ما هي الخطة الأمريكية البديلة لو تعثرت المفاوضات النووية مع إيران؟
لم يعد بوسع البيت الأبيض ببساطة تحمُّل الظهور بأنه "مُتساهِل تجاه إيران"، ولهذا فإن الآفاق تراجعت بشكل جوهري أمام احتمال التوصل إلى اتفاق نووي.

ميدل ايست نيوز: في الوقت الذي تستعد فيه القوى الغربية وإيران للدخول في جولة سابعة محتملة من المحادثات، فإن المزاج والظروف في واشنطن وطهران أصبحت مختلفة كثيراً عما كان عليه الوضع عندما بدأت المحادثات في أبريل الماضي؛ فقد حلّ الرئيس المتشدد إبراهيم رئيسي محل الرئيس المعتدل نسبياً حسن روحاني، كما أن واشنطن تتعامل الآن مع إدارة أزمة كبرى والحد من الأضرار التي تواجه مصداقيتها ومكانتها في مجال السياسة الخارجية نتيجة التطورات الأخيرة في أفغانستان.
فقد تحوّل الانسحاب من كابُل إلى إخفاق تام بالنسبة لبايدن، والجمهوريين مُصممون على استغلال هذا الإخفاق ضد الديمقراطيين في انتخابات 2022 التكميلية، والانتخابات الرئاسة عام 2024. ويُعَدُّ أثر مثل هذه الديناميات على المفاوضات مع إيران واضحاً: فلم يعد بوسع البيت الأبيض ببساطة تحمُّل الظهور بأنه “مُتساهِل تجاه إيران”، ولهذا فإن الآفاق تراجعت بشكل جوهري أمام احتمال التوصل إلى اتفاق نووي.
التفاؤل الذي ساد في مفاوضات فيينا
بدا أن سياسة البيت الأبيض تجاه إيران بعد تولي الرئيس جو بايدن مهام منصبه بقليل تمثلت بالسعي إلى العودة إلى الأساسيات أولاً من خلال إعادة التفاوض على “خطة العمل الشاملة المشتركة” (الاتفاق النووي لعام 2015)، في حين تمثلت السياسة على الأمد البعيد بمتابعة التفاوض للتوصل إلى اتفاق أقوى يتناول قضايا أكثر صعوبة، مثل وضع بنود تتضمن مدة زمنية أطول لحظر تخصيب اليورانيوم، وبرنامج الصواريخ الإيرانية.
وظهر أن روبرت مالي، كبير المفاوضين الأمريكيين، واثق إلى حد ما حول إمكانية تعديل “خطة العمل الشاملة المشتركة” عندما بدأت المحادثات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في فيينا خلال أبريل الماضي.
وقُبيل نهاية المحادثات النووية في يونيو الماضي، كانت الولايات المتحدة وإيران تعملان على أربع نصوص مختلفة تتألف من 1,500 صفحة، بعد أن شاع تفاؤل حذر في الأجواء على ضوء إحراز تقدم جوهري، وارتفعت الآمال بشكل خاص في أوساط الوسطاء الأوروبيين في فيينا خلال الجولة السادسة. كما أن فوز المتشددين في طهران لم يعمل على تغيير مزاج التفاؤل في الغرب.
ومع أن من الواضح أن انتخاب رئيسي ليس بالأمر الإيجابي بالنسبة للعلاقات بعيدة الأمد بين طهران وواشنطن، غير أن هذا الفوز لم يُعتبر تغييراً لقواعد اللعبة، لأن المرشد الأعلى هو من يتولى زمام الأمور في طهران. وبالرغم من موقف المرشد الأعلى المناهض للغرب، فإنه لديه مصلحة رئيسة في تخليص بلاده من العقوبات التي منعت إيران من بيع نفطها في السوق العالمية.
كما ظهر بعض الأمل بأن رئيسي قد يرغب في جني نتائج العودة إلى الاتفاق النووي إلى درجة أن بعض المحللين الغربيين اعتقدوا بأن المتشددين كانوا يفضلون أن يواجه روحاني، عبر توقيعه على الاتفاق النووي قبل رحيله عن السلطة، انتقادات المعسكر المناهض للغرب في إيران. وتَمَثَّلَ افتراض هؤلاء المحللين أنه في حين أن روحاني سيتلقى اللوم، فإن الحكومة المتشددة المقبلة ستجني الفوائد الاقتصادية الناجمة عن تخفيف العقوبات، ونتيجة لذلك ظهرت توقعات بأن التوصل إلى اتفاق مجرد مسألة وقت خلال الصيف الجاري.
العوائق تُبدد التفاؤل
بالرغم من تلك الآمال الكبيرة فإن عوائق جوهرية شكلت تحدياً لمثل هذا التفاؤل؛ فقد كانت هناك نقطتان رئيستان عالقتان من وجهة نظر أولئك الذين ركزوا على المشاكل:
الأولى، إصرار إيران على الحصول على ضمان بأن الرئيس الأمريكي المقبل لن يتخلى عن الاتفاق، كما فعل الرئيس السابق ترمب عام 2018.
الثانية، الخلافات حول نطاق تخفيف العقوبات، حيث أصرت طهران على ضرورة رفع العقوبات كافة، بما فيها العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب خلال السنتين الماضيتين بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، مقابل التزام طهران في مجال تخصيب اليورانيوم.
لكنْ لا يمكن لواشنطن تحقيق أيٍّ من هذين المطلبين الإيرانيين: ففي مسألة العقوبات المفروضة على طهران بسبب انتهاكات حقوق الإنسان ليس لدى إدارة بايدن أي أسس للاعتماد عليها.
لكنْ ماذا عن المخاوف الإيرانية المتعلقة بالمدة الزمنية للاتفاق، وسعي طهران للحصول على ضمانات بعدم التراجع عن الاتفاق؟ قد يبدو هذا مطلباً مشروعاً، غير أنه ليس بوسع إدارة بايدن فعل الكثير لتحقيق هذا المطلب
. ومما لا شك فيه أن موافقة الكونجرس على “معاهدة” نووية مع إيران تُعَدُّ أكثر ديمومة من مجرد صدور مرسوم تنفيذي. ومع ذلك فإن مثل هذا السيناريو ليس واقعياً لأن مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين على حد سواء سيرفضان ببساطة تسوية أقل من “مثالية” مع إيران.
وبموجب الدستور الأمريكي فإن تحويل الاتفاق النووي إلى معاهدة يتطلب مصادقة ثلثي أعضاء المجلسين. وفي غياب اتفاق نووي يتناول أيضاً نشاطات إيران الإرهابية في المنطقة، وبرنامجها الصاروخي، وانتهاكات طهران في مجال حقوق الإنسان فإن الحصول على مثل هذه الأغلبية أمر مستحيل، الأمر الذي يزيد من إحباطات طهران.
ولعل من غير الصدفة تصريح المرشد في 28 يوليو الماضي، والذي قال فيه إن “التجربة المهمة للغاية خلال هذه الفترة التي يتعين على الأجيال المقبلة الاستفادة منها تَتَمَثَّل بضرورة عدم الثقة بالغرب”. ولعل من الواضح أن خطاب الرشد جاء في إشارة إلى “خطة العمل الشاملة المشتركة”، وكيف أن الإدارة الأمريكية في المستقبل قد تتخلى عن أي اتفاق يتم التوقيع عليه الآن مثل ما فعلت إدارة ترمب عام 2018 بعد ثلاث سنوات من التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015.
لكنَّ إيران بالطبع ليست الطرف الوحيد الذي لديه مطالب، فلدى واشنطن مخاوف كبرى أيضاً يَتَمَثَّلُ أهمها في التقدم الذي حققته طهران في محال البحث والتطوير في المجال النووي، وزيادة قدرتها على تخصيب اليورانيوم ومخزونها من هذه المادة منذ عام 2018 بما يتجاوز كثيراً القيود المفروضة في الاتفاق النووي لعام 2015.
وقد قال رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مايو 2021 إنه تم العثور على آثار يورانيوم خضعت للمعالجة الصناعية في أربعة مواقع لم تُعلن عنها إيران، بينما لم يصدر أي رد من إيران بهذا الخصوص.
لقد قامت إيران مؤخراً بتركيب أجهزة طرد مركزي مُتقدّمة ما يُضيف بُعداً آخر للتحدّي النووي. وأجهزة الطرد المركزي هذه، التي تسمح بتخصيب اليورانيوم بشكل أسرع، هي ليست ضمن المعايير المسموح بها في خطة العمل الشاملة المُشتركة لعام 2015؛ وبالتالي تَعتبرها الولايات المتحدة أنشطة غير مسموح بها. ولا تريد إيران التخلّص منها، لكنها عرضت السماح للمراقبين الدوليين بالوصول اليها. ومن المعروف أيضاً أن إيران تقوم الآن بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، وهي درجة مطلوبة فقط عند الاستعداد لبناء أسلحة نووية.
أحرز العلماء الإيرانيون تقدّماً سريعاً في تخصيب اليورانيوم لدرجة أن وكالات الاستخبارات الأمريكية تُقدّر أن بإمكانهم اكتساب المعرفة اللازمة لصنع سلاح نووي في غضون الأشهر القليلة المُقبلة. وإذا تقدّم برنامج إيران للأسلحة النووية، فسيتعيّن على الولايات المتحدة في مرحلة ما أن توقف مساعيها الدبلوماسية، وتعلن نهاية المفاوضات، واللجوء للخطة البديلة. ومن المؤكّد أن إسرائيل ستدفع بهذا الاتجاه ليس فقط لتعطيل العملية الدبلوماسية ولكن أيضاً لوقف أنشطة التخصيب الإيرانية.
هل حان الوقت للخطة البديلة؟
تعتقد واشنطن أن الكرة حالياً في ملعب إيران، لكن من غير الواضح كيف ستبدأ المفاوضات ومتى ستبدأ! يتوقّع وسطاء أوروبيون أن تُستأنف المفاوضات في سبتمبر الجاري، بعد أن تنتقل السلطة بشكل كامل إلى الحكومة الجديدة في طهران. ولا يزال كثير من المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض يأملون بأن تدفع العقوبات الشديدة النظام الإسلامي في النهاية إلى تقديم التنازلات. ومع ذلك، من الواضح أن التفاؤل المُبكّر قد تم استبداله بواقعية براغماتية تدعو إلى خطة بديلة في حالة انهيار المُحادثات الدبلوماسية.
إن أحد العوامل التي سيكون من المُهم أخذها في الاعتبار هو تشكيلة الفريق التفاوضي الإيراني. وخلال الجولات الست الأولى في فيينا، كان الوفد الإيراني يتألّف بشكل أساسي من أعضاء من وزارة الخارجية، وكان أعضاؤه على اتصال جيد بالرئاسة ومُعتدلون نسبياً. لكن في الآونة الأخيرة، ذكرت تقارير إخبارية إيرانية أن مجلس الأمن القومي الإيراني قد ينتهي به الأمر إلى تولّي مسؤولية المُحادثات النووية، وهذه ليست أخبار جيدة لواشنطن.
وبصرف النظر عن تشكيلة الفريق التفاوضي الإيراني الجديد، فمن المُحتمل أن يكون أقل استعداداً للاستجابة لمطالب الولايات المتحدة مُقارنةً بالمطالب السابقة، لأن الرئيس الجديد وفريقه لديهم ميول مُتشدّدة ومُعادية للغرب.
إذن ما هي الخطة البديلة لواشنطن؟ خلال حديث معد الورقة مع روبرت مالي، أكّد الحاجة إلى اعتبار فشل المحادثات احتمالاً واضحاً، كما شدد على الحاجة إلى تقديم خيارات جديدة إلى الرئيس بايدن. ويُمكن للمرء أن يتكهّن فقط في هذه المرحلة حول مسارات العمل المُحتملة في حالة وصول المُحادثات إلى طريق مسدود آخر، واستمرار إيران في تخصيب اليورانيوم.
من بين الخيارات التي دافع عنها مسؤولون سابقون في إدارة ترمب مثل إليوت أبرامز، الإبقاء على جميع العقوبات التي فُرضت في عهد الرئيس السابق. وترقى هذه الخطة البديلة إلى خطة ترمب المتمثلة بحملة “الضغوط القصوى” التي بدأت في عام 2018، وذلك حتى تعود إيران إلى الطاولة لقبول ما تم عرضه في فيينا، دون أي مطالب بإلغاء كامل للعقوبات المُتعلّقة بانتهاكات طهران لحقوق الإنسان وأنشطتها الإرهابية.
ويدعم هذا السيناريو أيضاً محاولة أخرى لتنفيذ آلية “الرجوع السريع” لعقوبات الأمم المتحدة “سناب باك”، التي جربتّها إدارة ترمب لأول مرة في عام 2020، لكن الحلفاء الأوروبيين رفضوها على أساس أن واشنطن -وليست إيران- هي التي انتهكت بنود خطة العمل الشاملة المُشتركة. والآن بعد أن أصبحت إيران هي الطرف الذي يتباطأ في تنفيذ الاتفاق على الرغم من حسن نية واشنطن، يُمكن للأوروبيين الانضمام للولايات المتحدة لفرض العقوبات الأممية وفق تلك الآلية.
بعبارة أخرى، قد تتضمّن الخطة البديلة لإدارة بايدن تنفيذ عقوبات مُتعدّدة الأطراف بالتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين. ويفترض هذا السيناريو أن إيران لن تكون قادرة على تحمّل الضغوط الاقتصادية لفترة أطول.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الصين وروسيا ستقبلان مثل هذه السياسة أم لا. فبالنظر إلى ارتباطات الصين التجارية والاستثمارية الضخمة الأخيرة مع إيران، فإن التوقّع أن تتعاون بيجين بسهولة مع ذلك قد يكون أمراً غير واقعي. ومن ناحية أخرى، لا تريد روسيا ولا الصين أن تريا إيران تمتلك قدرة عسكرية نووية.
يبدو أن ثمة شرطين قد تنضم بموجبهما الصين وروسيا إلى واشنطن وحلفائها الأوروبيين في تنفيذ عقوبات الأمم المتحدة المُتعدّدة الأطراف ضد إيران. الأول، أنه ينبغي تحميل إيران -بالإجماع- مسؤولية انهيار المُحادثات النووية، أي بعبارة أخرى سيتعيّن على الولايات المتحدة أن تثبت أنها قطعت شوطاً إضافياً بهذا الخصوص، لكن النظام الإيراني هو ببساطة مُتطرّف وغير عقلاني في مطالبه. والشرط الثاني أنه يتوجب على روسيا والصين فَهْم أن البديل عن تفعيل نظام قوي من عقوبات الأمم المتحدة المُتعدّدة الأطراف ضد إيران سيكون تصعيداً سريعاً نحو المواجهة العسكرية.
بعبارة أخرى، فإن فرص الصين وروسيا في الانضمام إلى نظام عقوبات أكثر قوة ستزيد فقط حينما تدركان أن البديل للعقوبات هو الحرب. وهذا هو السبب الذي يجب أن يدفع إدارة بايدن إلى تكثيف دبلوماسيتها القسرية، والجمع بين العقوبات والتهديد الموثوق باستخدام القوة.
ولن يتطلب ذلك فرض عقوبات على إيران فقط ولكن أيضاً تحديد موعد نهائي واضح لقبول الشروط التي عُرضت عليها في فيينا. وفي مواجهتها لاحتمالية فرض العقوبات المُتعدّدة الأطراف والموعد النهائي الذي يُهدّد بعمل عسكري، سيتعيّن على إيران أن تُقرّر إلى أي مدى تريد المضي في اختبار مصداقية الولايات المتحدة. فإدارة بايدن التي تواجه بالفعل أزمة مصداقية، والخوف من خسارة مكانتها الكبيرة بسبب أفغانستان، ليس لديها الآن خيار آخر سوى اللعب “بقسوة” مع إيران. وبهذا المعنى، ستتحوّل هذه الخطة البديلة على نحو سريع إلى اختبار رئيس لمصداقية بايدن.