“بطل” أصغر فرهادي: لن ينتهي صعود الأدراج

الفيلم الحائز الجائزة الكبرى في "مهرجان كان" (2021) ومرشّح إيران لجائزة الأوسكار سلسلة من السلالم الصاعدة والهابطة التي لا يتقنها إلا فرهادي.

ميدل ايست نيوز: إلى منبع قصصه، إيران، يعود المخرج أصغر فرهادي، أخيراً، بعد فيلم لا يشبهه كثيراً صنعه في إسبانيا، حمل عنوان “الجميع يعلم” (2018). لكن، هذه المرة، ومن شيراز؛ يقدّم لنا في “بطل” (أو “قهرمان” بالعنوان الفارسي) معضلة أخلاقية جديدة، ويصحبنا في رحلة البحث عن حقيقة متعدّدة الأوجه.

بابتسامة ساذجة، وهو غير مدرك للأغلال التي تطوّقه حتى بعد خروجه من السجن في إجازة قصيرة، تُرافق الكاميرا رجلاً في منتصف العمر من وراء الأسوار إلى سجنه الأرحب، يصعد أدراجاً تبدو لانهائية، هي بداية رحلته المنهكة التي سيقطعها لإثبات صدقه.

رحيم طهراني (أمير جديدي)، الأب المطلّق، القابع في السجن لدين لم يستطع سداده، يعتقد أن القدر ابتسم له حين وجدت حبيبته فرخندة (سحر غولدست) حقيبة تحوي قطعاً ذهبية. يقرر بيعها لإيفاء الدين. وعندما يتبين أن المبلغ غير كافٍ، تفشل التسوية مع الدّائن، ويقرر إعادة الذهب لصاحبته.

هذه اللفتة التي تتوّجه بطلاً في محيطه الضيّق، تجذب الاهتمام الإعلامي نحوه لتنتشر القصة على مستوى البلاد، ويجد نفسه غارقاً في شهرة يجهل متاهاتها. وبين صدق نواياه والملابسات الغامضة المحيطة بالقصة، الناتجة عن أكاذيب لم يتعمّد اختلاقها، ولم يتوقع أن تترتّب عليها كل هذه العواقب، تتقاذف رحيم مصالح متبدّلة، تصنفه بطلاً أو شريراً، وفقاً لمعطيات لا يفهمها.

بسرد حكاية رجل آت من بيئة فقيرة، تجرفه ظروف قاسية، يشرّح فرهادي بنية المجتمع الإيراني اليوم. معظم المآزق التي غرق رحيم فيها، تستمد جذورها من واقع هذا المجتمع؛ إخفاء علاقته بالمرأة التي يحب، أحكام القانون المستندة إلى قرار الدائن، البيروقراطية، رقابة المؤسسات، الإعلام الذي يملي عليه ما يجب أن يقوله، وضع النساء في المجتمع، الفساد الإداري في السجون، عقوبة الإعدام، هشاشة الرأي العام، قيم التسامح والصدق والشرف، النفاق الاجتماعي المهيمن على كل شيء حيث السمعة هي الهدف وليست الوسيلة.

“بطل” لأصغر فرهادي: ديون لا يستطيع رجل أمين سدادها

الأسلوب الذي اتّبعه فرهادي في بناء شخصية رحيم، يحوله إلى رمز أكثر من كونه شخصية درامية.. معظم قراراته مبنيّة على رد فعل، أو بإملاء من الآخرين. هو أداة هشّة يسعى الجميع إلى استخدامها في مقاربة البطولة المزيّفة، البطولة التي تشبه هذا العصر؛ الإعلام الباحث عن قصة برّاقة، السجن الذي يريد التغطية على فضائحه، الجمعيات الخيرية التي تضع سمعتها فوق كل شيء. في حين أن رحيم لم يبحث عن بطولة، كل ما أراده هو كرامته التي يدهسها الجميع لمكاسبهم الشخصية.

يقول رحيم لمسؤول السجن: “ماذا كنت لأفعل في السجن لو كنت ذكياً؟”.

يصوّر فيلم “بطل” المهمشين الذين لا يملكون الدهاء المناسب للحياة المعاصرة. من يعتقدون أن لا أحد سيؤذيهم إن امتلكوا النيات الحسنة، البسطاء أكثر مما ينبغي لمواكبة العصر الخاضع لتقييمات جماهير السوشيال ميديا المنساقين إلى تخدير المشاعر أكثر مما تحكمهم معايير أخلاقية.

ما هو المعيار الأخلاقي اليوم؟ سؤال حاضر طوال الشريط، في انتقاد صريح للمنظومة الأخلاقية في أكثر أفلام فرهادي مباشرة… الكل يريد تلميع صورته على حساب الأبرياء. الشبكات الاجتماعية التي غيرت مفهوم القيم. المنظمات التي تعتمد على تفاعل جماهير مواقع التواصل لجمع التبرعات. ما هي الحقيقة؟ ما من أحد يكترث. ما يهم هو صورة الأفراد والمجتمعات. الصورة المعدَّلة بالفوتشوب، مهما كان الواقع مليئاً بالندوب والتشوهات. لا شيء مهماً عندما تُطفأ الكاميرات.

كعادة فرهادي في كل أفلامه، يمكن أن يسبّب خيار واحد غير موفّق تداعيات غير متوقعة مدى الحياة. ومن خلال مشكلة بسيطة تشترك فيها أطراف كثيرة، يعتقد كل منها أنه يمتلك الحقيقة كاملة، يخلق موقفاً أخلاقياً محيّراً، ويضفي عليه طبقات متعددة من التعقيد، لتزداد الأسئلة الإشكالية عن مفهوم العدالة، والثواب والعقاب، ومعنى العار.

في سيناريو يشبه لعبة البازل، تتعقّد العلاقة بين الحقائق والأكاذيب، لا أحكام ولا تعاطف كاملاً مع شخصية واحدة، فالجميع يقعون ضحايا لحياة قاسية.

بإيقاع متماسك ومتوتّر، مع كاميرا أصيلة تلتقط بيئة شيراز بنفَس وثائقي، وفي مجتمع يعرف خباياه جيداً، يحافظ المخرج الإيراني على المصداقية العالية التي لطالما ميزت أعماله السينمائية، ويدرك كيف يحدث تأثيرًا عاطفيًا في المشاهِد، من دون التخلي عن عمقه الفكري. ولكن، “بطل” فرهادي هذه المرة يملك بعض الثّغرات في الحبكة، بالمقارنة مع القوة السردية التي صنعت “أربعاء الألعاب النارية” (2006)، و”عن إيلي” (2009) و”انفصال نادر وسيمين” (2011)… تحفه السابقة التي قاربت الكمال.

شرارة الفيلم كانت في ذهن فرهادي قبل أن يعرف حتّى أنه سيصبح صانع أفلام. أثناء دراسته للمسرح، شاهد مسرحية برتولت بريشت، “حياة غاليليو”، وأثارت مخيّلته جملة “تعيسة هي الأرض التي تحتاج بطلاً”. ظلت الفكرة حاضرة في ذهنه لأعوام، إلى أن ألحّت عليه أخيراً لإنجاز فيلمه هذا، بعد تكرار قراءته لأخبار في الصحف عن أفراد عاديين قاموا بأعمال خيّرة من دون مقابل، أو أعادوا نقوداً وجدوها مصادفة، لأصحابها.

الفيلم الحائز الجائزة الكبرى في “مهرجان كان” (2021) ومرشّح إيران لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي، سلسلة من السلالم الصاعدة والهابطة التي لا يتقنها إلا فرهادي، تنتهي بمشهد أيقوني عصي على النسيان.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى