“شبكة ترانس – أفغان لسكك الحديد” تتحدى مستقبل ميناء تشابهار الإيراني

يُعَدُّ مشروع تشييد شبكة "ترانس-أفغان" لسكك الحديد، من أهم المشاريع المشتركة بين أفغانستان وبلدان آسيا الوسطى، لتجاوز البرّ، والوصول إلى البحار.

ميدل ايست نيوز: مع دخول العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا حيّز التنفيذ، تأثر عدد كبير من ممرّات نقل البضائع الدوليّة التي تمرّ عبر الأراضي الروسيّة بالعقوبات، تماماً مثل البنوك في هذا البلد. ومن أهمّ آثار تلك العقوبات، ذلك الذي نال الفرع الشمالي من مشروع الحزام والطريق الصيني، والذي يواجه مستقبلاً غامضاً في ظل العقوبات، وصمت الصين الرسمي إزاء التطورات.

وحسب تقرير لموقع “تحليل بازار” من جهة أخرى، فإن دول آسيا الوسطى، وخصوصاً أوزبكستان، باعتبارها دولاً محصورة في البرّ، لا تزال تبحث عن مداخل لتطوير ممرّات شحن دولية، من شأنها أن تربط هذه الدول بالبحار. وهذا هو الموضوع الذي استوعبت حكومة طالبان أهميته، ولذلك سعت عبر التعاون مع شركائها التجاريين في آسيا الوسطى إلى تفعيل ممرّات للوصول إلى نقاط على شطآن البحار.

شبكة قطارات ترانس – أفغان، وتغيير خريطة ممرّات نقل البضائع

يُعَدُّ مشروع تشييد شبكة “ترانس-أفغان” لسكك الحديد، من أهم المشاريع المشتركة بين أفغانستان وبلدان آسيا الوسطى، لتجاوز البرّ، والوصول إلى البحار. وهو مشروع طموح يربط شبكة سكك الحديد في أوزبكستان، بأهم موانئ باكستان، مثل: كراتشي، وغوادر، وميناء قاسم، وذلك عبر الأراضي الأفغانية.

وبعد عدة أشهر من عدم الاستقرار في أفغانستان غداة استيلاء تنظيم طالبان على الحكم في كابول، فإن بوادر نجاح التنظيم في تثبيت الاستقرار، دفعت البلدان الثلاثة نحو الاقتناع بأن الأوان قد آن لبدء تنفيذ هذا المشروع الطموح. ودفعت هذه القناعة مسؤولين من الدول الثلاثة إلى الاجتماع في العاصمة الأوزبكية طشقند في فبراير الماضي، من أجل التوقيع على عقد مشترك لبناء سكة حديد بطول 600 كيلومتر، تربط مزار شريف بمدينة بيشاور مروراً بالعاصمة الأفغانية كابول، كجزء من مشروع شحن البضائع بين أوزبكستان وباكستان.

وفي هذا السياق، فإن وزير الداخلية الباكستاني، ورئيس لجنة الاستثمارات الأجنبية محمد أفزار أحسن، أعلن أن هذا الطريق هو القناة الأقصر، والأمثل لربط بلدان آسيا الوسطى بموانئ باكستان، مشيراً إلى أن الكريدور المؤدي إلى باكستان بات يلفت انتباه الكثيرين باعتباره الطريق الأمثل للارتباط بالبحار، وأن مشروع “ترمذ – مزار شريف – كابول – بيشاور” لسكك الحديد، يحمل معه تداعيات مهمة على مستقبل المنطقة.

وأكد الوزير الباكستاني في حديثه عن هذا المشروع الثلاثي، أن أفغانستان تمثل قلب آسيا، وأن القنوات التي تمر عبر الأراضي الأفغانية ستربط بلدان آسيا الوسطى، مثل: طاجيكستان، وتركمنستان، وأوزبكستان بجنوب آسيا، عبر باكستان، وبالشرق الأوسط، عبر إيران.

شبكة ترانس – أفغان لسكك الحديد، وأهميتها بين باكستان وإيران

يمكنُ فهم أهمية تشييد هذا الممرّ الجديد بين أوزبكستان وأفغانستان وباكستان، من خلال التدقيق فيما تحاول باكستان القيام به في أفغانستان؛ إذ تكشف الجهود الباكستانية عن المشهد الأوسع الذي يجري الإعداد له على مستوى ممرّات التجارة، وخطوط النقل في آسيا الوسطى.

وتُعَدُّ إسلام آباد من أهم اللاعبين في أفغانستان، خصوصاً غداة هيمنة تنظيم طالبان على مقاليد الحكم في كابول؛ حيث أتاحت لها علاقاتها الجيدة مع تنظيم طالبان، لعب دور بارز في أفغانستان. كما أنها حاولت خلال الأشهر الماضية بذل المزيد من الجهود لتوسيع شرعيّة التنظيم ضمن المجال الدولي. وتبدو باكستان الآن، على أهبة الاستعداد لحصد ثمار استثماراتها السياسية في أفغانستان، لتكون لها يد فاعلة، لا في أفغانستان فحسب، وإنما من ورائها في آسيا الوسطى.

ميناء تشابهار والتوازن الاستراتيجي الإيراني مع الصين والهند

في المقابل، لا تستطيع الهند التي كانت تربطها علاقات جيدة بالنظام السياسي الأفغاني قبل سيطرة طالبان، ممارسة الدور ذاته في ظل الحكم الأفغاني الجديد؛ إذ تحول علاقاتها السابقة الجيدة مع حكومة أشرف غني، دون انصهارها في علاقات جيدة مماثلة مع حكومة طالبان التي باتت أقرب إلى إسلام آباد. وامتدت تداعيات العلاقات الجيدة التي تربط باكستان بنظام الحكم الجديد في أفغانستان، إلى التأثير على نوعية العلاقات بين كابول ونيودلهي؛ حيث استطاعت إسلام آباد تغيير مسار المساعدات الهندية إلى أفغانستان على صعيد الصحة، والغذاء لكي تمر عبر باكستان وصولا إلى الأراضي الأفغانية، بدلاً من المسار الإيراني عبر ميناء تشابهار. وحتى القمح الذي كانت الهند تصدره إلى أفغانستان عبر إيران، بات الآن يمر عبر باكستان، ليؤدي ذلك إلى تغييب قناة النقل الإيرانية من خريطة الوصول إلى كابول.

وفي ضوء التنافس الكبير بين ميناء تشابهار الإيراني، وميناء غوادر الباكستاني على ضفاف مكران، تحاول باكستان الآن استغلال علاقاتها مع بلدان آسيا الوسطى، لاستخدام ورقة “الشحن إلى آسيا الوسطى” في سياق تنشيط ميناء غوادر، ودعمه في وجه البديل الإيراني.

وعلى الرغم من أن الوزير الباكستاني حاول طمأنة الجانب الإيراني، حين أكد أن الاتصال الأفغاني بالشرق الأوسط سيكون عبر إيران، إلا أن السؤال الأهم في ضوء القرب الجغرافي بين الميناء الإيراني، وبديله الباكستاني (المسافة بينهما أقل من 120 كيلومتراً)، وفي ضوء البدء بتنفيذ خط ترانس – أفغان لسكك الحديد، بات الآن يتعلق بما هي الضرورة التي تدفع باكستان نحو مشاركة الأرباح مع الجانب الإيراني، والتخلي عن أجزاء من الحمولات المتاحة لها، لصالح ميناء تشابهار المنافس؟ وفي ظل هذا التساؤل الموضوعي، لا يبدو أن الوزير الباكستاني كان صادقاً في أقواله التي يرجح أنها جاءت في سياق المجاملات، لطمأنة الجانب الإيراني، وتحاشي ردود أفعال قوية من طهران.

إن ما هو واضح، أن تشييد خط ترانس – أفغان لسكك الحديد، وتنشيط ممرّ لاتصال آسيا الوسطى بالبحار عبر باكستان، يمثل تهديداً صريحاً لمشروع تشابهار الإيراني الذي تأجل ربطه بخطوط سكك الحديد لعدة أعوام، بفعل تقاعس الجانبين؛ الإيراني، والهندي. وذلك إلى جانب الظروف الناجمة عن العقوبات التي عملت على تهميش هذا الممر لصالح ممرّ باكستان البديل، كما عملت على عزل أفغانستان عن مشروع ممرّ تشابهار، وربطها بمشروع ميناء غوادر. ويعني ذلك كله، أن دخول مشروع ترمذ – مزار شريف – كابول – بيشاور – غوادر حيز التنفيذ، عبر تشييد خط ترانس – أفغان، يمثل ضرراً بالغاً للمشروع الإيراني، ويؤدي إلى خسائر جمة لتطلعات إيران على صعيد ممرّات الشحن والارتباط.

هل يمكن أن يتحول “ممر الشمال – الجنوب” إلى بديل حقيقي لقناة السويس؟

هل يدخل المشروع حيز التنفيذ؟

على الرغم من التهديد الذي يمثله مشروع شبكة ترانس – أفغان لسكك الحديد، لمشاريع الشحن والطموحات الإيرانية على صعيد نقل البضائع، إلا أن السؤال الأهم هو ما إذا كان مثل هذا المشروع المنافس، سيدخل حيز التنفيذ، أم سيبقى مجرّد طموح؟ وللردّ على هذا السؤال، يجب أخذ بعض المؤثرات بعين الاعتبار:

أولها؛ أن كلاً من باكستان وأوزبكستان وأفغانستان، تعاني من مشكلات مالية كبيرة، تجعلها في عداد البلدان المعوزة، والبعيدة كل البعد عن البلدان ذات المكنة الاقتصادية. ولذلك فإنها ستواجه صعوبات جمة في تأمين رؤوس الأموال اللازمة من أجل إنجاز هذا المشروع. إلّا أننا يجب ألا ننسى الدعم الذي قدمته البلدان العربية الغنية لباكستان وأفغانستان على مدى العقود الماضية لتحقيق نمط خاص من التنمية التي تهدف إلى وضع البلدين في موقع قريب من المنظومة العربية.

وتمثّل هذا الدعم في جزء منه بقيام بلدان عربية ببناء المساجد، والمدارس، والمستشفيات، وبعض المشاريع العمرانية، والبنيوية في باكستان؛ ما كان يصبُّ في صالح تحقيق غايات اقتصادية وسياسية، تخدم المصالح العربية في هذين البلدين. وقد تدفع العلاقات المتوترة بين طهران وكثير من هذه البلدان العربية، العرب نحو إعادة الكرّة، وتوفير السيولة اللازمة لإنجاز مشروع ترانس – أفغان، بغية إضعاف مكانة إيران في خريطة قنوات الاتصال الإقليمية.

ويتمثل المؤثر الثاني؛ بمستوى أمن الطريق، وحيثياته الطوبوغرافية؛ فالخريطة الجغرافية تظهر أن ثمة عقبات جغرافية، وطبيعية، متمثلة في الجبال والطرق الوعرة، تُصعِّب مسار إنجاز المشروع الذي تنشده الدول الثلاث: باكستان وأفغانستان وأوزبكستان. ثم إن نشاط أذرع فعالة من تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة في جنوب أفغانستان وشمال باكستان، من شأنه أن يضع عقبات أمنية كبيرة على طريق إنجاز هذا المشروع.

وفي المحصلة، لا يتوقّع المراقبون إنجاز هذا الطريق في المدى القريب، وهذه النقطة بالذات تمثل فرصة كبيرة ربما تكون الأخيرة من نوعها لإيران، من أجل دعم وتفعيل مشروع تشابهار، عبر تطوير البنى التحتية اللازمة، قبل أن تتمكن باكستان من وضع اللمسات الجوهرية الأخيرة على مشروع ميناء غوادر، وربطه بقنوات الاتصال الإقليمية، لجعله محطة نهائية للارتباط مع آسيا الوسطى، والقضاء على آمال المشروع الإيراني الطموح.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
مركز الإمارات للدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة + 9 =

زر الذهاب إلى الأعلى