تداعيات حرب أوكرانيا على انتشار الصواريخ في الشرق الأوسط

يبدو أن الغزو الروسي لأوكرانيا سيمتد إلى مواجهة طويلة الأمد بين موسكو والدول الغربية وسيؤثر ذلك بشكل أو آخر على مستقبل الشرق الأوسط.

ميدل ايست نيوز: يبدو أن الغزو الروسي لأوكرانيا سيمتد إلى مواجهة طويلة الأمد بين موسكو والدول الغربية وسيؤثر ذلك بشكل أو آخر على مستقبل الشرق الأوسط.

وكان التعاون السابق بين الولايات المتحدة وروسيا ضروريًا للحد من الأسلحة النووية وعدم انتشارها في الشرق الأوسط. ومع ذلك لم يظهر نفس المستوى من التعاون فيما يتعلق بانتشار الصواريخ الإقليمية، بما في ذلك التقدم في قدرات الصواريخ الإيرانية الذي أدى بدوره إلى زيادة إنتاج أو شراء الصواريخ من قبل دول إقليمية أخرى.

ومن المرجح أن تتراجع القدرة على معالجة انتشار الصواريخ الإقليمية من خلال الدبلوماسي خاصة مع المراوغة الروسية والانشغال الأمريكي واعتماد دول الخليج العربية على الردع والدفاع في مواجهة نظام إيراني لا يريد تغيير مواقفه الإقليمية.

النشاط الصاروخي الإيراني يتفاقم

كانت المخاوف كبيرة بالفعل بشأن انتشار الصواريخ في الشرق الأوسط قبل تجدد العدوان الروسي على أوكرانيا. فقد قامت العديد من دول الشرق الأوسط -تركيا والإمارات وإيران وإسرائيل ومصر والسعودية- بدمج الصواريخ في استراتيجياتها العسكرية لعقود من الزمن، مع اعتماد بعضها على الإنتاج المحلي والبعض الآخر على الموردين الأجانب.

وتجدر الإشارة إلى أن إيران تمتلك أكبر ترسانة من الصواريخ البالستية وأكثرها تنوعًا في المنطقة، حيث تنظر طهران إلى الصواريخ على أنها مركزية لاستراتيجيات “الردع النشط” والدفاع والحرب غير المتكافئة، كما وفرت هذه الأصول لوكلائها الإقليميين.

وفي السنوات الأخيرة، أظهرت الصواريخ الإيرانية دقة متزايدة تجلت في هجمات 2019 على منشآت أرامكو في السعودية وهجوم 2020 على قاعدة عين الأسد الجوية في العراق مما يشير إلى قدرة إيران على استهداف الأصول الاستراتيجية لخصومها وتقويض تفوقهم التقليدي.

وشكّل الهجوم الصاروخي الأخير على الأصول الإسرائيلية المزعومة في أربيل المرة الخامسة على الأقل التي تستخدم فيها إيران الصواريخ الباليستية منذ عام 2017. وقد أشار هذا الهجوم وغيره من الأعمال العدائية الأخيرة إلى استعداد إيران المتزايد للتصعيد، والرد على التهديدات المتصورة بطريقة غير متكافئة، واستهداف الجهات الفاعلة خارج حدودها.

كما تشير الهجمات المتكررة للحوثيين على الأراضي الإماراتية والسعودية والتقارير عن ترسانة “حزب الله” من الأسلحة الدقيقة والمتطورة بشكل متزايد إلى أن انتشار الصواريخ الإيرانية إلى جهات فاعلة غير حكومية لا يزال مصدر قلق.

في مواجهة هذه التطورات، ازداد قلق دول الخليج التي اعترضت على الاتفاق النووي لأنه تجاهل التهديد الصاروخي الإيراني ووكلاء إيران. تشعر دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، أن التهديد الذي تشكله أنظمة الصواريخ الإيرانية وصل إلى مستويات غير مقبولة.

وفي أواخر 2021، قالت السعودية إنها تعرضت لأكثر من 1200 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة منذ عام 2015. ولطالما دفع وابل الهجمات المستمر دول الخليج إلى رؤية التهديد الصاروخي الإيراني على أنه أشد خطورة على أمنها من برنامج طهران النووي.

لماذا فشلت دبلوماسية التقييد؟

فشلت الدبلوماسية في وضع حد لحمى التسليح الصاروخي، حيث تعتبر إيران ترسانتها الصاروخية العنصر الرادع والدفاعي غير القابل للتفاوض وترفض التخلي عنها بينما تقوم دول إقليمية أخرى أيضًا بإنتاج أو شراء الصواريخ.

وبالتالي فإن أي اتباع لنهج العصا والجزرة لفرض قيود على إيران وحدها -عبر تحديد نطاق لصواريخها أو الحد من نقلها إلى جهات فاعلة غير حكومية- لن يكون مستدامًا على الأرجح إذا تركت القدرات الصاروخية لجيران طهران دون مساس.

وتعثرت محاولات معالجة موضوع الصواريخ خلال مؤتمر حول إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط برعاية الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك بسبب الخلافات حول نطاق المنطقة المرتقبة.

على أي حال، لن تؤدي عملية إقليمية محدودة لمعالجة مسألة الصواريخ إلى تهدئة التصورات حول التهديد الإيراني ولا منع القوى الأخرى من توفير التقنيات الاستراتيجية التي تعزز برامج الصواريخ الإقليمية.

في الواقع، فإن هناك مشكلة في أدوات مثل نظام التحكم في تكنولوجيا الصواريخ (MTCR) -الذي يتعهد 35 من أعضائه على تقييد صادرات بعض الصواريخ والتقنيات ذات الصلة- و الاتفاقية الدولية للحد من انتشار الصواريخ الباليستية (HCOC) -وهي أداة شفافة متعددة الأطراف تلزم الأطراف بتقديم إخطارات قبل إطلاق الصواريخ الباليستية والإطلاق الفضائي للمركبات والرحلات التجريبية- حيث إنها تفتقر إلى النفوذ اللازم لتقييد انتشار الصواريخ في الشرق الأوسط.

ورغم التراكم الهائل لتحليلات الخبراء والأفكار لإيجاد سبل للخروج من مأزق الصواريخ، فإنها لم تقابل بعد بمستوى متناسب من الإرادة السياسية من القوى الإقليمية والخارجية الرئيسية.

حرب روسيا فاقمت الأزمة

من المرجح أن تؤدي حرب أوكرانيا إلى تعقيد القدرة على معالجة انتشار الصواريخ الإقليمية من خلال الدبلوماسية. وبالرغم أن موسكو وواشنطن اختلفتا في السنوات الماضية حول التوازن الصحيح بين العصا والجزرة في التعامل مع اللاعبين الرافضين لحظر انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، فإن تعاونهما كان ضروريًا للحد من التسلح.

وتطلبت جهود مثل مجموعة العمل الخاصة بالحد من التسلح والأمن الإقليمي في التسعينيات، والمحادثات النووية الإيرانية منذ عام 2006، وتدمير المخزون السوري الكيماوي المعلن في 2013-2014، تحالفًا بين الولايات المتحدة وروسيا في مجلس الأمن. وظل هذا التوافق ممكنًا حتى في أوقات التوترات بين روسيا والغرب.

أما الآن، فهناك ظلال كبيرة من الشك حول إمكانية استمرار التعاون بشأن الحد من الأسلحة في الشرق الأوسط، ناهيك عن حشد الإرادة السياسية لمعالجة انتشار الصواريخ.

وفي حين يبدو أن مصير خطة العمل الشاملة المشتركة الآن يعتمد بشكل أساسي على القرارات التي تتخذها إيران والولايات المتحدة -مع تراجع روسيا عن العرقلة السابقة التي دأبت عليها- من المرجح أن يؤثر الوضع في أوكرانيا على رغبة موسكو في التعاون مع الدول الغربية في المزيد من جهود الحد من التسلح.

وفي الماضي، كان الموقف الروسي المتضارب إزاء التهديد الصاروخي الإيراني نابعا من اعتقاد موسكو أن إثارة إيران للمشاكل تصب في مصلحتها من خلال تقويض التدخل الأمريكي في المنطقة. وفي هذه الحقبة الجديدة من المواجهة الروسية الغربية المتزايدة، من غير المرجح أن تتغير هذه الحسابات.

وفي الوقت نفسه، من غير المرجح أن تُقابل جهود روسيا في معالجة انعدام الأمن الإقليمي من خلال مبادرة تعتمد على مفهومها للأمن الجماعي لمنطقة الخليج بحماس من الأطراف الإقليمية الرئيسية والغربية؛ وعلى أية حال، فإن انتشار الصواريخ ليس محوريًا في مبادرة روسيا.

علاوة على ذلك، هناك شكوك بأن إدارة “بايدن” مستعدة لبذل جهد دبلوماسي جاد لدعم أي مبادرة للحد من التسلح في الشرق الأوسط ناهيك عن تقييد الصواريخ. وفي ظل مواجهة الولايات المتحدة للتحدي الصيني المتسارع والتهديدات الحرجة التي تفرضها روسيا في أوروبا، أشارت الإدارة الأمريكية إلى أن تخفيف التهديد النووي الإيراني يظل أولويتها في الشرق الأوسط.

أما فيما يتعلق بالمخاوف من أن تخفيف العقوبات المفروضة على إيران سيؤدي إلى تفاقم تهديد الصواريخ الإيرانية وكلاء إيران، صرح الجنرال “كينيث إف ماكنزي جونيور” مؤخرًا أن “القيادة المركزية الأمريكية ترضى بالحلول المقتربة من المثالية”.

حل أكثر واقعية

تأمل الولايات المتحدة في أن تتمكن دول الخليج وإسرائيل من الاستفادة من اتفاقيات إبراهام ودمج إسرائيل في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، لتكثيف التعاون في مجال الدفاع الجوي والصاروخي.

وبدلاً من التعويل على الدبوماسية لحل التهديد الصاروخي من خلال التزامات وقيود إيرانية أحادية أو متعددة الأطراف، يبدو أن إدارة “بايدن” ترى أن الدفاع النشط والردع حل أكثر واقعية.

ووسط التصور بأن الولايات المتحدة ستعيد ضبط التزاماتها تجاه الشرق الأوسط وأنها ستعطي الأولوية للتهديد النووي الإيراني، بينما لن تفعل روسيا سوى القليل لمعالجة المخاوف بشأن الصواريخ الإيرانية، قد تختار دول الخليج بالفعل مزيدًا من الاعتماد على الذات والتعاون مع من يعتبرونهم شركاء ضروريين (إسرائيل في الدفاعات الجوية والصين لتطوير برامج الصواريخ).

يبدو المسار البديل -انخراط الدول الإقليمية في خطوات تدريجية لتقييد الصواريخ أو حتى في عملية أكثر طموحًا للحد من التسلح والأمن الإقليمي- احتمالًا بعيد المنال، طالما ظلت القوى الخارجية الرئيسية مشتتة أو غير مستعدة لمثل هذه الجهود.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
الخليج الجديد
المصدر
معهد دول الخليج في واشنطن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى