من الصحافة الإيرانية: النقص الأساسي في سياسة إيران الخارجية

يتجسد شكل التحوط في إيران في أقبية الميدان العسكري وفي استراتيجية الردع ويحظى بدعم من المدرسة الأمنية ومنهج إبعاد العدو.

ميدل ايست نيوز: التحوط (Hedging) هو أحد المفاهيم التي تم استيرادها من علوم الاقتصاد وريادة الأعمال وإدخالها إلى نصوص السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. وباستثناء عدد قليل من البلدان، فإن غالبية دول العالم طبقت هذا المفهوم بالفكر والتشاور والحساب والتخطيط والتنبؤ.

فمن الإمارات إلى الصين، ومن المكسيك إلى الهند، ومن قطر إلى البرازيل، ومن عمان إلى إندونيسيا، كان مفهوم التحوط لهذه البلدان محورًا للحوكمة. وبعبارة أخرى: في عالم متعدد الأقطاب تحكمه الاقتصاد والسياسة، يعمل الجميع على زيادة الخيارات البديلة، وتوسيع الفرص، وخلق تنوع في مصادر الواردات والصادرات والاستثمار وفي مصادر إمدادات الأسلحة، والحد من المخاطر والأخطار، وتنويع الاستراتيجيات لتأمين المصالح والأمن القومي، وتوسيع دوائر الحراك والتأثير في العلاقات الخارجية.

وفيما توطد السعودية علاقاتها مع أمريكا وروسيا والصين، تسعى الهند إلى زيادة حضورها السياسي والاقتصادي في آسيا وكذلك في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، أضف إلى ذلك، تمكنت إندونيسيا من تحقيق التوازن بين علاقاتها الغربية والشرقية من خلال التفكير والتخطيط طويل الأمد.

فإذا لم نأخذ في الاعتبار الصغير والكبير، ونهتم بالجودة والعمق، فإن أنجح دولة غير غربية في العالم في التحوط هي دولة الإمارات العربية المتحدة. فهي لم تتجاهل دبلوماسبة الطاقة مع موسكو ولا شراء حصة كبيرة من صناعة البطاريات الصينية ولا إنشاء مصنع برازيلي لتصنيع الأسلحة ولا الاستثمار المالي في أوروبا الغربية ولا وادي السيليكون وهكذا دواليك.

يتسم التحوط في سياسة إيران الخارجية بالضبابية في مجالات الاقتصاد والسياسة، فمن غير المعروف نوع السلع أو المنتجات أو الخدمات الإيرانية، في الاقتصاد الإقليمي أو الدولي، التي تعتبر مميزة وخاصة ويعتمد عليها المستهلكون الأجانب؟ فالزعفران الإسباني، والبتروكيماويات السعودية، والكافيار الروسي، والنفط العراقي، والفستق الأمريكي، والسجاد الهندي، والغاز القطري متوفرة بكثرة، مما أدى إلى تقليص حصة إيران في السوق العالمية.

تحاول الشركات والبلدان في عالمنا اليوم جعل الآخرين يعتمدون على المزايا التي تتمتع بها: مثلا العمالة الرخيصة في فيتنام، وشركات تصنيع الرقائق الأكثر تطوراً وتعقيداً في تايوان، ودعم الطاقة والإيجارات في الصين، والضرائب المنخفضة للغاية على الشركات في تكساس، وبيئة الأعمال المواتية في الإمارات مقارنة بدول الخليج العربية الأخرى، وفرص العديد من الاستثمارات في تركيا، والتعاون التكنولوجي في كوريا الجنوبية واليابان.

وبمقارنة بسيطة مع عواصم هذه الدول والمزايا اللامتناهية التي تتمتع بها، فإن الاقتصاد الإيراني لم يقم بخطوة تذكر أمام تطوير مثل هذه الاستراتيجيات طويلة المدى لخدمة الأجيال اللاحقة والحفاظ على مكانة البلاد في السوق الدولية. لم يجد الاقتصاد الإيراني متسحاً له في الممرات العميقة للإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا في العالم، فالإدارة الاقتصادية في إيران تتمحور بشكل أساسي في ظل الأوضاع الراهنة حول تأمين القوت اليومي العام لا أكثر.

سياساً، لم يختلف حال التحوط (Hedging) الإيراني في هذه الساحة كثيراً عن الاقتصادي، فهي محدودة ومكبلة للغاية. صحيحٌ أن الادعاءات العلمية الملموسة تشير إلى امتلاك إيران علاقات ثنائية متشابكة طويلة الأمد مع العديد من الدول بل وصديقة لعدد يسير منهم، لكن هل يمكن الاعتماد على ولائهم وتمسكهم بطهران أثناء الأزمات والمخاطر؟

يتجسد شكل التحوط في إيران في أقبية الميدان العسكري وفي استراتيجية الردع ويحظى بدعم من المدرسة الأمنية ومنهج إبعاد العدو.

كيف سيكون العالم في عام 2050؟ من المحتمل حينها أن تتجاوز ثروة الإمارات التي يبلغ عدد سكانها خمسة عشر مليون نسمة تريليوني دولار، وسيزيد حجم وتعدد تحوطاتها عشرات إن لم يكن مئات المرات. وبالمثل، ستستفيد وقتذاك المملكة العربية السعودية التي يبلغ عدد سكانها 50 مليون نسمة من ناتج محلي إجمالي قدره ثلاثة تريليونات دولار.

لكن ماذا بشأن دولة لا تنتج الثروات ولا تفكر في الثلاثين سنة القادمة أن تدير نفسها بنفسها؟ فالقدرة والنفوذ على مستوى أعلى وأكثر صعوبة بكثير.

إذن، تتطلب السياسة الخارجية لإيران استراتيجية تحوطية تشمل جميع الفروع الاقتصادية والعسكرية والمالية والسياسية والتكنولوجية تماشياً مع التغيرات السريعة في التكنولوجيا وإنتاج الثروات الإقليمية والعالمية.

 

محمود سريع القلم
مفكر إيراني وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية 

إقرأ أكثر

من الصحافة الإيرانية: كيف يمكن لإيران الاستفادة من تجارب الدول العربية في “الاقتصاد الرقمي”؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى