ترددات اقتصادية لحرب غزة في روسيا وتركيا والهند

في غضون أربع وعشرين ساعة من الهجوم الذي شنّته "حماس" في 7 أكتوبر/تشرين الأول، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن على شعبه الاستعداد "لحرب طويلة وصعبة".

ميدل ايست نيوز: في غضون أربع وعشرين ساعة من الهجوم الذي شنّته “حماس” في 7 أكتوبر/تشرين الأول، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن على شعبه الاستعداد “لحرب طويلة وصعبة”.

وبعد مرور سبعة أسابيع، تراقب دول أخرى ما يحدث وتشارك بطرق مختلفة، في محاولة للحدّ من الآثار الناجمة عن هذه الأزمة على اقتصاداتها. وتهيمن التبعات السياسية والاقتصادية لهذه الحرب على عناوين الأخبار في روسيا وتركيا والهند منذ أسابيع، لكن كيف يؤثّر الوضع على اقتصادات هذه الدول الثلاث؟

تركيا تمرر 40 % من نفط اسرائيل

تتسم علاقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالتعقيد مع إسرائيل ورئيس وزرائها. ولا تزال حادثة السفينة “مافي مرمرة” التي وقعت في سنة 2010 حاضرة في ذاكرة كثيرين، وأخيراً أعلنت “جمعية الحرية والتضامن”، التي أطلقت السفينة قبل أكثر من 13 عاماً، أنها تخطّط للقيام بمحاولة ثانية في الأزمة الراهنة.

ومع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أعرب عن أسفه في شأن حادثة سنة 2010 بعد مرور سنوات على وقوعها، فإن أردوغان لجأ إلى خطاب قوي في سنة 2023 عندما قال للصحافيين في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني: “لم يعد نتنياهو شخصاً يمكننا التحدّث معه. لقد محوناه وألقيناه بعيداً”.

غير أن تركيا تقوم ببعض التحرّكات المدروسة المتعلّقة باقتصادها، في أعقاب الحرب بين إسرائيل و”حماس”. على سبيل المثل، واصلت السماح بمرور واردات النفط إلى إسرائيل عبر أراضيها خلال هذه الأزمة. وتحصل إسرائيل على نحو 40 في المئة من استهلاكها السنوي من النفط من طريق ميناء جيهان في تركيا، ويشحن بعد ذلك إلى إيلات في إسرائيل.

في غضون ذلك، يبدو أن الفروق الدقيقة في العلاقات التجارية والسياسة الرفيعة المستوى تغيب عن عامة السكان. فقد أبلغ عن حوادث عدة في المدن التركية هاجمت فيها الحشود شركات تحمل علامات تجارية غربية مثل “ماكدونالدز” و”ستاربكس”، للتعبير عن غضبها من محنة الفلسطينيين. واضطرت شركة “ماكدونالدز تركيا”، التي تمتلكها مجموعة مقرّها في قطر وليس لها أي علاقة بـ”ماكدونالدز” في إسرائيل، لإصدار بيان على عجل والتبرّع بمساعدات إنسانية كبيرة إلى غزة لإظهار تضامنها مع الفلسطينيين.

وفي أثناء ذلك، اتسمت سوق الأسهم التركية بالتقلّب في ظل الأجواء القائمة من عدم اليقين والمشاعر القوية. فانخفضت بنسبة 10 في المئة تقريباً في أعقاب أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول مباشرة، ثم شهدت بضعة أسابيع من الصعود والهبوط. وفي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2023، لا تزال منخفضة بنحو 9 في المئة عما كانت عليه في 6 أكتوبر. وكانت الليرة التركية تشهد انخفاضاً منذ وقت مبكّر من العام، لكنها انخفضت بنسبة 4 في المئة أخرى في هذه الفترة.

في الوقت الحالي، تبدو تداعيات الصراع الأخير بين إسرائيل و”حماس” أكثر أهمية على الجبهة السياسية، لكن العواقب الاقتصادية ستصبح أكثر وضوحاً ما لم تخفّ حدّة الأزمة بسرعة.

تأثر صناعة التكنولوجيا في الهند

يظل النفط في مقدّمة اهتمامات الهند عندما يتعلق الأمر بالفصل الأخير من الصراع بين إسرائيل و”حماس”. فالهند هي ثالث أكبر مستهلك ومستورد للنفط في العالم، ولا يزال نحو 44 في المئة من إمداداتها يأتي من غرب آسيا، مع أن حصة روسيا ارتفعت في أعقاب الحرب الروسية – الأوكرانية. وقد قدّر بنك الاحتياطي الهندي أن حدوث ارتفاع بنسبة 10 في المئة في أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع التضخّم بنحو 30 نقطة أساس، وهو ما يؤثّر على النموّ بنحو 15 نقطة أساس.

يمكن أن تنتج أزمة الشرق الأوسط تأثيراً آخر على الهند في صناعة التكنولوجيا، بحدوث تأثير سلبي على توسيع تغطية شبكة الجيل الخامس في البلاد. وقد ذكرت صحيفة “إيكونوميك تايمز” الهندية أن الصراع الطويل في الشرق الأوسط قد يتسبّب في انخفاض الروبية بنحو 3-4 في المئة في مقابل الدولار الأميركي. وبما أن 67 في المئة من معدّات الاتصالات المستخدمة في شبكات الهاتف المحلية تستورد من البائعين الأجانب في الدرجة الأولى، فإن ذلك يمكن أن يترجم إلى زيادة في تكاليف خدمة الديون الخارجية، وهو ما قد يؤثّر تأثيراً كبيراً على خطط التوسّع.

ويهدّد التصعيد الأخير أيضاً بالإضرار بأنشطة التصدير والاستيراد بين الهند وإسرائيل. وتشمل صادرات الهند الرئيسة إلى إسرائيل الديزل (5.5 مليارات دولار) والماس المقطوع والمصقول (1.2 مليار دولار)، في حين تتكوّن الواردات الرئيسة من الماس الخام (519 مليون دولار)، ومكوّنات الإلكترونيات والاتصالات (411 مليون دولار).

ورب ضارّة نافعة في هذه السحابة المظلمة، إذ أفيد عن أن العديد من الشركات العالمية المتعدّدة الجنسيات التي يوجد مقرّها الرئيسي في إسرائيل، تفكّر في الانتقال، وترد الهند في عداد قائمة الوجهات المحتملة. ويشمل ذلك شركات عملاقة مثل “إنتل”، و”مايكروسوفت”، و”غوغل”، وتشكّل الهند وجهة جذّابة من حيث التكاليف وتوفّر العمالة المحلية في مجال تكنولوجيا المعلومات.

وقد ذكرت صحيفة “هندوستان تايمز” أن شركة “إنتل” “تراقب عن كثب الوضع في إسرائيل ونتخذ خطوات لحماية عمالنا ودعمهم”، وفقاً لمتحدّث باسم الشركة.

مرة أخرى، تظل البلاد في وضع “الانتظار والترقّب” عندما يتعلّق الأمر بالتأثيرات الكاملة لهذه الأزمة على اقتصادها.

يعيش عدد كبير من الروس في إسرائيل، وقد وصل كثير منهم في أعقاب غزو أوكرانيا. وتشير تقديرات أن أكثر من 70 ألف شخص انتقلوا إلى إسرائيل من روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا ما بين 2022-2023

ما يهم روسيا المساعدات العسكرية

تتمثّل آمال فلاديمير بوتين الأساسية من الصراع بين إسرائيل و”حماس” في صرف انتباه الغرب عن غزوه لأوكرانيا، وتحويل بعض المساعدات العسكرية بعيداً من جيش زيلينسكي.

أما فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي، فهناك العديد من الفوائد التي تأمل روسيا في جنيها من هذا الوضع. ففي قمة مجموعة العشرين الأخيرة في نيودلهي، وقّعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند مذكّرة تسعى لإنشاء طريق تجاري جديد يربط جنوب آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط. ويمكن أن يؤدّي ذلك إلى تهميش “مبادرة الحزام والطريق” الصينية إلى حدٍّ كبير، بالإضافة إلى إبعاد بعض هذا النشاط عن متناول روسيا.

بما أن النفط يشكّل مصدر قلق للعديد من الدول فيما يتعلّق بهذا التصعيد الأخير، فهل يتيح ذلك فرصة لروسيا؟ يقول معظم الخبراء في هذا القطاع إن من السابق لأوانه التنبّؤ بأي شيء في هذا المجال. وقال فلاديمير ميلوفيدوف، رئيس قسم التمويل الدولي في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، لوكالة “إنترفاكس” في نوفمبر/تشرين الثاني 2023: “لم يستجب سوق النفط بقوة لهذه الأحداث بعد. وإذا أخذنا الفترة من بداية سنة 2023، فإن سعر خام برنت بلغ في منتصف سبتمبر/أيلول نحو 95 دولاراً للبرميل. والآن يبلغ السعر 86 دولاراً، وهو تقريباً متوسّط المستوى السنوي، وربما أعلى قليلاً. ومن غير المرجح حدوث أي تدخّلات من “أوبك+” في هذه المرحلة”.

في غضون ذلك، يعيش عدد كبير من الروس في إسرائيل، وقد وصل كثير منهم في أعقاب غزو أوكرانيا في فبراير/شباط 2022. وتزعم بعض التقديرات أن أكثر من 70 ألف شخص انتقلوا إلى إسرائيل من روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا بين فبراير/شباط 2022 ويوليو/تموز 2023. وقد أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” أخيراً أن نحو 7000 منهم غادروا البلاد خلال أسبوعين بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول. وقد يكون هذا الخروج بمثابة دفعة جديدة لبلدان أخرى في المناطق المجاورة، مثل جورجيا وأرمينيا، حيث وجد العديد من مواطنيهم من روسيا موطناً جديداً لهم بالفعل.

وكما هي حال أي أزمة بهذا الحجم، تكون التداعيات السياسية علنية وواضحة، وتشغل مركز الصدارة. وتظل التداعيات الاقتصادية وتأثيرها على سير العمل في الخلفية كالمعتاد، لكنها تظهر ببطء في الأسابيع والأشهر المقبلة. ولا يزال العالم غير موقن من المدّة التي سيستغرقها التصعيد أو كيف سينتهي. ولكن من المحتم أن يخلّف صراع طويل ودموي تأثيرات اقتصادية دائمة ليس على بلدان الشرق الأوسط فحسب، وإنما على المناطق المجاورة أيضاً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
المجلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة + 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى