تكتيك سهل لتجاوز التعثر الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة

يجب على فريق "بايدن" إصدار إعفاءات من العقوبات للمشاريع النووية التي نصت عليها خطة العمل الشاملة المشتركة.

ميدل ايست نيوز: تفرض الولايات المتحدة حاليا عقوبات على شركات أجنبية بالرغم أنها ساهمت في محاولة احتواء البرنامج النووي الإيراني. وتعد هذه العقوبات من مخلفات عهد “دونالد ترامب”، والتي يمكن للرئيس الأمريكي الحالي “جو بايدن” إصلاحها دون نزع سلاح الضغط الاقتصادي الأمريكي على إيران.

وفي حين أن واشنطن وطهران قد تجلسان قريبا على طاولة المفاوضات، إلا أن كلا الجانبين يتعرضان لضغوط لا هوادة فيها من المشرعين للتنافس بدلا من التعاون. ولسوء الحظ، تتراجع فرصة إحياء الاتفاق النووي الإيراني بسرعة، ويخاطر كلا الجانبين بانهياره.

ونظرا لأن إيران لا تزال تخضع لعقوبات “أقصى ضغط” منذ عهد “ترامب”، فإن رفض طهران لعقد اجتماع غير رسمي مبكر مع إدارة “بايدن” أمر غير مفاجئ. لكن النتيجة النهائية أن كلاً من واشنطن وطهران عالقتان في هذا الوحل الدبلوماسي، ولا تريد أي منهما التحرك أولا، بينما تتصاعد التوترات.

ولن تقدم إدارة “بايدن” الإغاثة الاقتصادية إلا بعد بدء المحادثات، ولن ترفع العقوبات إلا بالتوازي مع الخطوات الإيرانية نحو الامتثال لخطة العمل الشاملة المشتركة. وبالمقابل، تريد طهران تخفيف العقوبات أولا. وبالفعل، تقوم إيران بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وهي على بعد خطوة من صناعة سلاح نووي.

ومع استمرار المواجهة، يتزايد خطر فقدان الوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية. وأقر البرلمان الإيراني تشريعا يطالب منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، من بين إجراءات أخرى، بتقليص وصول المفتشين النوويين التابعين للأمم المتحدة. ولنزع فتيل أزمة وشيكة في الأفق، أبرمت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية صفقة تسمح بفترة 3 أشهر للدبلوماسية. وهو بالفعل حل مبتكر يضمن الإشراف الضروري على برنامج إيران النووي، ولكن مع وصول أقل للوكالة الدولية للطاقة الذرية وأدوات أقل للتفتيش.

ويمكن الحفاظ على الوضع الحالي لفترة قصيرة من الزمن، ولكن ليس على المدى الطويل. وإذا انهار هذا الاتفاق، فستفقد الوكالة الدولية للطاقة الذرية والعالم هذه المعلومات القيمة، وسوف تتزايد الفجوات في المعرفة حول برنامج إيران النووي مرة أخرى.

وللتغلب على هذه المعضلة، يجب على فريق “بايدن” إصدار إعفاءات من العقوبات للمشاريع النووية التي نصت عليها خطة العمل الشاملة المشتركة، والتي من الواضح أنها تصب في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة لدرجة أن إدارة “ترامب” خالفت سياسة الأرض المحروقة تجاه إيران وسمحت بهذه المشاريع حتى أشهرها الأخيرة.

ولن يكون إصدار هذه الإعفاءات النووية بادرة حسن نية فقط يمكن أن تساعد في تحفيز الحوار مع إيران، ولكن في بعض الحالات، يمكن أن تحقق الإعفاءات الشرط المسبق لإيران للعودة إلى الامتثال لخطة العمل الشاملة المشتركة.

ما هي الإعفاءات النووية؟

بالرغم من الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018، ومحاولة تمزيق الصفقة التي أشرفت عليها الأمم المتحدة، فقد اعترفت إدارة “ترامب” بأن بعض جوانب خطة العمل الشاملة المشتركة كانت مفيدة بشكل واضح للأمن القومي للولايات المتحدة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، فرضت إدارة “ترامب” عقوبات على منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وأدرجتها فعليا في القائمة السوداء بقصد منع الشركات الأجنبية من التعامل مع العلماء النوويين الإيرانيين.

ومع ذلك، أصدرت إدارة “ترامب” إعفاءات لشركات روسية وصينية وبريطانية للعمل مع الوكالة الإيرانية في مشاريع مصممة لاحتواء البرنامج النووي الإيراني. وسمحت هذه الإعفاءات لروسيا، على سبيل المثال، بنقل الوقود إلى مفاعل طهران للأبحاث، الذي يتم تشغيله باليورانيوم المخصب بنسبة 20%، وبالتالي تم القضاء على الغطاء السياسي الذي قد تستخدمه إيران لإجراء لتخصيب إلى هذا المستوى. كما سمحت هذه الإعفاءات بنقل الماء الثقيل الزائد إلى عُمان، وشحن مخلفات الوقود إلى خارج إيران.

كما سمحت الإعفاءات للصين بتعديل مفاعل أبحاث الماء الثقيل في أراك تحت إشراف المملكة المتحدة. وفي تصميمه الأصلي، شكل مفاعل “أراك” تهديدا كبيرا، لذلك سعى الاتفاق النووي إلى نزع فتيل هذه المشكلة. ووفقا لـ”كولين كال”، مرشح “بايدن” الآن لمنصب وكيل وزارة الدفاع للسياسة، كان من الممكن أن يستخدم مفاعل “أراك” الوقود المستهلك لإنتاج ما يكفي من البلوتونيوم لواحد أو اثنين من الأسلحة النووية سنويا. وبموجب التصميم الجديد، سيقتصر المفاعل على نصف طاقته الأصلية وسيستخدم الوقود المخصب بنسبة 3.67% فقط.

وتم تجديد هذه الإعفاءات بشكل روتيني في صيف عام 2020، وعلى حد تعبير وزير الخارجية آنذاك “مايك بومبيو”، فإن “السماح باستمرار هذه الأنشطة في الوقت الحالي سيحسن الرقابة المستمرة على برنامج إيران النووي المدني ويجعل هذه المنشآت أقل عرضة للاستخدامات النووية غير المشروعة”.

وأدى هذا القرار إلى انقسام بين “ترامب” وأكثر مؤيديه حماسة في الكونجرس؛ حيث قدم المشرعون الجمهوريون “ليندسي جراهام”، و”توم كوتون”، و”تيد كروز”، و”ماركو روبيو”، تشريعات لإنهاء الإعفاءات التي كانت إدارة “ترامب” تصدرها.

وكشف هذا القلق أيضا عن النية الحقيقية لأشد منتقدي الاتفاق النووي عندما أوضح السيناتور “جراهام” سبب موقفه. وقال “جراهام”: “إذا كنتم تريدون تغيير النظام، فأنا معكم. لكن هذه ليست سياسة إدارة ترامب. قد يكون هذا هو موقف كوتون، وقد يكون هذا هو موقف كروز، لكن هذا ليس موقف ترامب”.

وتكشف الحقيقة الفظة في تصريح “جراهام” عن نية الصقور المعادين لإيران منذ البداية. فلم يكن الأمر يتعلق بتفاصيل الاتفاق النووي؛ بل كان دائما يتعلق بسياسة مستمرة لتغيير النظام. وقد يكون إعادة إصدار الإعفاءات النووية محل ازدراء من قبل هؤلاء الصقور، لكن من الواضح أن هذه الإعفاءات تصب في مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة، للدرجة التي جعلت “بومبيو” يعترف بذلك على مضض.

وحاليا، فإن كل المطلوب هو أن تتوقف الولايات المتحدة عن معاقبة الشركات الأجنبية التي تحاول احتواء برنامج إيران النووي. وإذا سمحت إيران لهؤلاء الفنيين الأجانب بالعودة، فستكون هذه طريقة سهلة لجذب المزيد من الأنظار على الأرض إلى المواقع النووية الحساسة عندما يتضاءل إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وستسمح هذه الخطوة أيضا للحلفاء الأوروبيين الرئيسيين، وكذلك روسيا والصين، بالعودة إلى مطالبة إيران بالامتثال لالتزاماتها النووية بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، ما قد يضع مزيدا من الضغط على طهران من أجل التواصل الدبلوماسي مع إدارة “بايدن”. ومع مرور الوقت، قد تحتاج كل من طهران وواشنطن إلى التحلي بالمرونة فيما يتعلق بما يمكن اعتباره “الخطوة الأولى”.

ويجب على إدارة “بايدن” أن تتخذ هذه الخطوة المؤقتة نحو مزيد من المشاركة الدبلوماسية مع إيران لحل هذه الأولوية الملحة للأمن القومي الأمريكي. ولا يوجد وقت نضيعه.

 

قد يعجبك:

الاتفاق النووي الإيراني: لا يمكن للعالم أن يخدع طهران مرة أخرى

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
الخليج الجديد
المصدر
Responsible Statecraft

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − 13 =

زر الذهاب إلى الأعلى