هل تمثل الغواصات الإيرانية تحدياً حقيقياً لأمريكا أم أنها مجرد وسيلة للدعاية؟

غواصة فاتح حقيقية وملموسة، ويبدو كما لو أنَّ بإمكانها أن تُوسِّع قدرات أسطول الغواصات الإيراني متوسط المدى على نحوٍ مفيد.

ميدل ايست نيوز: تمثل الغواصات الإيرانية ومنها غواصة فاتح أكبر لغز يواجه الولايات المتحدة في حال دخلت في مواجهة بحرية مع طهران في مضيق هرمز.

فلطالما خطط الجيش الإيراني لحرب بحرية دفاعية في هذه المنطقة، يستفيد فيها من أسطوله الضخم من الزوارق الهجومية السريعة التي تحمل صواريخ مضادة للسفن من أجل شن هجمات كر وفر حاشدة على الخصوم، ويكون الهدف النهائي هو إغلاق حركة المرور عبر مضيق هرمز.

يدعم استراتيجية حرب العصابات البحرية هذه 21 غواصة صغيرة محلية الصنع من طراز “غدير”، مُشتقة من طراز “يونو” الكوري الشمالي، حسبما ورد في تقرير لمجلة The National Interest الأمريكية.

ويمكن لهذه المركبة التي يبلغ وزنها 120 طناً التحرك بسرعة 11 عقدة (20 كيلومتراً/الساعة)، ويحمل كلٌّ منها طوربيدين بقُطر 533 ملم.

وعموماً تُعَد المياه الساحلية الضحلة مواتية جداً لعمليات الغواصات الصغيرة، إذ تُقلِّص التداخلات من المياه الضحلة الوعرة وأصوات الأمواج العالية نطاقات الاكتشاف بأجهزة السونار وتمنح الغواصات الصغيرة فرصاً وفيرة للاختباء ونصب الأكمنة.

وتُشغِّل إيران 3 غواصات أكبر بكثير وأكثر قوة تعمل بالكهرباء والديزل من طراز “كيلو” اشترتها من روسيا في التسعينيات. ويمكن لهذه الغواصات المطاردة بشكل مريح في مياه المحيط الهندي.

دشنت إيران قبل 4 سنوات أيضاً غواصتها محلية الصنع من طراز “فاتح”. وربما تفتقر الغواصة محلية الصنع للمميزات الحديثة مثل الصواريخ المضادة للسفن أو نظام الدفع الجوي الهادئ المستقل، لكن يبدو بالفعل أنَّها ليست شيئاً يجب أن يستهين به المرء، حسب التقرير.

لماذا لجأت طهران لصنع غواصاتها الخاصة على ضعف إمكاناتها؟

لكن لِمَ قد تستثمر إيران مبالغ كبيرة في صنع غواصاتها بدلاً من شراء عتاد حديث من روسيا أو الصين؟

يرتبط السبب بلا شك بمعرفة طهران بكيف يمكن للتحالفات الدولية المتغيِّرة أن تتسبب في إرباك التخطيط العسكري.

فقبل الثورة الإيرانية، كانت حكومة الشاه تُغمَر بكميات كبيرة من أحدث الأسلحة الأمريكية، وهو الأمر الذي أصبح الحفاظ عليه أصعب بكثير بعد حادثة احتجاز الثوار الإيرانيين للرهائن في السفارة الأمريكية بطهران عام 1979.

وحين غزا العراق إيران عام 1980، وجدت طهران نفسها في خلاف مع كلٍّ من أمريكا والاتحاد السوفييتي، ولجأت إلى الأسلحة الصينية، فضلاً عن التعاملات الخلفية مع مسؤولي إدارة ريغان (مثل صفقة تبادل رهائن السفارة بأسلحة أمريكية التي عرفت بإيران كونترا).

قدَّم هذا التاريخ المضطرب زخماً هائلاً لجهود الاكتفاء العسكري الذاتي في إيران، حتى لو كانت النتائج في المدى القصير ليست كبيرة مُقارَنةً بمنظومات الأسلحة الأجنبية.

وها هم الآن يصنعون غواصة فاتح شبه ثقيلة

ويبلغ طول الغواصة فاتح “شبه الثقيلة” ما بين 40 و48 متراً. وتملك فاتح أربعة أنابيب طوربيدات مقوسة، ويمكن أن يصل على الأرجح بين 6 إلى 8 مرات إعادة تلقيم، ويوجد نظام سونار دائري تحت الأنابيب.

ويمكن للغواصة فاتح العمل عند مستوى يصل إلى 200 متر تحت سطح البحر، وهو مستوى أكثر من ملائم لمياه المنطقة الضحلة. وتتباين تقديرات المصادر لسرعتها القصوى عند الغطس بين 14 إلى 23 عقدة (26 كيلومتراً/الساعة إلى 43.6 كيلومتر/ساعة)، ويبدو أنَّ التقدير الأقل هو الأرجح.

وتقول وكالة أنباء “فارس” إنَّ الغواصة فاتح يمكنها العمل وصولاً إلى 5 أسابيع في البحر في نطاق يصل إلى 3100 ميل (4990 كيلومتراً)، وهو ما يمنحها قدرة تحمُّل للذهاب أبعد في بحر العرب. لكن الأمر الأقل وضوحاً هو المدة التي يمكن للغواصة التي تعمل بالكهرباء والديزل الغطس خلالها تحت الماء بصورة متواصلة دون الصعود إلى سطح الماء أو استخدام “السنوركل” (الذي يسمح للغواصة بالعمل تحت الماء فيما تُجدد هواءها من فوق سطح البحر) لإعادة شحن البطاريات.

وعلى الرغم من تدشين الغواصة فاتح من حوض بناء السفن في “بوستانو” عام 2013، يبدو أنَّ الغواصة تخضع لتجارب بحرية ولم يُعلَن عن عملها بصورة كاملة.

بيسات أكبر حجماً، والحوت طوربيد فائق السرعة

ويحيط الغموض أيضاً بخطط إيران إنتاج غواصتين يبلغ طولهما 60 متراً من طراز “بيسات” أو “قائم” مُسلَّحتين بستة أنابيب طوربيدات. وتتضمَّن الميزات الأخرى المزعومة الغطس بعمق يصل إلى 300 متر، وسرعة قصوى تصل إلى 23 ميلاً/ساعة (37 كيلومتراً/ساعة).

يتعامل تقرير لمكتب الاستخبارات البحرية الأمريكي، نُشِر في مارس/آذار 2017، مع طراز بيسات بجدية، ويقول إنَّه سيدخل الخدمة مع البحرية الإيرانية ويتمتع بالقدرة على إطلاق صواريخ كروز المضادة للسفن في غضون السنوات الخمس المقبلة.

من الناحية النظرية، من شأن سلاح كهذا أن يزيد نطاق الاستهداف لأسطول طهران من الغواصات. لكن قد يتضح أنَّ تطوير إيران لتكنولوجيا كهذه بصورة مستقلة أمر صعب.

أحد الأسلحة التي قد تكون أقرب من “بيسات” إلى دخول الخدمة هو طوربيد التكهُّف الفائق “حوت”، الذي تفيد تقارير بقدرته على الحفاظ على سرعات تفوق 200 ميل/ساعة (322 كيلومتراً/ساعة)، وهو أسرع من الطوربيد العادي التقليدي بنحو أربع مرات.

أُذيعَ أول اختبارات الطوربيد حوت على التلفزيون الإيراني في عام 2006، وتفيد تقارير بخضوع السلاح لاختبارات جديدة في 2015 ومايو/أيار 2017، ولو أنَّ نتيجة تلك الاختبارات ما تزال مجهولة. ويعتقد محللو الشؤون الدفاعية أنَّ حوت هو عبارة عن هندسة عكسية لطوربيد “شكفال” الروسي.

هل تمثل هذه الأسلحة خطراً حقيقياً أم أنها مجرد دعاية إعلامية؟

وتُظهِر خبرة الماضي أنَّ طهران عادةً ما تبالغ وتشوش على حجم مشروعاتها الدفاعية. مع ذلك، فإنَّ غواصة فاتح حقيقية وملموسة، ويبدو كما لو أنَّ بإمكانها أن تُوسِّع قدرات أسطول الغواصات الإيراني متوسط المدى على نحوٍ مفيد. وفي حين أنَّ تقييم وضع غواصات طراز بيسات يُعَد أصعب، فإنَّ استخدامها سيُمثِّل تحسيناً آخر في القدرات الإيرانية.

ومع أنَّ الغواصات الإيرانية الجديدة قد تكون بعيدة كل البعد عن أحدث تصميمات الغواصات، فإنَّها ما تزال تمثل خصوماً خطرة في المياه الضيقة والضحلة. الأهم من ذلك أنَّ الجهود المستمرة لإنتاج غواصات وأسلحة غواصات أكبر وأكثر قوة بصورة محلية تمثل دليلاً إضافياً على استثمار طهران تلك الجهود طويلة الأجل كي تصبح قوة عسكرية مكتفية ذاتياً.

 

اقرآ المزيد:

ايران.. خطوة بخطوة نحو غواصات نووية بصواريخ إطلاق عمودية

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى