التقارب بين تركيا والنظام السوري.. انقلاب في المواقف أم حساب للمكاسب؟

قطع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشك باليقين عندما صرّح -في رحلة عودته من مدينة لفيف الأوكرانية يوم الجمعة الماضي- بأن بلاده لا تهدف إلى هزيمة بشار الأسد في سوريا.

ميدل ايست نيوز: أثار وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في 11 أغسطس/آب الجاري عاصفة من الجدل، عندما كشف عن محادثة قصيرة أجراها مع وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد، داعيا إلى “مصالحة بين النظام والمعارضة بطريقة ما”.

وحسب تقرير لموقع الجزيرة أثارت المحادثة التي أجراها جاويش أوغلو -على هامش اجتماع حركة عدم الانحياز قبل 10 أشهر في بلغراد- شكوكا بشأن رغبة تركيا في التخلي عن نهجها الداعم للمعارضة والمطالبة بتحقيق انتقال سياسي في سوريا.

ولم يطل الجدل الذي أثارته هذه التصريحات، فقد قطع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشك باليقين عندما صرّح -في رحلة عودته من مدينة لفيف الأوكرانية يوم الجمعة الماضي- بأن بلاده لا تهدف إلى هزيمة بشار الأسد في سوريا، إذ قال “يتعين الإقدام على خطوات متقدمة مع سوريا من أجل إفساد مخططات ضد المنطقة”.

وأضاف أردوغان أن بلاده “ليست لديها أطماع في سوريا، وتُولي أهمية لوحدة أراضيها، وعلى النظام إدراك ذلك”، وأردف “لا يمكن التخلي عن الحوار بين الدول، ويمكن أن يتم في أي وقت، ويجب أن يتم”.

لا شروط مسبقة

وفي حين سبقت تصريحات المسؤولين الأتراك تقارير صحفية زعم بعضها أن لقاء يجري التحضير له بين أردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد في قمة منظمة شانغهاي، نفى وزير الخارجية التركي التخطيط لهذا اللقاء، مؤكدا أن الأسد غير مدعو إلى القمة، لكنه شدد على أنه “ليست لتركيا شروط مسبقة للحوار مع دمشق”.

وكشف الصحفي التركي -المقرب من دوائر صنع القرار- عبد القادر سلفي عن أنه سأل إن كان أردوغان سيلتقي بالأسد، مضيفا أن الإجابة كانت: “في الوقت الحالي، لا يوجد اتصال متوقع على المستوى السياسي”، واستدرك قائلا: “انتبهوا، قيل: في الوقت الحالي، لم يُقل: لا”.

من جهته، رأى الكاتب محمد بارلاس -في جريدة “صباح” التركية (الموالية للحكومة)- أن “الأسد أحد ضحايا الربيع العربي المصنوع أميركيًا”، ووجه الكاتب اتهاما لأحمد داوود أوغلو (وزير خارجية تركيا خلال تلك الفترة) بـ”الانجراف وراء الرياح الأميركية وإفساد العلاقات التركية السورية بشكل كبير، حتى أنه أقنع أردوغان بأن الأسد سيسقط بعد فترة قصيرة”، وأشار إلى أنه “يتم العمل من جديد على إعادة العلاقات على المستوى الدبلوماسي”.

تقارب بلا أرضية

وفي حين يبدو النهج التركي الجديد تجاه الملف السوري أقرب إلى انقلاب في المواقف، تستبعد المعارضة السورية، التي تفضّل غالبا الصمت في هذا الموقف، حدوث تقارب جدي بين تركيا والنظام، في وقت يحيل فيه مراقبون المسألة برمتها إلى رغبة أنقرة في جني مكاسب سياسية واقتصادية آنية، من دون انتظار أن يصل هذا المسار إلى نهايته.

وفي تعليقه على الموقف التركي المستجد، يقول عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، يحيى مكتبي، إنهم يحترمون الشؤون الداخلية وتوجهاتها لكل الدول، لكنه أكد -في الوقت نفسه- على “خيار الانتقال السياسي في سوريا، بناء على القرارات الدولية وتطبيقها، خاصة بيان جنيف 1 والقرار 2254”.

وذكّر القيادي في المعارضة السورية بأنه “لن يكون هنالك استقرار ولا أمان لسوريا ودول الجوار ولا عودة للاجئين، إلا بالتخلص من بشار الأسد وكبار المجرمين معه”.

وفي حين عبّر عن تقدير المعارضة لما قدمته تركيا لقضية الشعب السوري على المستويات كافة، قال “لا نرى أرضية متماسكة لحدوث تقارب بين تركيا ونظام الأسد، لأن نظامه لم يرتكب إجرامه وإرهابه ضد الشعب السوري فحسب، بل وصلت شروره إلى دول الجوار، خاصة من خلال دعمه لحزب الاتحاد الديمقراطي”، وهو الحزب الذي تتهمه تركيا بالارتباط بحزب العمال الكردستاني، وتصفهما بالإرهابيين.

جوانب خطيرة

من جهته، حذّر الأكاديمي والخبير السياسي محمود الحمزة من عواقب عودة العلاقات بين تركيا والنظام السوري إلى سابق عهدها، معبرا عن اعتقاده بأن “المصالحة إذا حصلت ستجلب كوارث على تركيا”.

ولفت الأكاديمي إلى ما اعتبرها جوانب سلبية خطيرة للتقارب التركي مع النظام السوري، وقال إن “حزب العمال الكردستاني عمل بإشراف ودعم من النظام (السوري) ضد تركيا وضد الثورة السورية، وبالتالي يجب ألا يتوهّم الأتراك بأن نظام الأسد سيكون جارا طيبا، ويحترم الحدود، ولا يتدخل في الشأن التركي”.

والموقف التركي المتقدم تجاه النظام السوري قابله الأخير بدعوة للحوار لكن بلغة أقل حماسة، إذ أكد وزير خارجية النظام -خلال زيارته إلى موسكو قبل أيام- أن نظامه “لن يضع أي شروط للحوار مع تركيا، لكن نطالب أنقرة بالانسحاب من الأراضي السورية، والتوقف عن دعم الجماعات المسلحة”.

اللاجئون والاقتصاد

ويرى محللون أن مكاسب تركيا من التقارب مع النظام السوري على صعيد ملف اللاجئين ودعم الاقتصاد، ومن خلال تمتين العلاقات مع روسيا، تُعد من أبرز أهدافها الكامنة خلف سياستها الجديدة، بغض النظر عن إمكانية استعادة العلاقات فعليا بين الطرفين.

وفي هذا الصدد، يعبّر محمود الحمزة عن اعتقاده بأن “تركيا لم تدخل بشكل جدي في موضوع المصالحة، علما بأنهم يبحثون هذا الأمر، وقد تكون هناك مفاوضات سرية، لكن لا توجد نتائج جدية”.

ولفت الخبير السياسي إلى أن وراء المساعي التركية عوامل داخلية مثل التحضير للانتخابات وما يتعلق بمواجهة دعاية المعارضة. ورجح أن الرئيس التركي “يريد تهدئة الأوضاع في الداخل وإعادة اللاجئين إلى شمال سوريا ومدن أخرى”.

وعلى الصعيد الاقتصادي، قالت وكالة رويترز إن الاقتصاد التركي تلقى دعما من روسيا هذا الصيف، من خلال التدفقات النقدية التي بلغت نحو 5 مليارات دولار، بالإضافة إلى زيادة كبيرة في عدد السياح الروس. في حين تضاعف صافي احتياطات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي 3 مرات تقريبا منذ أوائل يوليو/تموز ووصل إلى 15.7 مليار دولار، حسب المصدر نفسه.

أما المستشار في قضايا الاقتصاد والاستثمار المقيم في تركيا، جلال بكار، فقد أوضح أن الأموال التي نقلت إلى تركيا من روسيا بلغت أكثر من 6.7 مليارات دولار، ما بين تدفق نقدي واستثمارات مباشرة وغير مباشرة، تركزت في القطاع العقاري ثم الطاقة، بالإضافة إلى نقل بعض المصانع الروسية وخطوط الإنتاج.

وأضاف بكار أن هذه المساهمة أدت إلى إنعاش الاقتصاد التركي وصعود مؤشر بورصة إسطنبول. ولفت إلى أن الروس كانوا أكثر المستثمرين في القطاع العقاري خلال يوليو/تموز الماضي بشراء أكثر من 1273 عقارا، واعتبره “رقما ضخما جدا وتاريخيا في شهر واحد”.

وفي حين رأى بكار أن “التفاهمات السياسية الأخيرة هي التي جلبت الاستقرار للاقتصاد التركي”، شدد الأكاديمي والخبير السياسي محمود الحمزة على أن “تركيا بدأت هذا الطريق، لكن الوصول إلى الهدف النهائي ليس قريبا ولا سهلا”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى