مصر وإيران.. السؤال الحائر

تبدو العلاقات المصرية ­الإيرانية واحدة من النماذج التي يمكن أن يضعها المتخصصون كحالة للدراسة العميقة لمعرفة منطلقات كل من مصر وإيران.

ميدل ايست نيوز: من الجائز أن تناور الدول في علاقاتها الدبلوماسية طبقاً لمصالحها المتغيرة، ومن الجائز أن تحدُثَ قطيعةٌ أو تبريد بين دولة معينة أو عدة دول أو بين محور سياسي وآخر، لكن الدول التي تدرك وجودها الفاعل في المسرح الدولي لا تناور في علاقاتها الاستراتيجية، مهما كانت كلفة عدم المناورة. صحيح أنَّ مرور الزمن والصمود في انتهاج سياسة معينة قد يحركان القواعد الثابتة، غير أنَّ ذلك لا يؤثر إلا بمقدار المرونة التي يجب أن تتمتع بها الدول.

وفي هذا السياق، تبدو العلاقات المصرية ­الإيرانية واحدة من النماذج التي يمكن أن يضعها المتخصصون كحالة للدراسة العميقة لمعرفة منطلقات كل من مصر وإيران، فالبلدان قادمان من رحلة حضارية طويلة، واحتكا ببعضهما بعضاً قبل الميلاد وبعده، وتقاربا بالإسلام والمصاهرة، وابتعدا لتغيير المسالك والطرق، وكما يقول الفيلسوف الألماني نيتشه: “الحية التي لا تغير جلدها تموت”، فإن الثبات على فكرة معينة قد يجعل الشرنقة تقتل الفكرة من أساسها.

وفي هذا المقال، أحاول قدر الإمكان أن أطرح هذا السؤال الحائر: لماذا تستمر القطيعة بين القاهرة وطهران دبلوماسياً منذ 43 عاماً؟ وهل يمكن أن تكون هناك علاقات دبلوماسية مع احترام كل رؤية للأخرى؟

ما دامت الأوضاع تتغير سريعاً في المسرح الدولي، فإنَّ الأمر يتطلب معرفة إستراتيجية كل طرف في الوجود على هذا المسرح وعدم المماحكة مع هذه الاستراتيجية. وقد فشلت كل المحاولات التي جرت في السابق، ولم تستطِع أن تمس العمق في المواقف الراسخة، وآن الأوان حتى تكون الرؤية واضحة من دون مناورات، فعلى الأقل هناك أجواء مهيأة الآن ضمن هذه الشروط.

لا شكّ في أن إقليم الشرق الأوسط، وأنا لا أحب هذه التسمية الغربية، وكذلك حواشيه، يشهد عمليات تبريد لعدد من الملفات الساخنة. وقد تم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين بعض العواصم التي كانت تشهد قطيعة دبلوماسية؛ ففي الخامس من كانون الثاني/يناير من العام المنصرم، تم طي صفحة الخلافات واستعادة العلاقات بين ما سُمي دول المقاطعة (القاهرة والرياض وأبو ظبي والمنامة) مع العاصمة القطرية الدوحة بعد نحو 3 سنوات من القطيعة.

وبدءاً من آذار/مارس من العام ذاته، توالت تصريحات من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ومساعديه تسعى لخطب ود القاهرة، بعد توتر في العلاقات وصل إلى قطيعة منذ ما يزيد على 8 سنوات، وبدأت تظهر المؤشرات التي تكشف الخروج من حال التوتر التي شابت العلاقات والانطلاق نحو تنامي العلاقات الاقتصادية كمعبر نحو تطبيع العلاقات السياسية بين القاهرة وأنقرة.

وفي هذا الإطار، استؤنفت العلاقات بين الرياض وأنقرة، وتبادل إردوغان ومحمد بن سلمان الزيارات بعد أزمة استمرَّت 4 سنوات. وقبلها، جرى التقارب الإماراتي التركي بعد توترات وأزمات استمرت سنوات. وفي 21 آب/أغسطس، أعلنت دولة الإمارات عودة سفيرها سيف محمد الزعابي إلى طهران لاستئناف مهام منصبه خلال أيام، وذلك بعد 6 سنوات من سحبه.

وبعد 5 جولات من المحادثات بين إيران والسعودية استضافها العراق منذ نيسان/أبريل 2021، تتردد أنباء عن استعداد العراق لاستضافة اجتماع “علني” لوزيري خارجية إيران والسعودية، بطلب من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ما يؤشر إلى تطور في المباحثات قد يفضي إلى استئناف العلاقات بين البلدين بعد قطيعة استمرت 6 سنوات، حتى تركيا الداعم الرئيس للجماعات المناهضة لحكم الرئيس بشار الأسد، والمحتلة أراضي سورية، بدأت خطوات واسعة في اتجاه تطبيع العلاقات مع الحكومة السورية.

يتزامن هذا التبريد مع نشوب الحرب الروسية الغربية في الأراضي الأوكرانية، والتي ستفضي إلى نظام عالمي جديد طبقاً للعديد من المؤشرات، ما يعني تبلور معادلات إقليمية جديدة في مجالات الطاقة والاقتصاد والغاز والسياسية والأمن، ما يطرح السؤال الحائر: لماذا تستمر القطيعة بين مصر وإيران منذ 4 عقود ونيف؟

إنَّ العلاقات بين مصر وإيران تمتد إلى عمق التاريخ، وتقوم على أسس تاريخية وثقافية واقتصادية. وقد تنامت تلك العلاقات في العصر الحديث، واعتراها قليل من التباعد وكثير من التقارب، لكنْ تبقى تلك القطيعة التي بدأت مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979 هي الأطول في تاريخ علاقات البلدين.

وخلال هذه الفترة، كثيراً ما تكرّرت إشارات عن عودة التقارب بين البلدين، لكنها لم تكتمل، بسبب حاجتها إلى فضاء أوسع يساعد على دفعها إلى الاكتمال.

وفي اعتقادي، إنَّ ما يعرقل تشكّل هذا الفضاء هو وجود عوامل عديدة، من بينها وجود قوى وجماعات في البلدين غير متحمسة لتلك العودة، وهذا ما يجعلها تتحين الفرصة لعرقلة العودة تحت ذرائع مختلفة.

اللافت أنَّ وزير الخارجية الإيراني الحالي حسين أمير عبد اللهيان، المحسوب على التيار (المحافظ)، من أكثر المتحمسين لعودة العلاقات، بخلاف قطاع واسع من التيار “المحافظ”. وقد تأكد ذلك من خلال تصريحاته من القاهرة، على هامش مشاركته في حفل تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي في 8 حزيران/يونيو 2014، حين كان يشغل منصب مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية، إذ قال في تصريحات صحافية: “لدينا رغبة شديدة ومؤكّدة في ملاحظة التقدم والتطور في العلاقات بين البلدين الشقيقين. وخلال لقاءاتي مع المسؤولين المصريين هذه المرة، أبديت رغبتنا في فتح صفحة جديدة للعلاقات، ووجودنا في القاهرة والمشاركة في حفل التنصيب دليل على هذه الرؤية. إيران ترحب بلقاءات على أعلى مستوى، ونتمنى أن تصل العلاقات الثنائية إلى درجة تناسب حجم البلدين وقوتهما، حتى نشهد لقاء على مستوى رؤساء البلدين”.

وحرص أمير عبد اللهيان خلال الزيارة على لقاء الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل وبعض النخب المصرية، وزار “المراقد المطهرة لأهل البيت” في مصر.

إنَّ موقف أمير عبد اللهيان المتقدم كان يمكن البناء عليه لبدء علاقة بين البلدين على أسس واضحة من التفاهم، وتقدير كلّ منهما لأهمية الآخر ومكانته في الإقليم، ومراعاة مصالح البلدين وعدم تدخل أيٍّ منهما في الشأن الداخلي للآخر، لكنْ وقعت أحداث وتطورات أدت إلى وقف العلاقة عند حد الجمود، من بينها صدور تصريحات عن بعض المسؤولين الإيرانيين تحمل ما يكشف عن انحياز إلى نظام الإخوان المخلوع.

وقد تزامن ذلك مع مواقف بعض وسائل الإعلام المحسوبة على إيران المناهضة لسياسات الدولة المصرية، على الرغم من أنَّ الإعلام المصري الرسمي يتجنّب الخوض في الشأن الداخلي لإيران.

هذا ما رجَّح كفة رؤية البعض في الإدارة المصرية بأن عمق السياسة الإيرانية مناهض للسياسية المصرية، ومنحاز إلى نظام الإخوان المخلوع، وهذا ما يجعل السلطة الإيرانية الحالية مصدراً لتهديد الأمن القومي المصري، بحسب هذه الرؤية.

إنَّ الكثير من المؤشرات يكشف عزم الولايات المتحدة على ترتيب أوضاعها في منطقة الشرق الأوسط، ما يستوجب عمل قوى الإقليم لتكون جاهزة لهذه المتغيرات، وتبقى مصر وإيران القوتين الأكثر قدرة على ذلك، إذا ما شكَّل البلدان ثنائياً إقليمياً لإخماد الحرائق ووأد الفتن في المنطقة ومجابهة الاختراقات الخارجية في الإقليم، وذلك يستوجب السعي للبدء بحوار معمق وشفاف يفضي إلى عودة العلاقات على أسس واضحة واحترام التباين في نظم الحكم والرؤى السياسية بين البلدين.

ولهذا، أعود فأقول إن إقامة علاقات دبلوماسية على أساس احترام تام بين البلدين من شأنه منع العواصف الخارجية من أن تهبّ على المنطقة الحضارية الواحدة.

وهنا، لا بدَّ من كلمة نابعة من القلب فحصها العقل بدقّة. بوصفي كاتباً مصرياً، فإنَّ الخيار المصري الثابت يقوم على يقين بأن المصالح الاستراتيجية المصرية لا يمكن المساس بها، مهما كانت عواصف السياسة، فحماية الأمن القومي العربي، مع احترام وتقدير كل القوى التاريخية في الشرق الأوسط، أساس ثابت في هذه الرؤية، ومصر لا تريد من أحد تغيير توجهاتها، ولا تريد هي نفسها أن تغير رؤية أحد.

وكثيراً ما عبر المصريون عن أن الساحة الدولية تسمح بالتعدد والاختلاف، فلا يجوز أن تكون الآراء متطابقة، فإذا كنا مصريين نرفض الهيمنة من أيّ قوة أو عدة قوة عالمية، فكيف نسمح لأنفسنا بأن تمارسها أي قوة إقليمية؟

ولعلَّني أشير هنا سريعاً إلى أنَّ الجغرافيا والتاريخ يحتّمان علينا إقامة علاقات حقيقية لا مناورات فيها، فإذا كان التغيير يطال كل شيء، فإنه يعجز عن طمس حقيقة الجغرافيا والتاريخ.

وفي نظرة سريعة إلى الأحداث الجارية، سنكتشف أن النظام الدولي الجديد لن تكون فيه هيمنة قوة على قوة ولا محور ضد آخر، إضافة إلى أنَّ العلاقات الطبيعية والصحية بين القاهرة وطهران قد تكون عاملاً لكبح جماح التغول التركي في المنطقة، وخصوصاً في الداخل السوري، الذي يسعى كلا الطرفين لاستقراره وعودته إلى شغل مكانته الطبيعية في المنطقة.

 

إلهامي المليجي

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الميادين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى