كيف جعلت أزمة أوكرانيا موقف إيران أقوى في المفاوضات النووية

هذا منعطف غير متوقع للمحادثات التي بدأت بآمال كبيرة بعد أن تولى بايدن منصبه العام الماضي، وتعهد بالوفاء بوعد حملته بإعادة الاتفاق.

ميدل ايست نيوز: أدت أزمة أوكرانيا إلى تقوية موقف إيران في المفاوضات النووية، وجعلها أكثر قدرة على فرض شروطها بينما قللت قدرة أمريكا على معاقبتها، فهل يعني ذلك أن إيران قد أوشكت على امتلاك القنبلة النووية، ولماذا يبدو الرئيس الأمريكي عاجزاً عن الضغط عليها؟

ويواجه جو بايدن، الذي كان متفائلاً يوماً بإمكانية إحياء الاتفاقية التي تشارك بها عدة دول وانسحب منها دونالد ترامب عام 2018، احتمال عدم إتمامها في الوقت الحالي، على الأقل ليس قبل انتخابات التجديد النصفي التي ستنعقد في غضون ستة أشهر سيحرص الجمهوريون خلالها على تصوير أي اتفاقية على أنها انحناء لإيران.

وكان المشاركون في المفاوضات على وشك التوصل إلى اتفاق قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا، الذي غير طبيعة الظروف الجيوسياسية وحدّ من دوافع تسوية الاتفاق على الجانبين، وفقاً لما نقله موقع وكالة Bloomberg الأمريكية عن دبلوماسيين أوروبيين.

وبعدها، تعثرت المحادثات بعد مطالبة إيران للولايات المتحدة بحذف الحرس الثوري الإيراني من قائمة المنظمات الإرهابية.

ويعارض أغلب أعضاء الكونغرس من الحزبين رفع العقوبات عن الحرس الثوري الإيراني. وهو موقف لا يستطيع بايدن تجاهله في الوقت الذي يواجه فيه الديمقراطيون احتمال خسارة أغلبيتهم في الكونغرس.

موقف إيران في المفاوضات النووية والسبب أسعار النفط

أما إيران، فقد خفف سعر برميل النفط الذي بلغ 100 دولار من حاجتها الملحة إلى تخفيف العقوبات. إذ وصلت أسعار النفط الخام إلى الضعف تقريباً منذ بدء المحادثات قبل عام.

كما زادت إيران صادرات النفط والوقود المكرر بنحو الثلث إلى 870 ألف برميل يومياً في الربع الأول، وفقاً لشركة بيانات السلع الأساسية Kpler. ويذهب معظم إنتاجها إلى حلفائها مثل الصين وفنزويلا اللتين لن يكون للعقوبات الأمريكية تأثير يذكر عليهما.

والشهر الماضي، أعلنت إيران عن اتفاق تعاون عسكري مع الصين وصفقة إمدادات غذائية طويلة الأجل مع روسيا، وكلا البلدين طرف في الاتفاق النووي.

وقال المسؤولون الإيرانيون الشهر الماضي إنهم لن يجتمعوا في فيينا مرة أخرى إلا لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، وهذا يبدو مستبعداً ما لم يتفق الطرفان على تصنيف الحرس الثوري الإيراني وعدد قليل من القضايا الأخرى المشحونة سياسياً التي لا تشكل جزءاً من نص الاتفاقية نفسه.

كما لا يعرف الموقف من الشرط الإيراني الذي سبق أن قيل إنه عرقل المفاوضات، وهو ضرورة تعهد الولايات المتحدة بشكل أو بآخر بعدم التراجع عن الاتفاق، كما فعل ترامب، بينما تقول إدارة بايدن إنها لا تستطيع فعل ذلك لأن هذا الاتفاق ليس اتفاقية يصدق عليها الكونغرس.

كما سبق أن ألمح الروس إلى أنهم يريدون الحصول على ضمانات بدورهم لعدم التعرض لعقوبات أمريكية جراء دورهم لحل معضلات الاتفاق النووي، حيث يعتقد أن هناك مقترحاً بأن يكون إحدى الضمانات التي تحصل عليها إيران هو نقل اليورانيوم الذي خصبته بشكل زائد عن المستوى الوارد في الاتفاق النووي إلى روسيا بحيث تعيده الأخيرة لطهران لو تراجعت واشنطن عن الاتفاق.

المشكلة أن مثل هذه الضمانات التي طلبها الروس قد تتعارض مع العقوبات الأمريكية والغربية على موسكو بسبب حرب أوكرانيا.

يقول دبلوماسيون بعد توقف المحادثات إن تمديد حالة الضبابية أفضل أمل لهم لتجنب التصعيد.

ففي الوقت الحالي، لن تعلن الأطراف الأوروبية في الاتفاقية متعددة الأطراف موتها؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى خروج مزيد من النفط الإيراني من السوق في الوقت الذي يهدد فيه ارتفاع أسعار الطاقة بعرقلة الانتعاش الاقتصادي العالمي.

وهناك مخاوف من أن يؤدي التوتر الإيراني الأمريكي إلى عودة الهجمات الانتقامية على ممرات الشحن في الشرق الأوسط والبنية التحتية للطاقة بمنطقة الخليج، واحتمالية نشوب حرب أخرى في وقت لا يزال فيه العالم يصارع تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا.

وتجار النفط والمحللون الذين توقعوا اتفاقية تعيد النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية، أخرجوا براميلها من حساباتهم. إذ خفضت شركة JPMorgan Chase & Co توقعاتها للإمداد العالمي لهذا العام بمقدار 400 ألف برميل يومياً وللعام المقبل بمقدار مليون برميل يومياً.

وكتب محللون من بينهم ناتاشا كانيفا في مذكرة يوم 4 مايو/أيار: “نتوقع الآن أن يظل إنتاج وصادرات الخام الإيراني عند المستويات الحالية في المستقبل المنظور”.

الهجوم الروسي على أوكرانيا.. طرق تجارة جديدة تدرّ على طهران نقوداً ونفوذاً رغم العقوبات

عدم إحياء الاتفاق النووي سيمثل فشلاً جديداً لبايدن

هذا منعطف غير متوقع للمحادثات التي بدأت بآمال كبيرة بعد أن تولى بايدن منصبه العام الماضي، وتعهد بالوفاء بوعد حملته بإعادة الاتفاق.

وسيضاف الفشل في إحياء الاتفاق إلى قائمة أهداف بايدن التي لم تتحقق في الداخل والخارج.

وفي حين زاد الإفراج عن معتقلين بريطانيين في مارس/آذار، الذي حظي بتغطية إعلامية كبيرة في طهران، التوقعات بقرب تحقيق انفراجة، أدى اعتقال مواطنين فرنسيين هذا الأسبوع إلى تعكير المزاج.

ورغم أن اعتقال إيران للرعايا الأجانب لا يرتبط بالملف النووي مباشرة، يعتبره قطاع كبير من الدبلوماسيين الغربيين محاولة لتعزيز موقفها على طاولة المفاوضات.

وقال مسؤول أمريكي إنه من السابق لأوانه استبعاد الاتفاق، لكنه أقر بأن المفاوضات لا تسير في الاتجاه الصحيح.

وقال إن إدارة بايدن ستتبع نهجاً دبلوماسياً مع إيران طالما أن استعادة الاتفاق لا يزال في مصلحة الولايات المتحدة. وقد يأتي وقت لا تعود فيه كذلك، لكن بايدن لم يقرر هذا بعد.

مخاوف من اقتراب إيران من القنبلة النووية

مع جمود المفاوضات لإحياء مفاوضات الاتفاق النووي، واصلت إيران تخصيب اليورانيوم إلى ما بعد الحدود المتفق عليها، كما أن طهران اكتسبت المعرفة بمجموعة من التقنيات التي سبق أن منع الاتفاق الوصول إليها.

هذا التراكم في المعرفة النووية دفع المسؤولين الأمريكيين إلى التحذير منذ يوليو/تموز الماضي من أن الفشل في استعادة الاتفاق النووي بسرعة قد يجعل بنوده الأصلية عفا عليها الزمن.

وقالت إميليا خوسيه بينيا رويز، مستشارة السياسة الإسبانية التي كتبت عن الكيفية التي تضيف بها احتياطيات الطاقة الإيرانية المزيد إلى قوتها التفاوضية: “لا يستطيع المجتمع الدولي تحمل عدم إبرام الاتفاق النووي مع إيران. إذا لم يتم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، يمكن أن يكون لدينا قوة نووية أخرى من نوع كوريا الشمالية”.

في بداية عام 2021، قبل أن توسع إيران خروقاتها للاتفاق النووي، كما هو الوضع الآن، تحدث مسؤولون غربيون عن أن إيران أمامها أشهر أو حتى أسابيع، للوصول للقنبلة النووية، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

فيما علق العديد من الدبلوماسيين والخبراء النوويين على هذه الادعاءات في ذلك الوقت بأن القول إن إيران تحتاج عاماً حتى لإنتاج قنبلة نووية هو تقدير مبالغ به وإن طهران ستحتاج إلى وقت أطول لتحقيق ذلك.

ولكن في المقابل قدّر ديفيد أولبرايت، مفتش الأسلحة السابق للأمم المتحدة الذي يميل إلى اتخاذ موقف متشدد تجاه إيران، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 (أي قبل عام ونصف) أن زمن اختراق إيران أي زمن وصولها للقنبلة قد يكون “أقصر من 3.5 شهر”، على الرغم من أن هذا يفترض أن إيران ستستخدم 1000 جهاز طرد مركزي متقدمة تمت إزالتها بموجب الاتفاق.

ويعتقد أن إيران إذا جمعت كمية كافية من المواد الانشطارية، يمكنها تجميع قنبلة واحدة وربما تكون صغيرة بما يكفي لتحملها صواريخها الباليستية، وهو نموذج أشبه بالمسار النووي لكوريا الشمالية، التي يعتقد أنها بدأت بإنتاج قنبلة أو قنبلتين نوويتين غير متقدمتين ثم واصلت تعزيز قدراتها بعد أن ضمنت ما يمكن وصفه بـ”الحصانة النووية”.

وبصرف النظر عن الموعد الدقيق لهذا السيناريو، فإنه من المؤكد أنه في ظل اختراق إيران للمستويات التي التزمت بها وفقاً للاتفاق النووي، فإنها باتت أقرب لصنع قنبلة مقارنة بالتوقيت الذي تولى فيه بايدن الحكم، وأنه إذا حققت طهران هذا الاختراق أو اقتربت منه، فسيكون أغلب هذا التقدم في البرنامج النووي الإيراني قد تحقق في عهد بايدن الذي وعد بإحياء الاتفاق النووي الإيراني، ومنع طهران من إنتاج قنبلة نووية، في الوقت ذاته وهو وعد مهدد بألا يتحقق.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
عربي بست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى