ماذا تريد إيران من إنتاج معدن اليورانيوم المخصَّب الآن؟

ذكر تقرير سري للوكالة اطلعت عليه وكالة رويترز للأنباء أن الوكالة أكدت أن إيران اتخذت خطوات لبدء عملية إنتاج معدن اليورانيوم المخصب.

ميدل ايست نيوز: يطرح توقيت إقدام إيران على البدء في إنتاج معدن اليورانيوم المخصب سؤالاً مهماً حول مسار مفاوضات فيينا الهادفة إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، فهل قررت طهران أن تمضي قُدماً على طريق إنتاج قنبلة نووية كخيار استراتيجي؟

فالإعلان الذي كشفت عنه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مساء الثلاثاء 6 يوليو/ تموز، جاء قبل أيام من العودة المفترضة لوفود الدول أعضاء الاتفاق النووي إلى العاصمة النمساوية لعقد الجولة السابعة من مفاوضات العودة للاتفاق النووي، والتي تشارك فيها واشنطن بصورة غير مباشرة.

وقبل التوقف عند تفاصيل الخطوة التي أقدمت عليها إيران، أي إنتاج معدن اليورانيوم المخصب، وما تعنيه تلك الخطوة بشأن المدى الزمني الذي بات يفصل طهران عن “العتبة النووية”، أو الحصول على سلاح نووي بالفعل، من المهم الرجوع قليلا إلى الخلف لاسترجاع ما تم إنجازه في مفاوضات فيينا، حتى يمكن الوقوف على ما تريده إيران حقاً من هذا التصعيد في هذا التوقيت.

إلى أين وصلت مفاوضات الاتفاق النووي؟

خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الاتفاق النووي، كما يُعرف إعلامياً، هي ذلك الاتفاق الذي وقعته إيران مع الدول الكبرى (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين) عام 2015، بهدف فرض رقابة صارمة على برنامج طهران النووي لضمان سلميته، مقابل رفع العقوبات الأمريكية والأممية المفروضة على الجمهورية الإسلامية منذ ثورة الخميني التي أطاحت بالشاه عام 1979.

وعلى الرغم من انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من الاتفاق بشكل أحادي عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران، ظل الاتفاق النووي سارياً من جانب باقي الموقعين عليه بما فيهم طهران نفسها حتى اليوم.

لكن إيران بدأت منذ عام 2019، أي بعد عام من انسحاب واشنطن، في التحلل تدريجياً من التزاماتها بموجب بنود الاتفاق، بينما سعت باقي الأطراف إلى محاولات إقناع طهران بعدم اتخاذ إجراءات تجعل العودة للاتفاق مستحيلة. واستمرت طهران في التخلي التدريجي عن التزاماتها ببنود الاتفاق حتى خسر ترامب الانتخابات وفاز الرئيس الحالي جو بايدن، الذي كان نائباً لباراك أوباما، الرئيس الأسبق الذي وقع على الاتفاق، وبدا أن إعادة إحياء الاتفاق النووي أصبحت مسألة حتمية، في ظل الرغبة المعلنة من بايدن للعودة إليه.

وبعد أخذ ورد، في إطار ما بات يوصف بلعبة “شد الأصابع” بين طهران وواشنطن منذ تولي بايدن منصبه رسمياً في 20 يناير/ كانون الثاني، انطلقت مفاوضات فيينا بمشاركة جميع الأطراف، وإن كان الأمريكيون والإيرانيون لا يجلسون على نفس مائدة التفاوض.

كانت إيران تصر على ألا تتفاوض من الأساس مع إدارة بايدن قبل أن ترفع الأخيرة جميع العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب دون قيد أو شرط وبعدها تعود طهران للالتزام ببنود الاتفاق مرة أخرى، وفي المقابل تمسكت إدارة بايدن بأن تعود طهران للالتزام ببنود الاتفاق أولاً ثم يتم رفع العقوبات، وفي النهاية وافقت طهران على التفاوض غير المباشر قبل رفع العقوبات ودون أن تعود لالتزاماتها.

جرت حتى الآن ست جولات من المفاوضات في فيينا، انتهت آخرها يوم 23 يونيو/حزيران الماضي – بعد يوم واحد من فوز إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية في إيران – وعادت الوفود إلى عواصمها للتشاور، وسط تقارير تشير إلى أن العودة للاتفاق النووي باتت شبه محسومة، وأن الجولة السابعة من المفاوضات – لم يحدد موعدها بعد – على الأرجح ستشهد نهاية مشوار التفاوض بالإعلان عن إعادة إحياء الاتفاق النووي.

تصعيد إيراني وتهديد أمريكي

لكن سرعان ما تلاشت نبرة التفاؤل التي صاحبت نهاية الجولة السادسة من مفاوضات فيينا؛ إذ عاد التصعيد بين واشنطن وطهران ليصبح سيد الموقف من خلال ما يمكن وصفه بـ”حرب التصريحات” خلال الأيام الماضية.

ففي مقابلة مع صحيفة The New York Times السبت 26 يونيو/حزيران الماضي، قال وزير الخارجية الأمريكي إن استمرار السلطات الإيرانية في تطوير برنامجها النووي “قد يصبح قريباً عقبة لا يمكن التغلب عليها إطلاقاً”، مضيفا: “إذا استمروا في تشغيل أجهزة طرد مركزية أكثر تطوراً، بشكل مستمر على مستويات أعلى وأعلى، فسنصل إلى نقطة صعبة للغاية من الناحية العملية” للوصول إلى الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015 بصيغته وبنوده الأصلية. ورداً على سؤال حول اليوم الذي قد تنسحب فيه إدارة بايدن من المحادثات النووية، قال بلينكن: “لا يمكنني تحديد موعده، لكنه يقترب”.

وكرر بلينكن نفس الرسالة، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الفرنسي جان إيف لودريان في باريس، حيث أكد أن “خلافات جوهرية لا تزال قائمة حول الاتفاق النووي”، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية، مؤكدا أن بلاده “لن تتوصل لصفقة تعيد إحياء الاتفاق المتهاوي، منذ انسحاب الإدارة الأمريكية، إلا إذا أوفت السلطات الإيرانية بالتزاماتها النووية”.

ولم يتأخر الرد من طهران؛ إذ أعلنت الخارجية الإيرانية إمكانية إحياء الاتفاق النووي الموقع عام 2015 خلال محادثات فيينا، لكنها استبعدت استمرارها بالتفاوض إلى أجل غير مسمى. وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده على حسابه في “تويتر” إن “إيران كانت أنشط طرف في فيينا وهي أكثر من قدَّم مسودات انطلاقاً من التزامها الراسخ بإحياء الاتفاق الذي حاولت الولايات المتحدة نسفه”.

وفي ظل هذه الأجواء المشتعلة– على الأقل إعلامياً– بين الجانبين، من الطبيعي أن يمثل إقدام إيران على البدء في إنتاج معدن اليورانيوم المخصب تصعيداً ربما يؤدي إلى تعقيد الموقف أكثر وجعل إعادة إحياء الاتفاق النووي في مهب الريح.

مصادر: محادثات فيينا في “أزمة” والرئيس الجديد يعمل على أساس فرضية أن العقوبات لن ترفع

ماذا يعني إنتاج معدن اليورانيوم المخصَّب؟

ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مساء الثلاثاء، أن إيران بدأت عملية إنتاج معدن اليورانيوم المخصب، مضيفة في بيان: “أبلغت إيران الوكالة اليوم (الثلاثاء) بأن أوكسيد اليورانيوم المخصب حتى 20 بالمئة من اليورانيوم-235 سيُنقل إلى مختبر الأبحاث والتطوير في محطة الوقود بأصفهان، حيث سيُحول إلى رابع فلوريد اليورانيوم ثم إلى معدن اليورانيوم المخصب حتى 20 بالمئة من اليورانيوم-235، قبل استخدامه في تصنيع الوقود”.

كما ذكر تقرير سري للوكالة اطلعت عليه وكالة رويترز للأنباء أن الوكالة أكدت أن إيران اتخذت خطوات لبدء عملية إنتاج معدن اليورانيوم المخصب.

لكن هذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها إيران بإنتاج معدن اليورانيوم؛ إذ أنتجت بالفعل 3.6 غرام من معدن اليورانيوم الطبيعي في شهر فبراير/ شباط الماضي في منشأة تصنيع ألواح الوقود، في إطار إنتاج الوقود في منشأة في أصفهان، وسبق ذلك إعلان إيران أنها ستحول مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 بالمئة إلى الألواح المعدنية اللازمة لمفاعلها البحثي، الذي ينتج بدوره نظائر مشعة تُستخدم في الطب والصناعة.

وتحتفظ إيران بمخزونها من اليورانيوم المخصب في شكل غازي، حيث يمكن تمريره خلال مجموعات من أجهزة الطرد المركزي لفترة قصيرة. وهذه الأجهزة، التي تدور بسرعة تفوق سرعة الصوت، تفصل نظير اليورانيوم 235 اللازم لإطلاق التفاعلات المتسلسلة في محطات الطاقة (الاستخدام السلمي) والقنابل (تصنيع أسلحة نووية).

لكن تصنيع الأسلحة النووية يتطلب اليورانيوم المخصب حتى درجة نقاء 90 بالمئة، بينما مخزون إيران من اليورانيوم مخصب بنسبة 20 بالمئة، وكان البرلمان الإيراني قد اتخذ قرارا قبل أشهر برفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60 بالمئة، ولا توجد تقارير مؤكدة بشأن إذا ما كانت طهران قد وصلت لتلك النسبة من التخصيب أم لا.

وبمجرد إعلان طهران عن البدء في إنتاج معدن اليورانيوم الطبيعي، حذر كثير من المحللين الإسرائيليين والغربيين من أن ذلك يعني اقتراب طهران من امتلاك قنبلة نووية، لكن روبرت كيلي، مهندس الأسلحة النووية الأمريكي وخبير التفتيش سابقاً، قلل من تأثير الخطوة الإيرانية على المدى الزمني اللازم لإنتاج قنبلة نووية، وقال لوكالة Bloomberg الأمريكية، إن جميع الخطوات التي اتخذتها إيران تهدف للضغط على الإدارة الأمريكية للعودة إلى الاتفاق، لكن تلك الخطوات لا تعني الكثير فيما يتعلق بالمدى الزمني اللازم لإنتاج سلاح نووي بسرعة.

ما تأثير ذلك على إحياء الاتفاق النووي؟

وكما هو متوقع، نددت واشنطن وحلفاؤها بالخطوة الإيرانية– إنتاج معدن اليورانيوم–ووصفوها بـ”الاستفزاز”، وأوضح مسؤولون أمريكيون وأوروبيون أن قرار إيران سيُعقِّد، وربما ينسِف، مفاوضات فيينا.

وقالت بريطانيا وفرنسا وألمانيا إنها تشعر بـ”قلق بالغ” تجاه هذا القرار الذي ينتهك بنود الاتفاق النووي المعروف رسمياً بخطة العمل الشاملة المشتركة. وقالت الدول، الثلاث في بيان مشترك أصدرته وزارة الخارجية البريطانية “ليس لإيران حاجة مدنية يُعتد بها لإنتاج معدن اليورانيوم، وهي خطوة رئيسية على طريق تطوير سلاح نووي”.

وأضافت “من خلال أحدث الخطوات التي اتخذتها، فإن إيران تهدد إمكانية الوصول إلى نتيجة ناجحة لمحادثات فيينا، على الرغم من النجاح الذي أُحرز في ست جولات من التفاوض”.

أما المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس فقال إن واشنطن لم تحدد موعداً نهائياً للمحادثات، لكنه استدرك قائلا إنه “مع مرور الوقت فإن التقدم النووي الإيراني سيكون له تأثير على موقفنا من العودة إلى الاتفاق النووي”.

وتابع برايس أن الولايات المتحدة ترى أنه “من المقلق” أن تواصل إيران انتهاك الاتفاق “خاصة بإجرائها تجارب ذات قيمة بالنسبة لأبحاث الأسلحة النووية”، وأضاف “إنها خطوة مؤسفة أخرى للوراء من جانب إيران”.

أما سفير روسيا لدى وكالة الطاقة الذرية ميخائيل أوليانوف، فقد أشار إلى تقرير الوكالة بشأن أحدث انتهاك من جانب إيران للاتفاق النووي، مع إشارة مماثلة لقرار إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الإبقاء على العقوبات التي أعاد ترامب فرضها على طهران، معتبرا أن كلا الأمرين يمثل انتهاكاً للاتفاق.

وقال أوليانوف على تويتر “السبيل الوحيد للخروج من هذه الحلقة المفرغة هو استئناف محادثات فيينا دون تأخير، والعودة الكاملة للالتزام بخطة العمل الشاملة المشتركة”.

لكن أغلب المراقبين يرون أن إقدام طهران على البدء– أو بالأحرى– مواصلة إنتاج معدن اليورانيوم المخصب لا يعني قرارا بالمضي قدما في إنتاج سلاح نووي وتجاهل مسار التفاوض لإحياء الاتفاق النووي، بقدر ما هو ممارسة أقصى قدر ممكن من الضغط على إدارة بايدن للعودة إلى الاتفاق بأفضل شروط يمكن أن تحصل عليها طهران.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
عربي بست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى