كيف أثرت السياسة على صناعة العملات المشفرة في الشرق الأوسط؟

هناك ظلال من التعقيد السياسي الدولي المرتبط بصناعة العملة الرقمية الناشئة.

ميدل ايست نيوز: على مدار العقد الماضي، ارتفعت أسعار وشعبية العملات المشفرة في جميع أنحاء العالم، وكان هناك عاملان هيكليان متداخلان أثّرا بشكل عام على قرار الأفراد وبعض المؤسسات تبني العملات المشفرة كمصدر غير تقليدي للثروة، أولهما قدرة الوصول للتكنولوجيا الحديثة (العرض)، وثانيهما الافتقار للوصول إلى الموارد الاقتصادية التقليدية (الطلب).

وفي حين أن هذا الإطار الواسع للتحليل ليس حاسمًا بالمرة، إلا أنه قد يكون بمثابة خطوة أولية نحو فهم الاقتصاد السياسي للعملات المشفرة، وشرح سبب تبني العملات الرقمية في أجزاء معينة من العالم بشكل أكبر مقارنة بالأجزاء الأخرى.

ومن المتوقع أن تكون ديناميات اعتماد العملات المشفرة في الاقتصادات التي تتضمن مستوى أعلى نسبيًا من الرعاية الاجتماعية والحريات السياسية (والمعروفة باسم دول الشمال العالمي) مختلفة عن الدول المتخلفة والنامية (أو الجنوب العالمي) لاختلاف الظروف والسياقات التي تدفع لاعتماد العملات المشفرة.

العملات المشفرة في الشرق الأوسط

وهناك تباين فيما يتعلق بالعملات المشفرة في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مثل التباين الذي نلاحظه في الحوكمة السياسية داخل دول المنطقة. وفي الوقت ذاته هناك ظلال من التعقيد السياسي الدولي المرتبط بصناعة العملة الرقمية الناشئة.

وفي أعقاب الانسحاب الأمريكي الفوضوي من أفغانستان وسيطرة “طالبان” المفاجئة على العاصمة كابل، في أغسطس/آب 2021، ذكرت التقارير أن السكان المحليين لجؤوا بشكل متزايد لـ”العملات الرقمية المشفرة المستقلة” (ستابل كوين)، وهو نوع من العملة المشفرة الاحتياطية (مثل عملتي تيثر وبينانس) مرتبطة بالدولار الأمريكي أو غيره من العملات الصعبة؛ للحماية من تقلب الأسعار الحاد في سوق العملات المشفرة، كوسيلة رقمية جديدة لحماية مدخراتهم من فقدان القيمة أو مصادرة “طالبان”.

وتُستخدَم قنوات ومعاملات العملات المشفرة أيضًا من قبل وكالات الإغاثة الدولية والمنظمات غير الحكومية في الخارج مثل منظمة “كود”، وذلك لتحفيز تحويل المساعدات المالية التي تحتاجها العائلات الفقيرة في أفغانستان، ومن ثم يتم تحويلها للعملة المحلية “أفغاني”.

وأصبح هناك شعبية لطريقة التبرع الجديدة المتجاوزة للحدود، والتي تستخدم بشكل أساسي للتهرب من العقوبات الأجنبية وكذلك القيود المحلية، خاصة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط من هذا العام. ولم تتلق كييف عشرات الملايين من أموال العملات المشفرة من المانحين الدوليين فحسب، بل إن الحكومة الأوكرانية أنشأت رسميًا حسابات على الإنترنت لتسهيل التمويل الجماعي والحفاظ عليه.

ومع ذلك، فإن هذا النظام اللامركزي – والذي أصبح ممكنًا من خلال تقنية “بلوكتشين” الشهيرة برأس مالي سوقي يزيد عن 1.2 تريليون دولار حاليًا – يستخدم بشكل منهجي من قبل الدول التي تم عزلها عن الأسواق والخدمات المصرفية المالية العالمية لأسباب سياسية وأمنية.

وتتجسد أحد أمثلة ذلك في إيران، التي يرزح اقتصادها بأكمله تحت عقوبات أمريكية واسعة النطاق بسبب أنشطتها النووية المثيرة للجدل في السنوات الأخيرة.

وتحظر الحكومة الإيرانية مدفوعات العملة الرقمية وتواصل الحملات ضد عمليات تعدين العملات المشفرة. ومع ذلك، ففي ظل بحث المجتمع الإيراني عن طرق مبتكرة لتجاوز الأزمة الاقتصادية وخلق فرص عمل ومصادر للأموال، تحتل إيران الآن موقعًا بين أكثر الدول التي يحدث فيها تعدين “البيتكوين”، ويرجع الفضل في ذلك إلى وفرة موارد الطاقة والكهرباء الرخيصة في البلاد.

ووفقًا لشركة تحليل العملات المشفرة “إليبتيك”، فإن إيران تمثل 4.5% من جميع “البيتكوين” الذي يتم تعدينه في العالم، بعائد سنوي يقدر بمليار دولار. ويمكن لطهران استخدام هذه الإيرادات لتخفيف الآثار الضارة للعقوبات والانخراط في المعاملات المالية متجاوزة القيود المفروضة.

يشير القمع الحكومي الإيراني المستمر للبورصات المستقلة للعملات المشفرة من ناحية، وخططها لإدخال “عملة وطنية رقمية” من ناحية أخرى، إلى وجود نوايا طويلة الأجل للاستفادة من صناعة الأموال غير التقليدية، وإبقائها في الوقت ذاته تحت سيطرة الدولة الصارمة.

وبالإضافة إلى هذه العقبات المحلية، فإن الحرمان من الوصول إلى منصات تبادل العملات المشفرة الرئيسية مثل “بينانس” و”كاركين” و”FTX” و”Coinbase” بسبب العقوبات الأمريكية القاسية، يجعل من الصعب للغاية على العديد من الإيرانيين الاعتماد على تداول العملات المشفرة لتحقيق مكاسب اقتصادية.

ومع غياب مثل هذه العوائق والعقوبات، أصبحت تركيا والإمارات أرضًا خصبة لازدهار العملات المشفرة مقارنة بدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأخرى. وتقوم كل من الحكومتين – مثل أقرانهما في أماكن أخرى – بترتيبات قانونية لتنظيم سوق العملات المشفرة المتنامي، الذي يعززه سهولة وصول الجمهور للبورصات الرئيسية وتطبيقات التداول.

وحدثت طفرة العملات المشفرة في تركيا بشكل أساسي مع تراجع قيمة الليرة في السنوات الأخيرة، والمشاكل الاقتصادية المتزايدة، لكن يبدو أن الارتفاع السريع في شعبية العملات المشفرة في الإمارات كان نتيجة انفتاح الدولة ودعم الاستثمار الأجنبي.

وفي هذا العام وحده، أصدرت أبوظبي ودبي (المراكز التجارية الرئيسية في الإمارات) أكثر من 30 ترخيص لمكاتب تدير عمليات وبورصات العملات المشفرة، مما رسخ وضع الإمارات كمركز رئيسي للعملات المشفرة في منطقة الشرق الأوسط.

العملات المشفرة والإرهاب

وبقدر ما لجأت المجتمعات المهمشة للعملات المشفرة لإخراج نفسها من الفقر واكتساب حصة ذات مغزى في اقتصاداتها المحلية، يتم استغلال تقنية التبادل بهويات مجهولة في تمويل الأنشطة الإرهابية والإجرامية بطرق يصعب تتبعها.

وفي أغسطس/آب 2020، أعلنت وزارة العدل الأمريكية عن الاستيلاء على عملات مشفرة بقيمة ملايين الدولارات عبر أكثر من 300 حساب مرتبط بمنظمات مثل “الدولة الإسلامية” و”القاعدة”.

وفي صيف عام 2021، ألقت شرطة المملكة المتحدة القبض على مستشار مبيعات متعاطف مع تنظيم “الدولة الإسلامية” في برمنغهام، وأدين لاحقًا بنقل أكثر من 60 ألف دولار إلى المتاجرين بالبشر في سوريا للمساعدة في الإفراج عن أعضاء التنظيم من السجن هناك.

وسواء لجأ الأفراد إلى العملات المشفرة كتحوط ضد تقلبات العملات، أو استخدمته الدول للتحايل على العقوبات والقيود الدولية، أو اعتمد عليها المستثمرون المحليون لريادة الأعمال الاقتصادية وأغراض تمكين المجتمع، فإن صناعة العملات المشفرة – مثل الأسواق التقليدية – متشابكة بالفعل مع السياسة وعرضة للقرارات السياسية، ولا يعد الشرق الأوسط استثناء في ذلك.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
الخليج الجديد
المصدر
Inside Arabia

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 − خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى