من الصحافة الإيرانية: كيف يمكن لإيران أن تغتنم من الاتفاق مع السعودية؟

كثرت التوقعات "غير الواقعية" بعد استئناف العلاقات بين طهران والرياض، والتي تستند بالطبع إلى نوع من التفاؤل التبسيطي المجازي، والتي يمكن أن تعود نتائجها واحتمالات تحققها بالنفع على العديد من المجالات.

ميدل ايست نيوز: أوجد التقارب الإيراني السعودي الأخير بمبادرة صينية والذي أنهى قطيعة في العلاقات الدبلوماسية دامت لأكثر من سبع سنوات ووعد بفتح صفحة جديدة من العلاقات، أوجد العديد من وجهات النظر المتشابهة والمتضاربة أحياناً حول مزايا ومساوئ هذه العلاقة وإمكانياتها والرؤى المتمثلة بها فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية والدولية.

وحسب مقال بصحيفة “دنياي اقتصاد” الإيرانية، كثرت التوقعات “غير الواقعية” بعد استئناف العلاقات بين طهران والرياض، والتي تستند بالطبع إلى نوع من التفاؤل التبسيطي المجازي، والتي يمكن أن تعود نتائجها واحتمالات تحققها بالنفع على العديد من المجالات، وفي مقدمتها الأمن الإقليمي.

بطبيعة الحال، لم تكن جهات صنع القرار في إيران المشاركة في الاتفاق مع السعودية غير راغبة في إثارة موضوع الاتفاقية كورقة رابحة في الظروف الراهنة، لا سيما في أجواء طافحة بالتوترات حول مصير الاتفاق النووي واقتصاد غارق بالعقوبات.

إن التوقعات التي تعتلي المشهد اليوم حول إمكانية الاستثمار السعودي في إيران وزيادة مستوى التبادلات التجاري ليس أمراً غير واقعي فحسب، بل يمكن أن تكون وسيلة للتقليل من القيمة الحقيقية والاستراتيجية للاتفاق الذي دفعه الجانبان السعودي والصيني بهدف الحفاظ على “أمن واستقرار منطقة الخليج ودولها”، وليس كما يفترض العديد في الداخل الإيراني بأن طهران قادرة على الاستفادة من المزايا الاقتصادية لعودة العلاقات هذه.

في الواقع، اتخذت السعودية في نهاية المطاف من آلية “ضبط النفس من خلال التفاوض” سبيلاً لمواجهة إيران وإبعادها عن خط التهديد الأمني للوجود السعودي، فقد سعت منذ سنوات إلى إدارة سلوك إيران الإقليمي والضغط عليها من خلال استراتيجيتين “الموازنة” و “المتابعة” المستمدة من الإجراءات المباشرة وغير المباشرة للولايات المتحدة مقابل طهران.

وبعد الهجوم الصاروخي الذي استهدف منشآت أرامكو النفطية في سبتمبر 2019 والذي قابله استجابة أمريكية مخجلة، قررت الرياض التحرك نحو الاستراتيجية الثالثة “التحصين الاستراتيجي”، بغية أن تبقى في مأمن من التهديدات التي تستهدف شريانها الحيوي.

يتضح مما سلف السبب المركزي في ميل الرياض للعب الصين دور الوساطة في التفاهم الأخير مع إيران، فلو استضافت بغداد هذه المفاوضات لعقد آخر، فلن ترغب السعودية في منح التفوق في هذه الاتفاقية للجهة عربية، بل رغبت في أن تأخذ قوة دولية زمام الوساطة للمضي قدماً في الحوار، لا سيما قوة مقربة من الجمهورية الإسلامية ولديها سيطرة ونفوذ أكبر على السلوك الإقليمي لهذا الفاعل.

تلقت الصين والسعودية، عبر الدهاء السياسي، من إيران الهدف الحقيقي للتفاهم هذا، وهو توفير الحماية اللازمة على الملاحة في مياه الخليج لرفع مستوى التعاون الاقتصادي وسلسلة التوريد الخاصة بتصدير واستيراد الطاقة.

بالتوازي مع الصين، فإن المملكة العربية السعودية، من خلال توقيعها على الاتفاقية والتأكيد مرارًا على تصريحات مثل “بكين هي الضامن للاتفاق”، و”الاتفاق اختبار للتحقق من حسن نوايا إيران”، ترسل إشارة إلى أن أي انعدام للأمن البحري وأي إجراء يهدد مياه الخليج فإن إيران أول متهم به، ويستوجب هذا رداً صينياً مناسباً حيال ذلك.

ولنكون أكثر دقة من وجهة نظر الصين والسعودية، فإن اتفاقية مارس نزعت سلاح إيران وحرمتها من مزاياها، والتي كانت ردعًا وخياراً لا يقارن في المنطقة، دون تزويدها بمشروع اقتصادي أو استثمار كبير أو حتى فيما يخص القضايا الأمنية من خلال تدابير مثل ضمان أمن الملاحة والشحن.

من وجهة النظر هذه، من المهم لإيران أن تستغل قدرتها في المجالات الأمنية والعسكرية للمصادقة على الاتفاقية وطرح مقترحات ملموسة على الطاولة مع السعودية والصين، إذ تكمن الخطوة الأولى في الفكرة الإقليمية التي اقترحتها طهران لعقد منتدى الحوار والتعاون، والذي من المقرر عقده في سبتمبر على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة من قبل وزراء خارجية الدول الساحلية الثماني في منطقة الخليج.

والخطوة الثانية هي تحديد مشروع اقتصادي مشترك في مجالات الترانزيت وتطوير الموانئ والاستثمار في المناجم، والتي يمكن أن تجلب رؤوس الأموال السعودية والتكنولوجيا الصينية إلى مشاريع إيرانية محددة، الأمر الذي يعد اختباراً لحسن نوايا السعودية والتصريحات الاقتصادية لمسؤوليها للتعاون مع الجمهورية الإسلامية، والتي ذكرت في وقت سابق.

أما الخطوة الثالثة، فهي ضمان أمن الملاحة والشحن من خلال تنفيذ مناورات مشتركة بين إيران والصين والسعودية وجهات فاعلة أخرى في مياه الخليج، الأمر الذي يمكن أن يصل بالاتفاق الثنائي بين إيران والسعودية إلى المستوى الإقليمي ليكون نموذجًا لحل الخلافات القديمة في بؤر التوترات الإقليمية بين البلدين.

بهذه الخطوات والمبادرات يمكن أن تصبح القيمة الخفية للاتفاقية مع السعودية باعتبارها “حدث حاسم” بالنسبة للسياسة الإيرانية الخارجية يمكن أن تأخذ شكلاً ملموسًا وعلنياً لكي يصل الأطراف من كل البلدين إلى الغنيمة المبتغاة منها عبر أجواء قائمة على حسن النوايا والالتزام بمبادئ الاتفاقية.

من الصحافة الإيرانية: 3 انتكاسات في العلاقات الإيرانية السعودية منذ الاتفاق

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 + خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى