لعبة إلقاء اللوم لن تنهي المأزق النووي مع إيران

يجب على الدول الأوروبية التي حذرت إيران أن تحث الولايات المتحدة بنفس القدر على القيام بدورها في إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة.

ميدل ايست نيوز: مع استمرار المفاوضات لاستعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، أصدر المشاركون الأوروبيون (المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا) تحذيرا صارخا في 14 ديسمبر/كانون الأول قبل اجتماع مجلس الأمن بشأن تنفيذ القرار 2231 الذي يخص الاتفاق النووي مع إيران عام 2015.

وفي بيان مشترك لوسائل الإعلام، اتهمت الدول الثلاث إيران بتسريع برنامجها النووي وتقليص الرقابة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرة أن ذلك “يقوض السلم والأمن الدوليين”.

وألقى البيان باللوم على إيران بسبب “التراجع” عن التسويات التي توصل إليها فريق التفاوض السابق بل وتقديم “مطالب إضافية متشددة”. وحذر الدبلوماسيون الأوروبيون بشدة من أن تصعيد إيران لبرنامجها النووي يقترب من النقطة التي سيتم فيها “تفريغ” خطة العمل الشاملة المشتركة من مضمونها، وأن “نهاية الطريق تقترب بسرعة”.

وينذر التوقيت واللغة غير المتوازنة للبيان، الذي يلقي باللوم حصريا على إيران، بأن الأمور تتجه للأسوأ. ويخلق ذلك انطباعا بأن الدول الثلاث تمهد لإعلان فشل مفاوضات الاتفاق النووي وإلقاء اللوم على إيران في ذلك. ويتزامن ذلك مع التحذيرات التي أطلقها مؤخرا المسؤولون الأمريكيون. ومع ذلك، فإن الفوز بلعبة اللوم لن يحل الأزمة النووية على المدى الطويل.

ومن اللافت أن بيان الدول الأوروبية يأتي في وقت يبدو فيه الجانب الإيراني أكثر توجها نحو الاتفاق أكثر من السابق، بالرغم أن كبير المفاوضين الإيرانيين “علي باقري” كان يُعرف بأنه من أشد المنتقدين لخطة العمل الشاملة المشتركة.

واستثمر وزير الخارجية الإيراني “حسين أمير عبداللهيان” وقته وجهده في بناء إجماع محلي على اتفاق جديد من خلال إشراك أصحاب المصلحة الرئيسيين داخل النظام مثل عدد من كبار علماء الذين زارهم في مدينة “قم” المقدسة.

وكذلك أشار كبير المفاوضين الروس “ميخائيل أوليانوف” إلى ملاحظة متفائلة بحذر، من خلال التأكيد في تغريداته المتكررة من فيينا على “الجو العملي” في المحادثات وحثه على عدم التسرع في “استنتاجات متسرعة” بشأن الانهيار الوشيك للاتفاق. ولا يمكن اتهام الروس بالرضا عن برنامج إيران النووي ففي عام 2010 انضموا إلى الولايات المتحدة في مجلس الأمن في فرض عقوبات صارمة على إيران.

وتتناقض لهجة المفاوضين الروس والإيرانيين مع التحذيرات المتزايدة للمسؤولين الأوروبيين والأمريكيين من تجاوزات إيران المتصاعدة في الأسابيع القليلة الماضية. ومع ذلك، فإن هذه الاتهامات لا تقدم سوى صورة جزئية.

ويعد تصعيد إيران لبرنامجها النووي أثناء التفاوض أمرا غير مفيد واستفزازيا. ومع ذلك، فإن الدافع يبدو منطقيا. وكان أحد الانتقادات الرئيسية التي وجهها المحافظون الإيرانيون ضد فريق “حسن روحاني” و”جواد ظريف” أن الاتفاق النووي فرض على إيران التخلي عن برنامجها مقابل لا شيء لأن تخفيف العقوبات الموعود لم يتحقق أبدا بل جاءت حملة “أقصى ضغط”.

وبمجرد الوصول إلى السلطة، سعى المحافظون الإيرانيون إلى إعادة بناء نفوذهم المفقود. وربما يشبههم في ذلك الجمهوريون الأمريكيون الذين يدافعون باستمرار عن استراتيجيتهم من خلال الوعد بهدم أي اتفاق بمجرد أن يستعيد الحزب الجمهوري السلطة في واشنطن.

وفي هذا السياق، من المنطقي أن يطلب الإيرانيون ضمانات أكثر صرامة تلزم واشنطن بعدم التراجع عن التزاماتها مرة أخرى. وتطالب طهران بضمان إزالة العقوبات بشكل فعال، وهو ما يعني خلق بيئة آمنة للاعبين الاقتصاديين الدوليين للانخراط في أعمال تجارية مع إيران.

وبالنظر إلى أن موقف الاتحاد الأوروبي الرافض لعقوبات “ترامب” لم يتم ترجمته إلى تجارة ذات مغزى مع إيران، فليس من المستغرب أن يسعى الإيرانيون إلى رفع العقوبات بشكل ملموس وقابل للتحقق هذه المرة، بدلا من اتخاذ تدابير قانونية بحتة بدون تأثير على الأرض. ولا يمكن وصف هذا بهذا بأنه “مطلب متشدد”.

ومن خلال توسيع برنامجها النووي، تضغط طهران على الولايات المتحدة والدول الأوروبية المشاركة لتقديم تلك التنازلات، وليس لأجل تسريع الحصول على أسلحة نووية. وقد أكد رئيس وكالة الاستخبارات المركزية “بيل بيرنز” مؤخرا على إجماع أجهزة المخابرات الأمريكية على عدم وجود دليل على سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية.

وينسف هذا التأكيد شعار “الوقت ينفد منا” الذي ينتشر بين الدول الأوروبية الثلاث والتصريحات الغربية الأخرى. ومهما كانت التطورات النووية الإيرانية، فإنها لا تنذر حاليا بقنبلة إيرانية. ويعني هذا أن المفاوضات في فيينا يجب أن تستمر ما دامت هناك حاجة إلى التوصل إلى اتفاق مُرضٍ للطرفين.

ومن المفهوم الإحباط الذي عبرت عنه الدول الأوروبية الثلاث نتيجة تراجع الفريق الإيراني الجديد عن التسويات التي تم التوصل إليها خلال الجولات السابقة من المفاوضات. وبحسب ما ورد، هناك أيضا مشكلات في الاتصال في فيينا. وعلى عكس الفريق الإيراني السابق، فإن الفريق الحالي لديه خبرة قليلة نسبيا في التفاوض مع نظرائه الأوروبيين.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون ذلك عقبة فمن المألوف أن تتغير المناهج في التعامل مع العلاقات الخارجية عندما تتغير الحكومات. ويثبت المأزق الحالي خطأ الفكرة التي روج لها البعض في بداية إدارة “بايدن” بأنه لم تكن هناك حاجة “للاندفاع” للتفاوض مع “روحاني” لأن إيران ستعود إلى طاولة المفاوضات بغض النظر عن المسؤول. وقد أثبت الواقع اختلافا كما هو متوقع.

وقد تؤدي لعبة إلقاء اللوم إلى إعفاء إدارة “بايدن” من ضرورة اتخاذ قرارات مؤلمة سياسيا لتطبيع العلاقات مع إيران. وبالرغم أن “بايدن” نجح في كسب الدول الأوروبية إلى جانبه إلا أن ذلك لن يؤدي إلى حل المأزق النووي مع إيران، بل سيخلق صداعا لـ”بايدن” أكبر بكثير من محاولة استرضاء قلة من الديمقراطيين المتشائمين المتشككين في الدبلوماسية الإيرانية.

ومهما كان الاتفاق غير مستساغا، ومهما كانت الصعوبات التي قد يسببها لـ”بايدن” على المدى القصير محليا، فإن التوتر الدائم في الشرق الأوسط، الذي قد يتحول إلى حرب مع إيران، من شأنه أن يقوض أجندة “بايدن” الإصلاحية ويعرض إرثه للخطر. يجب على الدول الأوروبية التي حذرت إيران أن تحث الولايات المتحدة بنفس القدر على القيام بدورها في إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة.

 

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
الخليج الجديد
المصدر
Responsible Statecraft

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى