هل تتخلف إيران عن دول العالم من حيث الذكاء الاصطناعي بسبب القيود على الإنترنت؟

في حال تعهد العالم في المستقبل القريب باتخاذ الذكاء الاصطناعي آلية ثابتة في مختلف المعاملات والتفاعلات، فكيف لدولة تفرض طوقاً داخلياً على شبكة الإنترنت وتقيّد الوصول إلى المواقع الخارجية أن تواكب هذه الثورة؟

ميدل ايست نيوز: تشهد التكنولوجيا تطوراتٍ مذهلة في جميع أنحاء العالم، لتبهرنا يوماً وراء يوم بابتكاراتها وأدواتها الرقمية متسارعة التطور التي حيرت الناس وأصابتهم بالدهشة إزاء التحولات العصرية التي حققتها.

فرزت لنا التكنولوجيا منذ أعوام أداةً محورية خطفت الأنظار وسحرت الصغير والكبير في هذا العالم ألا وهي “الذكاء الاصطناعي”، حيث يعيش العالم اليوم في الحقيقة ثورةً رقيمة تقودها هذه الأداة التي تؤثر على كل جوانب الحياة سواء كان في الصناعة، أو الصحة والتعليم، أو غيرها، لتسير بسرعة فائقة متخطيةً العوائق التي نشأت قبل عقود من خلال عجز الإنسان على القيام بإزالتها، ولكن هل تنطبق هذه الأمور، أي التقدم والمنفعة، للذكاء الاصطناعي في دول العالم كما تنطبق في إيران؟

ما سبق يدعونا إلى تكرار ذات الأسئلة التي جاءت بعد التطور الملحوظ للذكاء الاصطناعي، ولعلّ أهمها هو هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل القوى البشرية في الشركات والمؤسسات العالمية وخاصةً الإيرانية؟

دون الولوج في التفاصيل، يرى بعض الخبراء أنه يحال أن يستبدل البشر بالذكاء الاصطناعي إلا في بعض الحالات والتي سيحل عوض عنها وظائف جديدة. لكن ماذا لو لم يكن هناك بديل لفرصة العمل المسلوبة، فإلى أين ستسير الأمور بدولة كــ “إيران” تعاني في الأساس من أزمة بطالة؟ وفي حال تعهد العالم في المستقبل القريب باتخاذ الذكاء الاصطناعي آلية ثابتة في مختلف المعاملات والتفاعلات، فكيف لدولة تفرض طوقاً داخلياً على شبكة الإنترنت وتقيّد الوصول إلى المواقع الخارجية أن تواكب هذه الثورة؟ أسئلة لن تجدوا إجابات لها في هذا المقال ولا في غيره، فهي معقدة لدرجة أنها تحتاج لأطروحة ومناقشات لا تنتهي لفك شيفرتها وحل لغزها الذي تتجدد أكواده كل يوم.

إيران على غرار دول العالم سارعت للاستفادة المطلقة وتطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات وقطاعات بلادها وتبني آلياته في مشاريع مستقبلية تخدم مختلف الشرائح المجتمعية وتحسّن من مستوى رفاهيته، إلا أن العديد من القيود كانت عاملاً في الحؤول دون ذلك، لنسلط الضوء سوياً على بعض هذه القيود والمشاكل التي تواجه الشركات التكنولوجية وتعيق مخططاتها لتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي في إيران.

على مر السنوات الأخيرة، شهدت إيران تقدمًا ملحوظًا في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تم تأسيس مراكز بحثية وجامعات تركز على دراسة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتمثل الشركات الناشئة والتكنولوجية الكبيرة جزءًا مهمًا من هذا التطور، لتعمل على تطوير حلول مبتكرة في مجالات متعددة مثل الصحة والزراعة والصناعة.

تحتضن إيران أكثر من 5 آلاف شركة تكنولوجية وتنشط 2800 منها فقط في طهران. وفق تصريح سابق لمساعد رئيس الجمهورية للشؤون العلمية والتكنولوجيا.

تستخدم الشركات الإيرانية الذكاء الاصطناعي في مجموعة متنوعة من المجالات. ففي مجال الصحة مثلاً، يُستخدم لتحسين تشخيص الأمراض وتطوير علاجات مبتكرة. أما في الصناعة، يُسهم في تحسين عمليات التصنيع وتقليل التكاليف. كما يُستخدم في مجالات أخرى مثل التعليم والزراعة والنقل وأمور أخرى.

ونظراً لأهمية تطبيق الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، نشر معهد بحوث الاتصالات وتقنية المعلومات الإيراني مسودة “خارطة الطريق للتنمية الوطنية للذكاء الاصطناعي” في أكتوبر من العام الماضي؛ وهو مشروع تهدف رؤيته إلى وضع إيران ضمن أفضل 10 دول في العالم في هذا المجال بحلول عام 2031 ويخطط لتحقيق نمو اقتصادي ورفاهية اجتماعية أكبر.

في يونيو المنصرم، كشف مساعد رئيس الجمهورية للشؤون العلمية والتكنولوجيا عن تنفيذ خطط جادة في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي في البلاد، ليأتي وزير الاتصالات أيضاً بعده بأسبوع ويؤكد عزم الحكومة الجاد على المضي قدماً في هذه الساحة، إلا أن هذه التصريحات رغم إيجابيتها وتواليها جاءت في وقت تتذيل فيه إيران المؤشرات العالمية “لتطوير الذكاء الاصطناعي”، علماً أن الدول الجارة لإيران حصلت على مراكز مقبولة في هذه التصنيفات.

وأظهر مؤشر قياس، تم الحصول عليه من نتائج موقع تحليل البيانات الخاص بـ Tortoise Media، حصة دول العالم وموقعها في تطوير الذكاء الاصطناعي، والمثير في الأمر أن “إيران” لم تحظ بأي مرتبة في هذا الترتيب.

يذكر التصنيف العالمي هذا أن الولايات المتحدة حصدت 100 نقطة من أصل 100 في هذا المجال، لتصبح بذلك صاحبة النصيب الأكبر من تطوير الذكاء الاصطناعي في العالم، لتليها الصين برصيد 62 نقطة، مستحوذةً بهذا على المرتبة الثانية عالمياً.

وتحتل السعودية المرتبة 31 في العالم من حيث المؤشر العام للذكاء الاصطناعي. كما تتمتع دول الشرق الأوسط الأخرى أيضًا بمراتب مثيرة للاهتمام في هذه القائمة. فقطر مثلاً، تقدمت على اليابان واحتلت المرتبة 17 عالمياً في مجال أبحاث الذكاء الاصطناعي، أما الإمارات فقد حققت أفضل مرتبة بين الدول العربية، فيما استحوذت تركيا أيضاً على المرتبة 39 من حيث المؤشر العام للذكاء الاصطناعي.

قيود على البيانات

أكد محمد رضا حسينيان، وهو الرئيس التنفيذي لشركة “عصر غويش برداز” الناشطة في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي في إيران، أن جوهر الذكاء الاصطناعي هو “البيانات”، قائلاً إن “الشركات الناشطة في مجال الذكاء الاصطناعي تدفع رسوماً باهظة للغاية في كثير من الأوقات مقابل الوصول إلى البيانات التي تساهم في تطوير أدوات بحوثنا”.

بدوره، قال ياسر عشور زاده، الرئيس التنفيذي لشركة “تيزنغر” الفضائية، في تصريح أفاد به موقع “ديجياتو” الإيراني، أن المفاهيم العلمية والتكنولوجية تواجه أحيانًا سوء فهم خطير بين الجمهور في البلاد: “الذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات الضخمة. (…) الذكاء الاصطناعي ليس مجرد برنامج. (…) الذكاء الاصطناعي أو التعلم الآلي هو قوة التفكير والتحليل التي يتلقاها الإنسان منه من خلال توفير البيانات للآلة”.

بويا محموديان، وهو خبير إيراني في الذكاء الاصطناعي وأستاذ مساعد بالجامعة، شدد أن “استخدام الذكاء الاصطناعي في المكان المناسب سيساعد بشكل كبير في زيادة كفاءة الأعمال”، مشيراً إلى ضرورة أخذ الذكاء الاصطناعي على محمل الجد من قبل الشركات لما فيه من ميزات تنافسية عالمية كبيرة.

وبالعودة إلى التصنيف العالمي، يرى محموديان أن “إيران متخلفة كثيراً عن الدول المتقدمة في الذكاء الاصطناعي”، علماً أنها أجرت عشرات الأبحاث ونشرت العديد من المقالات الأكاديمية في هذا المجال.

وذكر الخبراء في الشؤون التكنولوجية أن العديد من التقنيات القائمة على الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى استثمار كبير وضخ مليارات من الدولارات للنجاح في هذا المجال وحصد مرتبة مرموقة أمام دول العالم، مؤكدين أن ما جعل عمالقة التكنولوجيا مثل جوجل ومايكروسوفت وأبل وغيرها متقدمين جدًا في مجال الذكاء الاصطناعي هو الاستثمارات الكبيرة في هذا المجال وعدم التعقيد في الإجراءات القانونية من قبل الدول المستضيفة لهذه الشركات والأهم من هذا البنية التحتية المتطورة في الإنترنت والأقمار الصناعية.

ذكاء اصطناعي بدون إنترنت!

أصبح الحديث عن الإنترنت بالنسبة للأوساط الإيرانية أمراً مملاً، فرغم المطالبات والتنديدات من قبل أصحاب الشركات التكنولوجية ورواد مواقع التواصل والمؤثرين وحتى نزر لا بأس منه من المسؤولين الحكوميين إلا أن الحكومة الإيرانية تصر على الإبقاء على القيود المفروضة على الإنترنت والحظر الذي يشمل كل وسيلة تواصل “أجنبية” فضلاً عن المواقع الإلكترونية ومتاجر التطبيقات وغيرها. الأمر هذا يثير العديد من الاستفسارات حول إمكانية تطور البلاد من حيث الذكاء الاصطناعي في ظل هذا الحصار والتقييد على الإنترنت في إيران؟

ذكرنا في مقال سابق لنا، أن الحكومات العالمية تدّعي عبر اتخاذها مثل هذه الإجراءات بأنها تصب في مصلحة المواطن وأمن البلاد، وذلك من خلال التنبؤ بالأعمال الإرهابية والأنشطة غير القانونية كالسرقة وعمليات السطو على البنوك وغيرها، متجاهلةً موجات الهجرة الجماعية لشركات التكنولوجيا والنخب والمتخصصين الذين يرون في بلدان الخارج منتفساً وفرصة سانحة لهم وأن البقاء في إيران بالنسبة لهم أصبح مضيعةً للوقت.

يبرر العديد من المناهضون للذكاء الاصطناعي في إيران عدم تطوير البلاد لهذه الأدوات بأنها “ربما تشكل تهديداً للإيرانيين ولفرص عملهم”، إلا أن هذا الأمر نفاه جميع الخبراء المختصصون وأكدوا استحالته فعلياً، بل وشددوا أن الدول التي لن تلحق بركب الذكاء الاصطناعي لا سيما خلال السنوات المقبلة لن تجد لنفسها مكانة أمام دول العالم وستبقى متخلفة في العديد من المجالات.

إقرأ أكثر

قطع الإنترنت في إيران يكبّد الاقتصاد الوطني خسائر مفجعة

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − ثلاثة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى