تأخرت لعقدين.. هل ينجح العراق في إجراء التعداد السكاني في 2024؟
يرى خبراء استراتيجيون أن الأسباب التي منعت تنفيذ التعداد هي ذرائع لا قيمة لها أمام إجراء حكومي تمارسه جميع دول العالم.

ميدل ايست نيوز: بعد أكثر من 26 عاما على إجراء آخر تعداد سكاني، ينوي العراق القيام بهذه العملية في العام المقبل بعد محاولات كثيرة سابقة لم يكتب لها النجاح، وكشفت وزارة التخطيط أن من المؤمل إجراء التعداد في تشرين الثاني نوفمبر من العام المقبل، يسبقه تعداد تجريبي في أيار مايو، فيما عزت سبب الإخفاقات السابقة إلى الخلافات السياسية وعدم الاستقرار، لكن خبراء استراتيجيين رأوا أن الأسباب التي منعت تنفيذ التعداد هي ذرائع لا قيمة لها أمام إجراء حكومي تمارسه جميع دول العالم.
ويقول المتحدث الرسمي لوزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “العراق لم يجر تعدادا سكانيا منذ عام 1997 وهو آخر تعداد شهدته البلاد، ولم يكن ذلك التعداد شاملا، لأنه لم يشمل محافظات إقليم كردستان في حينه، بالتالي عانى العراق من حاجة إلى البيانات والمؤشرات التي ترسم الواقع وتعكسه بنحو دقيق”.
ويضيف الهنداوي: “كانت هناك محاولة جدية في 2010 وصلنا فيها إلى المراحل النهائية لتنفيذ التعداد، ولكن لم تتم نتيجة خلافات سياسية بسبب المناطق المتنازع عليها، ولم تفلح كل الجهود في معالجة هذه المشكلة، فمرت الأعوام اللاحقة من دون تعداد سكاني”.
وكان رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، أكد، أمس الأحد، إجراء التعداد السكاني العام المقبل 2024، مشيراً الى التوجيه بتوفير جميع المتطلبات المالية واللوجستية لإنجاحه.
ويردف الهنداوي، أن “المحاولة الثانية التي جرت في 2020 كانت استعدادية فقط، ولم نتقدم بها كثيرا، لأن البلاد عانت من حالة غير مستقرة بسبب التظاهرات التي بدأت في 2019، وتلا ذلك تغيير الحكومة ثم دخول جائحة كورونا، أما المحاولة الحالية في 2023 لم يعتد بها لأنها لم تقطع شوطا بعيدا والآن القرار صدر أن يكون هناك تعداد سكاني في العراق عام 2024”.
ويكمل متحدث وزارة التخطيط، أن “الوزارة وضعت خطة بتوقيتات زمنية محددة لإجراء التعداد السكاني الذي من المؤمل أن يتم في شهر تشرين الثاني من عام 2024″، لافتا إلى أن “هناك الكثير من المتطلبات لأن هذا المشروع من المشاريع الضخمة والمعقدة، لاسيما في ظل عدم تنفيذ تعدادات سكانية تساعد وتوفر قاعدة بيانات، فالبلد لم يشهد تعدادا منذ أكثر من 26 عاما”.
ووفقا للهندواي، فإن “أبرز المتطلبات هي توفير الأجهزة اللوحية لأن العملية الكترونية إذ نحتاج إلى 130 ألف جهاز لوحي على أن يتم التعاقد مع شركات عالمية متخصصة لتوفيرها، وهذه العملية تحتاج من 5- 6 أشهر”، مشيرا إلى أن “هناك تعدادا تجريبيا من المؤمل أن يجري في أيار (مايو) من السنة المقبلة”.
ويتحدث عن ضرورة تدريب العدادين، ويرجح أن “تصل أعدادهم إلى أكثر من 130 ألف عداد وهم من المعلمين والمدرسين، حيث يتم تدريبهم على كيفية ملء الاستمارة، وطرح الأسئلة واستخدام نظم المعلومات الجغرافية وكيفية التعامل مع الأسر، وكذلك إجراء عملية الحصر والترقيم التي تمثل العمود الفقري للتعداد، وهذه تحتاج إلى شهرين أو ثلاثة لإنجازها”، لافتا إلى “الحاجة إلى مركز وطني لمعالجة البيانات يحتوي أحدث التقنيات وتوفير الصور الفضائية للوحدات الإدارية والتغطية الهاتفية وشبكة الانترنت لنقل المعلومات بسرعة ودقة فضلا عن متطلبات لوجستية ومالية وإدارية أخرى”.
ويؤكد الهنداوي، أن “الحكومة خصصت 100 مليار دينار ضمن الموازنة لتغطية نفقات هذه العملية، ومن المؤمل أن يتم تخصيص أموال إضافية في العام المقبل لاستكمال المتطلبات”.
ويشير إلى أن “التعداد سيوفر صورة شاملة وكاملة عن الواقع في العراق بكل مفاصله وقطاعاته من خلال توثيق الخصائص الديموغرافية والصحية والسكنية والتعليمية والخدماتية للأسر، وفق قاعدة يتم على أساسها وضع الخطط والبيانات المستندة إلى حقائق ووقائع، ليحل الكثير من الإشكاليات المرتبطة بتوزيع الثروات بين المحافظات على وفق نسبها السكانية من دون تشكيك أو شعور بالغبن بين محافظة وأخرى”.
وعلى الرغم من أن التعداد كان مقررا أن يجرى هذا العام، لكن منذ حزيران يونيو الماضي أكد رئيس الجهاز المركزي للإحصاء رئيس الجهاز ضياء عواد أن خطة وزارة التخطيط لإجراء التعداد هي في شهر تشرين الثاني من العام 2024، مضيفاً أنه سيتم احتساب الأعداد من خلال المستمسكات الثبوتية التي يمتلكها المواطن العراقي (الاسم والمواليد والسكن) من خلال تعاون وزارة التخطيط مع وزارة الداخلية ووزارات ومؤسسات الدولة الأخرى.
من جانبه، يؤكد مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “العراق منذ عام 1947 وعلى صعيد مختلف الأنظمة السياسية كان ملتزما بإجراء التعداد كل عشر سنوات، بشكل يوثق ويصحح المعلومات ويكشف عن طبيعة السكان والعمل ومناطق السكن والتوزيع الجغرافي ومستوى الدخل وغيرها”.
ويضيف فيصل، أن “الإحصاء مع أهميته لمعرفة طبيعة النمو السكاني، هو بالمقابل يمثل قراءة مهمة للتحولات الاجتماعية والطبقية والسياسية والثقافية للمجتمع على مستوى التعليم ومختلف التفاصيل المهمة للسكان”.
ويتابع أن “التعداد كل عشر سنوات يمنحنا معرفة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وغيرها من التفاصيل المهمة التي تمكن وزارة التخطيط وبقية الوزارات من وضع الخطط والبرامج لمعالجة هذه الاختلالات خصوصا ما يتعلق بالتخطيط الاقتصادي والاجتماعي وقضايا التربية والتعليم والوضع الصحي وعدد الأطباء والمستشفيات، وذلك من أجل تبني استراتيجية شاملة للتنمية، فلا يمكن ذلك دون معرفة الاختلالات”.
ويكمل مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية: “أيا كانت العقبات سواء سياسية أو غيرها، فالدولة بمؤسساتها المختلفة يجب أن تلتزم بإجرائه كما كانت في السابق، إذ كان الإحصاء يشكل نشاطا حكوميا مهما لمؤسسات الدولة، كما أن تنفيذه كان يتم بسلالة في العراق، أما العقبات السياسية التي يتحدثون عنها فكل هذه ذرائع لا قيمة لها أمام إجراء حكومي تمارسه الدولة كما تمارسه كل دول العالم لوضع خططها الاستراتيجية بصورة علمية ودقيقة”.
جدير بالذكر، أنه عند إقرار كل موازنة في البلد، تظهر خلافات حادة بين إقليم كردستان وبغداد من جهة، والمحافظات وبغداد من جهة أخرى، وتتلخص هذه الخلافات حول نسبة كل جهة في الموازنة وذلك بناء على عدد السكان، وهي أرقام تقديرية تقدم وعلى أساسها يتم احتساب نسبة الموازنة لكل جهة.
وكانت وزارة التخطيط، أعلنت في كانون الأول يناير الماضي، عن إعادة تشكيل الهيئة العليا للتعداد العام للسكان والمساكن في العراق، برئاسة وزير التخطيط محمد علي تميم، فيما بينت أن الهيئة ستعمل على تهيئة الظروف المطلوبة وتحديد الموعد المناسب لتنفيذ التعداد.
يشار إلى أن رئيس الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط، ضياء عواد كاظم، أعلن في العام 2020 عن بدء العمل الفعلي للتعداد العام للسكان، وأن كوادر الجهاز باشرت برسم الحدود الإدارية لكل محافظة، وكوادر نظم المعلومات الجغرافية انطلقت بالعمل في محافظة بغداد.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي المختص في المجال الإحصائي منار العبيدي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “أساس تطور البلدان يعتمد على وجود إحصائيات دقيقة تعكس واقع البلد والنظام الاقتصادي والتركيبة السكانية، لذا فإن غياب بيانات دقيقة عن عدد السكان وتوزيعهم وأعمارهم سيؤدي إلى عدم تكوين فكرة اقتصادية كاملة عن البلاد وعدم القدرة على رسم خطط يمكن تنفيذها في المستقبل القريب”.
ويضيف العبيدي، أن “تأخر إجراء التعداد في بلد يمتلك نموا سكانيا يعد الأكبر بين بلدان العالم بنسبة 3 بالمئة ستكون له آثار سلبية على الاقتصاد العراقي، لعدم إمكانية وضع استراتيجيات مناسبة لهذه الكتلة البشرية الكبيرة”.
ومطلع العام الحالي، كشفت وزارة التخطيط أن عدد سكان العراق لسنة 2022 بلغ 42 مليونا و248 ألفا و883 نسمة، بحسب التقديرات، بمعدل زيادة سنوية بلغ 2.5 بالمئة.
يذكر أن آخر إحصاء للسكان في العراق كان عام 1997، وأظهر أن عدد السكان هو 22 مليون نسمة، ولم يجر أي إحصاء بعد ذلك لغاية الآن.



