ماذا لو عاد النفط الإيراني إلى السوق؟

تتسلم إيران أغلب إيرادات النفط إما نقداً، وبعملات مختلفة، أو بالذهب، أو بالعملات المشفرة، أو عن طريق مبادلة البضائع.

ميدل ايست نيوز: يحتاج الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إنجاز كبير، وإلا فإن انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبلة قد تغير الدفة الأميركية، وقد يتحول ميزان القوى في مجلس الشيوخ لصالح الجمهوريين، وإذا حصل ذلك، فإن أجندة بايدن ستتوقف.

بشكل عام فإن وجود البيت الأبيض بيد الديمقراطيين ومجلس الشيوخ بيد الجمهوريين يعتبر مفيداً لقطاع الأعمال والبورصات، ولقطاع النفط والغاز بشكل خاص. السبب هو أن الحكومة ستتربّط، ولن يستطيع بايدن تمرير مشاريعه إلا ما يمكن تمريره تحت قرارات رئاسية، التي يمكن أن يعكسها أي رئيس قادم، تماماً كما فعل الرئيس السابق دونالد ترمب بقرارات الرئيس الأسبق باراك أوباما الرئاسية، وكما فعل بايدن بقرارات ترمب. كما أنه لا يمكن للجمهوريين أن يمرروا مشاريعهم لأن بايدن كرئيس يملك حق النقض (الفيتو)، ولا يمكنهم عكس ذلك لأنهم يحتاجون إلى أغلبية عظمى.

تعوّل إدارة بايدن على نجاح المباحثات مع إيران والعودة إلى اتفاقية قريبة من تلك التي وقعت في عام 2015، والتي من المفروض أن تحجم من طموحات إيران النووية، ولكنها ترفع عنها جزءاً كبيراً من العقوبات، وتمكّن إيران من تصدير نفطها بسهولة.

وهنا لا بد من التوضيح أنه لا توجد عقوبات على صادرات إيران من النفط وتستطيع إيران تصدير النفط كما تشاء، ولكن توجد عقوبات على من يشتري النفط الإيراني، كما أنه لا يمكن دفع ثمن النفط الإيراني باستخدام نظام المدفوعات العالمي، ومن ثم فإن إيران تستطيع تصدير نفطها بحريّة طالما أن هناك من يشتري بالإضافة إلى السوق السوداء.

كما أن صادرات إيران من الكهرباء والبنزين والغاز إلى العراق مستثناة من العقوبات الأميركية. الأمر الخفي أن صادرات إيران من الكهرباء إلى الدول المجاورة الأخرى في وسط آسيا لا تخضع للعقوبات أيضاً.

كم تصدر إيران من النفط؟

هناك خلاف كبير بين المصادر المختلفة حول صادرات إيران النفطية، بخاصة أن الحكومة لا تصدر أي بيانات. وسبب الخلاف أن بعض المصادر، بخاصة وكالات الأنباء، تعتمد على الإشارات الإلكترونية لأجهزة التتبع، وأغلب حاملات النفط الإيرانية وغيرها المحملة بالنفط الإيراني تطفئ هذه الأجهزة، ومن ثم تقوم هذه المصادر بالإعلان عن كميات صغيرة.

وهناك شركات المراقبة وهي تستخدم وسائل شتى، منها صورة الأقمار الاصطناعية، وهذه أرقامها أعلى. المشكلة أن سوء الأحوال الجوية أو وجود الغيوم يعني عدم رؤية الحاملات، وتكون الأرقام غالباً أقل من الواقع، كما أنها لا تستطيع تتبع السفن الصغيرة التي تحمل النفط إلى سفن أكبر في وسط البحر.

وهناك من يحصل على معلومات خاصة، خصوصاً من الدول الأخرى التي تستورد النفط الإيراني، ويتابع عمليات التهريب في الخليج. والأرقام هنا أعلى من المصدرين السابقين. وهناك أدلة كثيرة على أن تصدير النفط الإيراني يتم عبر شبكة عالمية تشمل الصين وروسيا ودولاً مجاورة، وعصابات دولية، ومجموعة كبيرة من الشركات الوهمية، التي تتخذ من عدة دول مراكز لها. ولهذا فإن تقديرات الصادرات تتراوح بين 200 ألف برميل وأكثر من مليون و600 ألف برميل يومياً.

ويتم تصدير جزء كبير من النفط الإيراني عبر عمليات معقدة، تتضمن النقل من حاملة إلى حاملة في عرض البحر، وتغييراً للأعلام والملكيات، وتزويراً لمصدر النفط، ويتم حالياً مزج النفط الإيراني مع نفط دول مجاورة لتلافي احتجاز الولايات المتحدة هذه الشحنات إذا استطاعت كيميائياً إثبات أنه نفط إيراني.

ومن ضمن مشاكل التقدير أن بعض الحمولات نفط وأخرى مكثفات، والمكثفات غير متضمنة في الحصص الإنتاجية لدول “أوبك”. وتقوم إيران حالياً بتصدير المكثفات إلى فنزويلا حيث يتم مزجها بالنفط الثقيل كي يميع بشكل يسهل نقله وتصديره.

وتتسلم إيران أغلب إيرادات النفط إما نقداً، وبعملات مختلفة، أو بالذهب، أو بالعملات المشفرة، أو عن طريق مبادلة البضائع. أما الباقي فيذهب إلى حسابات بنكية خاصة بإيران ولكن لا يمكن لإيران أن تتسلمها إلا إذا رفعت العقوبات. لهذا فإن إيران ستحصل على مليارات الدولارات خلال الأسبوع الأول من رفع العقوبات عنها من هذه الحسابات!

بما أن إيران تصدّر ما يمكنها تصديره على كل الحالات، فإن أثر رفع العقوبات في المدى القصير سيكون محدوداً. طبعاً سينتهز بعض المضاربين الفرصة بمجرد نشر الخبر، وستنخفض أسعار النفط نتيجة ذلك وستزداد ذبذبتها، ولكنه أمر مؤقت. كما أن الحكومة الإيرانية، تحسباً ليوم رفع العقوبات، قد تقوم بتخزين النفط الخام في سفن عائمة والخزانات الأرضية في الموانئ وذلك لإقناع الشعب الإيراني بفائدة الاتفاق مع أميركا، التي وصفوها بالشيطان الأكبر خلال الـ42 سنة الماضية، وأيضاً كي يظهروا أمام العالم أن إيران تستطيع زيادة الإنتاج.

إلا أن إيران تستطيع رفع الإنتاج بشكل ملحوظ خلال شهور، وبشكل كبير خلال عامين. وتستطيع أن تتوسع بعد ذلك مع دخول شركات النفط العالمية. ولكن هذه الزيادات لا يتوقع لها أن تخفض الأسعار بسبب زيادة الطلب على النفط وقتها. باختصار، العالم يحتاج إلى النفط الإيراني مستقبلاً.

ماذا عن النفط الفنزويلي؟

الزيادة في صادرات النفط الفنزويلي سببها وصول المكثفات الإيرانية لفنزويلا. واستقرار وضع البنزين في فنزويلا سببه وصول البنزين الإيراني. ماذا سيحصل للنفط الفنزويلي إذا رفع الحظر عن إيران وأصبحت إيران تحقق إيرادات أعلى من بيع المكثفات والبنزين في الأسواق العالمية؟ هل تستمر بالتصدير إلى فنزويلا على كل الحالات؟

توقف صادرات إيران إلى فنزويلا يعني انخفاض صادرات فنزويلا النفطية. في هذه الحالة فإن أي زيادة في صادرات إيران هي مجرد تعويض عن الصادرات الفنزويلية.

والسؤال، إذا رفعت إدارة بايدن العقوبات عن إيران، فهل ستقوم بعدها برفع العقوبات عن فنزويلا بخاصة في ضوء احتمال غزو روسي لأوكرانيا؟ يبدو أن الحل جاهز، وهو ما تقترحه شركة “شيفرون” الأميركية، التي لها عمليات في فنزويلا: شركة النفط الفنزويلية مدينة لشركة “شيفرون” بمبالغ ضخمة، وشركة “شيفرون” تقترح الآن أن يتم السداد “عيناً” عن طريق تصدير النفط إلى منشآت “شيفرون” في خليج المكسيك! لقد حصلت “شيفرون” على استثناءات باستمرار عملياتها في فنزويلا من حكومتي ترمب وبايدن، فهل ستحصل على هذا الاستثناء، وتعود الولايات المتحدة لاستيراد النفط الفنزويلي؟ وهل يحصل هذا في الوقت نفسه الذي يتم فيه رفع العقوبات عن إيران؟

مشكلة فنزويلا

لا أستبعد أن يتضمن الاتفاق الأميركي الإيراني استمرار إيران بإمداد فنزويلا بالمكثفات والبنزين… فنزويلا تستطيع زيادة إنتاجها بسرعة ما بين 300 ألف و500 ألف برميل يومياً، كل ما تحتاجه هو استيراد المكثفات لمزجها مع النفط الثقيل كي تتمكن من تصديره، وإيران منتج كبير للمكثفات بسبب إنتاجها الكبير للغاز. إلا أنها لا تستطيع رفع إنتاجها بعد ذلك من دون دخول الشركات الأجنبية واستثمارات ضخمة، وقد تحتاج عندها إلى ثلاث سنوات في الأقل لرفع إنتاجها بنحو مليون برميل يومياً. آبار النفط الفنزويلي متهالكة وتعاني الإهمال وعدم القيام بأعمال الصيانة الدورية.

تقنياً، مجرد دخول الشركات الأجنبية لإعادة تأهيل الآبار والحقول فإن إنتاج فنزويلا سينخفض بنحو 400 ألف برميل في الأقل.

خلاصة القول إن أثر رفع العقوبات عن إيران وحتى فنزويلا محدود في المدى القصير. العالم يحتاج إلى نفط هاتين الدولتين في المديين القصير والطويل، ومن ثم فإنه لا يتوقع أن يؤدي ذلك إلى تخفيض الأسعار وقتها.

 

أنس بن فيصل الحجي 

اقتصادي متخصص في مجال الطاقة

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
اينديبندنت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة − 9 =

زر الذهاب إلى الأعلى