تركيا ومجلس التعاون: عالم عربي متغير وتراجع للإسلاميين واحتياجات اقتصادية ملحة

بعد عشرة أعوام على الربيع العربي باتت الدول التي خاضت حربا باردة جديدة تعيد ترتيب علاقاتها بين بعضها البعض ودول الجوار غير العربي وبالتحديد تركيا وإيران.

ميدل ايست نيوز: بعد عشرة أعوام على الربيع العربي تغير المشهد السياسي في المنطقة العربية بشكل كامل وباتت الدول التي خاضت حربا باردة جديدة تعيد ترتيب علاقاتها بين بعضها البعض ودول الجوار غير العربي وبالتحديد تركيا وإيران.

وشهد عام 2021 تحركات دبلوماسية وسياسية متسارعة. ففي بدايته قرر الرباعي العربي (ثلاث دول خليجية ومصر) إنهاء حصار دام ثلاثة أعوام عن قطر، وشهدت الأشهر الأولى منه محادثات سرية رعاها العراق بين السعودية وجارتها إيران وتركزت على وقف حرب اليمن.

وبدأت تركيا تعيد النظر في علاقتها التي ساءت مع مصر ودول الخليج، حيث شهدت الفترة سلسلة من اللقاءات على المستوى الوزاري في كل من القاهرة وأنقرة. وإلى جانب الحراك الدبلوماسي بين ما عرف بمحور السعودية-الإمارات-مصر من جهة ومحور تركيا وقطر، بدأت دول عربية تعيد اتصالاتها مع النظام السوري بدأت من زيارة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد إلى دمشق.

وقد تم الحديث عن أسباب التقارب العربي-العربي والعربي-التركي/ إلإيراني ومنها تداعيات فيروس كورونا التي تركت آثارها الاقتصادية على الدول المعنية، بالإضافة للتغير في الإدارة الأمريكية من دونالد ترامب إلى إدارة جو بايدن التي عبرت عن رغبة بالعودة للاتفاقية النووية التي وقعت مع إيران عام 2015 ومحاولة للتخلص من أعبائها العسكرية في المنطقة والتركيز على الصين التي باتت تمثل جوهر السياسة الخارجية، هذا بالإضافة لرفع الإدارة شعار حقوق الإنسان كمكون أساسي في سياستها الخارجية، مع أنها لم تلتزم بالتعهد إلا بالقدر، فقد ظلت سياستها الخارجية واقعية وتتعامل مع مصلحة الأمن القومي كأولوية.

لكن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان وما تبع ذلك من مخاوف دول المنطقة، الخائفة أساسا من تخلي الولايات المتحدة عنها، وقرار واشنطن الأخير إنهاء العملية العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا والتي بدأت ردا على اجتياح التنظيم مناطق واسعة في البلدين، هي بالضرورة صورة عن تغير أولويات الإدارة الحالية.

عالم عربي مختلف

ووضع العالم العربي اليوم يختلف عن حالته أثناء الانتفاضات التي أطاحت بأنظمة عربية ثلاثة وأدخلت بلدانا ثلاثة في حروب أهلية ساحقة. وهناك تحديات جديدة باتت تواجه الأنظمة العربية خاصة في الخليج، وهذا واضح من تحركات الإمارات العربية المتحدة التي سحبت قواتها من اليمن في عام 2019 بعدما كانت المشارك الرئيسي في التحالف الذي قادته السعودية.

كما واضطرت للتراجع في ليبيا بعد هزيمة أمير الحرب خليفة حفتر وفشله في السيطرة على العاصمة طرابلس في الحملة التي دعمتها الإمارات ودول أخرى. وتخوض الإمارات اليوم منافسة اقتصادية مع جاراتها دول الخليج، وخاصة السعودية التي بدأت بتنويع اقتصادها في تهديد واضح لمكانة أبو ظبي ودبي كمركزين ماليين ومعبر للتجارة الدولية.

فك العزلة

وفي ضوء هذه التغيرات يمكن فهم ما يجري على ملف العلاقة التركية-الإماراتية. فعلى مدى السنوات الماضية تبنى البلدان سياسة خارجية حاسمة قادت لتوتر العلاقات بينهما واتهمت أنقرة أبو ظبي بدعم المشاركين في المحاولة الإنقلابية الفاشلة في 2016 وتضاربت المصالح التركية-الإمارتية في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي. وحاولت الإمارات إضعاف تركيا ووضعها في شمال سوريا عبر بوابة الأسد.

ومع هزيمة حفتر وخروج الرئيس عمر البشير من الرئاسة تعاونت الإمارات مع السعودية ضد تركيا هناك، إضافة للتغيرات الإقليمية والظروف الاقتصادية، بدأ البلدان يبحثان عن الطرق التي يمكن لأي بلد أن يقدمه للآخر، بعيدا عن الحروب الإعلامية وحملات التضليل والشيطنة، ومن هنا جاءت زيارة مستشار الأمن القومي الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد إلى تركيا، الشهر الماضي وبعدها زيارة ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات الشيخ محمد بن زايد في 24 تشرين الثاني/نوفمبر وتعامل إعلام البلدين مع اجتماع بن زايد مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على أنه «صفحة جديدة» وتم توقيع اتفاقيات بشأن الطاقة والتكنولوجيا ووعدت الإمارات بإنشاء صندوق استثماري بـ 10 ملايين دولار و5 مليارات لتعزيز احتياطي البنك المركزي التركي.

وسيرد اردوغان الزيارة في 22 شباط/فبراير وهي الأولى له منذ عقد. وتعتبر الخطوات الأخيرة مهمة في ظل الحرب الكلامية والتنافس في محاور الحرب. ووعد اردوغان بإصلاح العلاقات مع مصر وإسرائيل وسط تكهنات بزيارة قريبة لمصر وإعادة للسفير التركي إلى إسرائيل.

وبدا التغير في الموقف التركي من دول الخليج واضحا في عدد من المواقف والتحركات التي اتخذتها أنقرة، فقد رحبت تركيا باهتمام السعودية لشراء الطائرات المسيرة التركية الصنع. وذكر موقع «بلومبيرغ» (7/12/2021) أن وفدا إماراتيا زار تركيا للتباحث في الشؤون الدفاعية.

وتعتبر الزيارات والاجتماعات المتبادلة والحديث عن التعاون في المجال الطبي والدفاعي وأمور أخرى صورة عن انفتاح تركيا بعدما حاول محور الإمارات-مصر عزلها، وبدت وكأنها محاصرة في منطقة شرق البحر المتوسط ومستبعدة من اتفاقيات الغاز التي وقعتها دول الحوض، وحدث كل هذا وسط دعم أوروبي وبخاصة فرنسا التي استعدت تركيا ودعمت عمليا الموقف اليوناني من تركيا ومحاولاتها التنقيب عن الغاز الطبيعي.

ولم تكن اليونان في الماضي مرشحا منافسا لتركيا أو بديلا عنها، ولكن إدارة ترامب منحتها مكانة، وخاصة في زيارات وزير الخارجية مايك بومبيو المستفزة للمنطقة وزيارته اسطنبول بحجة بحث الحرية الدينية بدون اجتماع مع أي مسؤول تركي بارز.

ووجدت اليونان دعما من المحور المعادي لتركيا، وتقوى موقفها في منطقة شرق المتوسط من الدول الإقليمية-مصر والإمارات وإسرائيل. وهو ما أعطاها الفرصة لتشكيل تحالف مع قبرص هدفه تركيا. وعززت هذا بمناورات عسكرية دورية مع دول في حوض شرق المتوسط.

ولهذا فمحاولات تركيا فك العزلة التي عانت منها، بسبب سياساتها الخارجية الحازمة أو عسكرتها للسياسة الخارجية خلقت لها أعداء كثر، وهذا بخلاف وضعها قبل عقد عندما كانت قوة صاعدة لم تهيمن على المنطقة عبر مسلسلاتها الدرامية ولكن عقودها التجارية ونشاطها، ولم تتعامل دول المنطقة مع صعود تركيا كتهديد، أسوة بصعود إيران وتفاخرها بأنها تسيطر على أربع عواصم عربية، دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء.

ومحاولة تركيا العودة إلى الدبلوماسية لكبح التيار المعادي لها وفك العزلة هو قرار طبيعي، ويعني العودة إلى المسار التقليدي الذي تبنته مع جيرانها في الماضي «صفر مشاكل». وعلينا أن نفهم التغير في الموقف التركي وربطه بالسياسة الأمريكية المتقلبة معها، فقرار إدارة باراك أوباما دعم جماعات الأكراد المسلحة في شمال- شرق سوريا بذريعة الحرب ضد تنظيم الدولة، وهي نفس الجماعات التي تعتبرها أنقرة إرهابية وفرعا عن حزب العمال الكردستاني «بي كي كي» دفعها للتحرك عسكريا ورسم منطقة تدافع فيها عن حدودها، بل وكسر أي محاولة لنشوء كيان كردي على حدودها الجنوبية بالإضافة للمحاولة الانقلابية الفاشلة والتهديدات الداخلية النابعة من حزب العمال، وخسارة حزب العدالة والتنمية الحاكم في انتخابات 2019 المحلية حيث فقد السيطرة على معقله في اسطنبول وأنقرة ومدنا أخرى.

وبعيدا عن التغير في الموقف التركي من الاعتماد على القوة العسكرية في السياسة الخارجية للدبلوماسية فإن الدول التي حاولت عسكرة سياستها الخارجية اضطرت لمراجعة مواقفها، وهذا واضح في التحول الإماراتي من حرب اليمن وليبيا وعلاقتها مع إيران.

فقد زار مستشار الأمن القومي طحنون طهران الأسبوع الماضي ووجه دعوة للرئيس الجديد، إبراهيم رئيسي لزيارة أبو ظبي.

كما وشجعت إدارة بايدن وعلى خلاف ترامب الدول الإقليمية لتخفيض التوتر بينها، وكان لافتا أن أول خطاب لبايدن في السياسة الخارجية هي دعوته لوقف حرب اليمن وتعيينه مبعوثا خاصا له، مع أن سجل الإدارة في اليمن لا يزال محل نقاش، نظرا لعدم إنجازها الكثير.

لكن واشنطن تظل معنية بمنع إيران من المضي في تطوير برنامجها النووي، ولديها خطوطها الحمراء من ناحية تأثير التعاون مع طهران ومساعدتها على تجنب العقوبات.

وكان لافتا ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» أنها سترسل وفدا في الأسبوع المقبل لتحذير بنوك وشركات إماراتية من التعامل مع إيران. واختيار الإمارات لافت لأنها شريك تجاري مهم لإيران.

ولم تستبعد الصحيفة إرسال وفود أخرى لتركيا وماليزيا وبقية الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران. وأشارت إلى أن واشنطن بدأت بالإمارات وليس الصين التي تعد أكبر شريك تجاري لطهران، نظرا لحاجتها إلى بيجين في المحادثات النووية المتعثرة في فيينا.

تراجع حظوظ الإسلاميين

في ضوء التغيرات الجيوسياسية بالمنطقة، ومخاوف دولها من مدى التزام أمريكا بحمايتها، وبدا هذا واضحا من موقف إدارة ترامب التي رفعت من حرارة المواجهة مع إيران واستهدفتها بعقوبات وتركت إسرائيل تستهدفها بعمليات تخريب للمنشآت النووية واغتيال العلماء النوويين، لكنها لم ترد عندما ضربت مسيرات وصواريخ، منشآت نفطية سعودية عام 2019 ولم ترد عليها إدارة ترامب.

وكان تطبيع دول في الخليج مع إسرائيل مبررا للتعاون معها ضد إيران. وهي ما عرفت باتفاقيات إبراهيم ورعتها إدارة ترامب. فقد تم الترويج في السنوات الماضية إلى أن العدو الحقيقي لدول الخليج هي إيران وليست إسرائيل.

وتحولت بهذه المثابة أبو ظبي كقائد يروج للتطبيع بالمنطقة، في وقت تتعرض فيه الأراضي الفلسطينية للضم. ويظل العامل الأهم في التحولات الجديدة وخاصة بين تركيا من جهة ودول الخليج ومصر من جهة أخرى، هو التراجع الذي أصاب الإسلاميين في المنطقة، فلم تعد الحركات الإسلامية وخاصة الإخوان المسلمين، تمثل تهديدا على مصر ودول الخليج.

فبعد الربيع العربي فاز الإخوان بالانتخابات برلمانية ورئاسية وكانوا في مركز الشارع. ولهذا جاء موقف تركيا من الربيع العربي والإسلاميين متساوقا في حينه مع الواقع في الشارع العربي وهو ما سبب لصداع وصدع بينها والدول التي أخذت على عاتقها قمعهم وسحقهم.

وهذا واضح في موقف اردوغان من الانقلاب الذي قاده عبد الفتاح السيسي ضد أول حكومة منتخبة في تاريخ مصر بقيادة الإخوان. ومنح اردوغان مع قطر التي رأت مثل أنقرة بالإسلاميين قوة منظمة بالمنطقة يمكن استخدامها لتعزز تأثيرهما، الملجأ.

وبعد مضي عقد هزم الإسلاميون في المغرب، وخسروا ولأول مرة منذ 2011 في انتخابات هذا العام، مقاعدهم الـ 125 إلا 13 مقعدا، وفي تونس انقلب الرئيس قيس سعيد على الدستور الذي ساهم الإسلاميون بكتابته والبرلمان الذي شكلوا فيه أكبر كتلة وعطلهما ويواصل هجومه على حركة النهضة ومحاولة تهميشها وتحميلها مسؤولية الوضع الاقتصادي في تونس. وفي السودان أخرج الجنرالات القريبين من الإمارات والسعودية ومصر، الإسلاميين من السلطة بعد تنحيتهم البشير.

وفي مصر سحق الإخوان وسجن قادتهم وصودرت أموالهم وانتشرت الخلافات بينهم وتعاني الحركة من خلافات على زعامتها ونقاش داخلي حول الوجه والهدف، كما بدا في مقال لمجلة «إيكونوميست» (11/12/2021) وقالت إن تركيا طلبت المؤسسات الإعلامية تخفيف نبرتها والتوقف عن مهاجمة النظام المصري، أما قطر فقد طلبت من قادة وعناصر إخوانية مغادرة البلاد.

ولم تفت تحركات أنقرة على دول الخليج ومصر، وبخاصة قرار تركيا عام 2020 عدم استخدام الفيتو ضد الشراكة المصرية لنشاطات الناتو.

العامل الاقتصادي

وتظل الاعتبارات الاقتصادية عاملا مهما في التقارب بين تركيا ودول الخليج وما يمنحه هذا من فرص لكليهما، فمن ناحية تركيا قد يعطي اردوغان شريان حياة ينقذ اقتصاده المتداعي ويقوي الليرة التي وصل سعر صرفها 14 ليرة أمام الدولار في عملية هبوط مستمرة بسبب رفض اردوغان رفع سعر الفائدة وتغييره المستمر لوزراء المالية وحكام المصرف المركزي.

ووصل التضخم إلى 21 في المئة والبطالة إلى 13 في المئة، وفي ظل ما تركته المغامرات العسكرية في اليمن وليبيا من تأثير على سمعة دول الخليج وما خلفته العمليات العسكرية الواسعة من شمال سوريا إلى ليبيا وأذربيجان والتزامات تركيا في قطر والقرن الأفريقي فهناك حاجة للطرفين للتعافي والعودة للاهتمام بالاقتصاد.

وتوفر تركيا سوقا جيدة لتعافي الطرفين. ومنح الأولوية للاقتصاد مهم لمسيرة اردوغان السياسية، فنجاحه في فترته الأولى جاء بسبب سياساته الاقتصادية وتحويله تركيا إلى قوة صاعدة. ويواجه في انتخابات قادمة في 2023 وهناك مخاطر من خسارة حزبه، وسط استطلاعات تتحدث عن تراجع شعبيته، بل وبات نقاده في الغرب يكتبون نعيه السياسي ويتحدثون عن تعبه ومرضه.

وتتساوق سياسات اردوغان الاقتصادية مع ما أعلنه في الفترة الأخيرة «عن حرب الاستقلال الاقتصادية» والحرب على «لوبي سعر الفائدة» ولم تنجح حربه حتى الآن، لكنه كسياسي بارع يرغب بتحويل «حرب الاستقلال» إلى شعار انتخابي في 2023. وفي ظل المصاعب الاقتصادية فالعلاقة مع الإمارات ودول الخليج الأخرى ستمنح حكومة اردوغان بعض الراحة.

وعلى العموم لم يكن للتقارب الخليجي- التركي ليحدث لو لم تقرر دول الحصار على قطر إنهاؤه في اتفاق العلا في السعودية في كانون الثاني/يناير 2021 وعزز هذا موقف الدوحة كوسيط في تحسين العلاقات التركية-السعودية.

وزار اردوغان قطر بعد زيارة بن زايد لأنقرة. وتزامنت زيارته مع جولة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في عدد من دول الخليج وانتهت بالدوحة وهي جولة وصفتها «وول ستريت جورنال» (6/12/2021) لتعزيز موقعه بين دول مجلس التعاون الخليجي وبناء إجماع خليجي ضد إيران.

في الوقت الحالي يحاول اردوغان من خلال التقارب مع منافسيه السابقين وفتح الباب أمام الاستثمارات وإعلان حربه على لوبي الفائدة، وعدم الاستماع إلا لنصيحة نفسه كما ورد في مقال لصحيفة «نيويورك تايمز» لكن هل يصبر الناخب التركي؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى