنانية، والذي كان قد فاز بالمناقصة التي أجرتها الدولة اللبنانية لتشغيلها وإدارتها لمدة 10 سنوات. وتمكن مرفأ بيروت في فترة زمنية قصيرة من أن يتحول الى لاعب محوري في المنطقة على صعيد عمليات المسافنة (الترانزيت البحري) نحو مرافئ البلدان المجاورة في سوريا وتركيا ومصر وقبرص واليونان… كما استطاع أن يسجل أرقاماً قياسية بحركة الحاويات التي يتداولها سنوياً، فارتفعت من 350 ألف حاوية نمطية قبل تشغيل محطة الحاويات عام 2005، الى 1.350 مليون حاوية نمطية عام 2017، من ضمنها 419 ألف حاوية نمطية برسم المسافنة، أي ما نسبته 31%. كما انضم المرفأ الى لائحة المرافئ المئة الأولى في العالم التي تتعامل مع أكثر من مليون حاوية نمطية سنوياً، وذلك على مدى 9 سنوات.
ويعود تاريخ إنشاء مرفأ بيروت الى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وهو واحد من المرافئ العديدة التي بناها الفينيقيون على سواحل المتوسط كمرافئ: صور، صيدا، طرابلس، طرطوس، اللاذقية وأرواد وغيرها من المرافئ. وشكلت هذه المرافئ، لا سيما مرفأ بيروت، أهم المرافق البحرية للتبادل التجاري بين المستعمرات التي أنشأها الفينيقيون مع البلدان المجاورة. وقد عرف الغزاة الذين استولوا على الساحل الشرقي للمتوسط، بدءاً من الرومان الى الفرنسيين مروراً بالعرب والعثمانيين، الموقع الاستراتيجي البارز لمرفأ بيروت، حيث حوّلوه الى مركز حربي لأساطيلهم وللتبادل التجاري بين الشرق والغرب.
وبعدما حصل لبنان على استقلاله عام 1943، أعطت الدولة اللبنانية عام 1960، شركة إدارة واستثمار مرفأ بيروت، وهي شركة خاصة، امتيازاً لاستثمار المرفأ وتشغيله لمدة 30 سنة. وقد قامت هذه الشركة ببناء الحوض الثالث (أرصفة 9 و10 و11) والرصيفين 13 و14 من الحوض الرابع، وتطويل مكسر الموج (break water).
وعندما أقفلت قناة السويس أمام الملاحة البحرية عام 1967، بسبب  عدوان إسرائيل على مصر واحتلالها للضفة الشرقية للقناة، توقفت حركة التجارة البحرية بين أوروبا والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية والشرق الأقصى عبر القناة، فتحول مرفأ بيروت الى مركز رئيسي للبضائع المستوردة برسم الترانزيت البري الى الدول العربية كالسعودية والأردن والعراق والكويت. فكانت البواخر تؤمّ مرفأ بيروت وتفرغ آلاف الأطنان من البضائع في مستودعاته وعلى أرصفته، وهي برسم الترانزيت البري الى الدول العربية، فيتم إعادة تحميلها على الشاحنات التي تنقلها براً عبر الأراضي السورية الى مقصدها النهائي في العمق العربي. وقد أطلق على مرفأ بيروت لقب “مرفأ العرب” نظراً للدور المحوري الذي يقوم به على صعيد الترانزيت البري، ولأنه المرفأ الأقرب جغرافياً الى بعض العواصم العربية كدمشق وعمان وبغداد، من كل المرافئ العربية الأخرى. وعام 1973، بلغ الوزن الإجمالي للبضائع التي تداولها مرفأ بيروت 3.4 ملايين طن، من ضمنها أكثر من مليون طن كانت برسم الترانزيت البري الى الدول العربية، أي ما نسبته 29%.
وعام 1975، أعيد فتح قناة السويس أمام الملاحة البحرية، وفي العام ذاته اندلعت الحرب اللبنانية التي خلفت وراءها مئات الآلاف من الضحايا والمعاقين والجرحى ودماراً وخراباً في قسم كبير من العاصمة بيروت ومرفأ بيروت. فأغلق مرفأ العاصمة وتحولت البضائع التي كانت تستورد عبره برسم الترانزيت البري الى مرفأي اللاذقية وطرطوس السوريين، ومرفأي مرسين واسكندرون التركيين. كما أن الدول العربية التي كانت تعتمد على مرفأ بيروت لاستيراد بضائعها، باشرت الاهتمام بمرافئها وبناء مرافئ جديدة حديثة ومتطورة، وبالتالي فقد مرفأ بيروت الدور المحوري الذي كان يلعبه على صعيد الترانزيت البري نحو العمق العربي.
وعندما وضعت الحرب اللبنانية أوزارها عام 1990، أعيد فتح مرفأ بيروت أمام الملاحة البحرية بعدما أزالت الدولة الركام ورفعت الأنقاض وأمّنت سلامة الأحواض.
كما أن الدولة اللبنانية تمكنت من الحصول على قروض عدة ميسرة من البنك الأوروبي للاستثمار وبعض الصناديق العربية، حيث قامت بإعادة إعمار مرفأ بيروت وبناء المستودعات وإنشاء الرصيفين 15 و16 من الحوض الخامس تمهيداً لبناء محطة حاويات على أرضه.
عام 1998، طرحت الدولة اللبنانية مناقصة لتجهيز وتشغيل محطة الحاويات في الحوض الخامس وفق نظام الـ “B.O.T”، ففازت بالمناقصة سلطة موانئ دبي “DPA” لمدة 20 عاماً، على أن تنجز مشروع التجهيز وتبدأ المحطة بتقديم خدماتها عام 2001.
كان هدف سلطة موانئ دبي من الفوز بمناقصة تجهيز وتشغيل محطة الحاويات هو لاعتماد مرفأ بيروت مركزاً محورياً استراتيجياً لعمليات الترانزيت البري والبحري في شرق المتوسط، فسلطة موانئ دبي كانت تنوي تجهيز محطة الحاويات بأحدث الرافعات الجسرية والتجهيزات المتطورة لكي تتمكن من التعامل مع بواخر الحاويات الكبيرة القادمة من المرافئ الأوروبية، حيث يتم تفريغ الحاويات التي مقصدها النهائي البلدان العربية وبلدان في القارة الآسيوية، ثم يُعاد تحميلها على الشاحنات لنقلها براً عبر الأراضي السورية لمقصدها النهائي من البلدان العربية والى موانئ دبي حيث يتم تفريغ الحاويات ومن ثم شحنها على البواخر الى مقصدها النهائي في القارة الآسيوية.
وكانت سلطة موانئ دبي تنوي اعتماد موانئ الإمارة مركزاً محورياً لبواخر الحاويات القادمة من القارة الآسيوية، حيث يتم تفريغ الحاويات التي مقصدها النهائي بلدان في القارة الأوروبية، حيث يعاد تحميلها على الشاحنات لنقلها براً الى مرفأ بيروت حيث يتم تفريغها ومن ثم شحنها على البواخر الى مقصدها النهائي في بلدان في القارة الأوروبية.
وفي الوقت الذي كانت سلطة موانئ دبي منهمكة بالتحضير لتجهيز محطة الحاويات في مرفأ بيروت لتباشر تقديم خدماتها الفعلية عام 2001، كانت الدولة اللبنانية تعد مشروعاً لبناء شبكة سكك حديدية لربط مرفأ بيروت بدول مجلس التعاون، وخصوصاً بموانئ دبي، ما سيعزز دور مرفأ بيروت المحوري على صعيد الترانزيت البري بواسطة الشاحنات وشبكة السكك الحديدية، علماً أن طول الطريق من مرفأ بيروت الى موانئ دبي لا يتجاوز الـ2600 كيلومتر، ويمكن للشاحنة عبورها خلال ثلاثة أيام. في حين أن عبور البواخر لقناة السويس من المتوسط الى موانئ دبي يستغرق حوالي سبعة أيام بالإضافة الى تسديد رسوم عبور في القناة قد تصل أحياناً الى 500 ألف دولار أميركي للسفن العملاقة التي تفوق سعتها الـ24 ألف حاوية نمطية.
فجأة ومن دون سابق إنذار، وكما يقول المتنبي “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”، أعلن الرئيس نجيب ميقاتي الذي كان في حينها وزيراً للأشغال العامة والنقل، أن لبنان يجري مفاوضات مع سلطة موانئ دبي لفسخ عقد تجهيز وتشغيل وإدارة محطة الحاويات من دون أن يكشف أسباب هذا الفسخ.
وبالفعل فسخ العقد وأوقفت سلطة موانئ دبي إجراءاتها لتجهيز المحطة التي بقيت عاطلة من العمل حتى عام 2004، حيث فاز بمناقصة تشغيلها الكونسورتيوم البحري المؤلف من الشركات الثلاث، كما ذكرنا في مطلع هذه الدراسة.

اليوم، وبعدما وقّعت الإمارات العربية المتحدة اتفاقاً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، تستعد هذه الأخيرة للعب الدور المحوري الذي كان سيلعبه مرفأ بيروت عام 2001، على صعيدي الترانزيت البري والبحري، والتأثير سلباً على الدور الذي تلعبه قناة السويس بربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر.

كانت تخطط مسبقاً وقبل توقيع اتفاقية التطبيع مع الإمارات للعب هذا الدور، فقد فازت المجموعة الصينية Shanghai International Port Group بالمناقصة عام 2015، لتطوير وتوسيع وتجهيز مرفأ حيفا ليقوم بلعب هذا الدور الاستراتيجي، على أن تباشر بتشغيله وإدارته عام 2021، ولمدة 25 عاماً.
وفي الوقت الذي كان يتم فيه توقيع اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، كانت موانئ دبي العالمية “DPW” توقع مذكرات تفاهم مع شركة “Dover Tower” الإسرائيلية، للتعاون في مجال الشحن والموانئ وتطوير المناطق الحرة والبنى التحتية وتعزيز التجارة بين الدولتين وفي المنطقة، بالإضافة الى اتفاقيات تعاون في مجالات عدة.
وكانت إسرائيل قد طرحت مبادرة لربط مرفأ حيفا في البحر المتوسط بشبكة سكك حديدية تمر بالأردن والسعودية وصولاً الى موانئ دبي في البحر الأحمر. وهذه المبادرة تعتبرها إسرائيل الطريق الأقصر والأرخص والأكثر أماناً، إذ “تتفادى المخاطر الإيرانية في مضيق هرمز ومضيق باب المندب”، كما ذكرت “إسرائيل العربية”، وهي الصفحة التابعة لوزارة الخارجية. وهذه الطريق كما تخطط إسرائيل لربما تكون البديل من قناة السويس.
يشار الى أن طول الطريق بين مرفأ حيفا وموانئ دبي هو 2580 كيلومتراً، وهو الطول عينه تقريباً بين مرفأ بيروت وموانئ دبي، ويمكن للشاحنة أن تعبرها بنحو 3 أيام.
تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى