ما هي أصول تسميات أشهر الأكلات العراقية؟

تتنوع الأطعمة في العراق، بشكل كبير، وفقاً لتنوع بيئاته، وحضاراته السالفة. فأكلات جنوبه تختلف عن تلك التي في شماله، وكذلك الحال بين غربه وشرقه.

ميدل ايست نيوز: تتنوع الأطعمة في العراق، بشكل كبير، وفقاً لتنوع بيئاته، وحضاراته السالفة. فأكلات جنوبه تختلف عن تلك التي في شماله، وكذلك الحال بين غربه وشرقه، وبذلك فقد تتشابه بعض الأطعمة، وقد تختلف مكوناتها ونكهاتها بين مناطقه.

السمك المسقوف

يُحب العراقيون الأسماك والمأكولات البحرية والنهرية بشكل عام، ففي البصرة مثالاً تثبت الأسماك وجودها على مائدة الطعام اليومية، لدى بعض العوائل البصرية، نظراً الى إطلال المحافظة على نهري دجلة والفرات، والخليج.

ولكن للأسماك المسقوفة، شعبية أكثر داخل البصرة وباقي مدن البلاد، وتطلق تسمية المَسقّوف، بلفظ القاف كالجيم المصرية، على الأسماك التي تشوى على الحطب بطريقة عامودية، حيث يُصطاد السمك الحي، والكبير بحجمه، وغالباً ما يعتمد على نوعي الشبوط والبني في السقف، وبعد أن ينظف، يضاف له الملح والليمون، ثم يثبت عامودياً باستخدام أدوات الشوي الحديدية، أو الأوتاد الخشبية، بشكل حلقة على بعد مسافة من النار، وهي طريقة تراثية اختص فيها العراق دون غيره، وتناقلتها الأجيال وصولاً الى عصرنا الحالي.

تقول الباحثة في تاريخ العراق، سعاد عبد الإله الزوبعي إن دلائل أثرية، ترجع الى أكثر من 4000 عام، تؤكد اعتماد الحضارة السومرية في وسط وجنوب البلاد، على هذه الطريقة في شوي الأسماك، واعتبارها وجبة مهمة لديهم.

وتضيف: “اعتمد السومريون على الحرف والأعمال البدنية واليدوية، فزادت حاجتهم الى البروتينات التي توفرها الأسماك مع غنى مناطقهم بالأسماك كبيرة الحجم”.

ليس ذلك فحسب، بل تؤكد الزوبعي، أن شيوع المشروبات الكحولية والبيرة على وجه الخصوص لدى السومريين، زاد من اعتمادهم على الأسماك، بسبب قدرة الأطعمة البحرية على تخفيف تأثير الكحول على الجسم، أو تأخير مفعوله.

وحتى اندثار الحضارة السومرية، حافظ العراقيون على طريقة سقف الأسماك، وتحضيرها داخل البيوت، أو شرائها من المطاعم المختصة والمنتشرة داخل الأحياء السكنية.

الهبيط

أحد أبرز الأكلات الشعبية في العراق، يحمل إضافة إلى تسمية الهبيط، عدة أسماء شعبية، مثل الثريد أو تشريب اللحم. وهو عبارة عن فرد الخبز المنقوع بالمرق على صحن كبير، يطلق عليه “الجفنة”، ثم وضع الرز والشعيرية والمكسرات عليه، والختام بوضع قطع اللحم عليه.

الشيف المختص في الأكلات الشعبية، خالد العنوي، يؤكد أن للهبيط سمات عشائرية، حيث يشاع استخدامه في تجمعاتهم ومناسباتهم، إضافة إلى شيوع استخدامه في محافظات وسط وغرب وجنوب البلاد في العزائم أيضاً.

ويضيف أن سبب ارتباطه بالعشائر، هو شرط تقديم اللحم في ولائمهم، ويفضل الكثير منهم وضع الخروف كاملاً فوق الرز، دلالة على كرم المُضيف واعتزازه بضيوفه، أو كإشارة الى عَظَمة المناسبة أو التجمع.

ويقول العنزي، إن سمات هذا الطبق الذي يؤكل باليد، وصلت الى الأمثال الشعبية، حيث يقال “الهبيط للزلم، والمرق للأولاد”. ويقال بأن تسميته جاءت من هبوط الضيف على المضيف.

أما تاريخه، فتشير الزوبعي إلى ارتباط هذه الأكلة التي تعتمد على المرق دون خلطه باللبن راج بعد استقرار البدو في الأرياف، وتكوين المجتمع العشائري.

الدولمة

يفتخر العراقيون بحبهم للدولمة، وإدمانهم على أكلها مرة في الأسبوع على الأقل، وينسب البعض تاريخ الأكلة الى فترة الاحتلال العثماني للبلاد بسبب تسميتها، ويرجح آخرون أنها دخلت إلى العراق مع السوريين، الذين أخذوها بدورهم من الإغريق اليونانيين.

لكن العراقيات صنعن نسختهن منها، وتفنّن بإضافة مكونات جديدة إلى هذه الأكلة، مثل عدم اكتفائهن بورق العنب، وإضافة البصل والباذنجان والبطاطا، إليها، وخلط الأرز المكون لها باللحم المفروم.

يشير الشيف المختص بالأطباق الشرقية في بغداد، علاء سلمان سعد، إلى تفضيل العراقيين لطبخ الدولمة بالشحوم الحيوانية، بدلاً من استخدام الزيت، وإضافة قطع اللحم إلى قدر التحضير، إضافة الى تفريغه بعد نضوجه على قطعة من الخبز.

وينوه إلى أن الدولمة هي أكثر الأكلات ذات النسخ المتعددة في العراق، إذ يفضل التركمان العراقيون، طبخها باستخدام اللبن، في حين يعتمد البقية على إضافة معجون الطماطم لها، كما يتفنن الموصليون بلف مكونات الدولمة، على ورق العنب صغير الحجم، وفي البصرة، يضاف السكر إلى باقي مكوناتها.

يشاع تقديم الدولمة في المناسبات والولائم في بغداد والمحافظات، كرديف للهبيط، وهو الذي يعتبر نوعاً من التمييز بين المجتمعين الحضري والريفي، إضافة إلى طقس تحضيرها في العطل الأسبوعية.

الكاهي والقيمر

شرائح من العجين الرقيق، تقلى في الزيت حتى انتفاخها، ثم يضاف إليها ماء السكر المنكّه، أو “الشيرة”، كما تسمى في العراق، ويتم تناول هذه الأكلة صباحاً في وجبة الإفطار، لوحدها أو بإضافة القشطة العراقية “القيمر” إلى جانبها، والقيمر هي القشطة المصنوعة من حليب الجاموس.

يشير أحمد الساعدي، وهو صاحب أحد الأفران في بغداد، إلى أنه ورغم الإقبال اليومي على شرائها، ولكن هذا الإقبال يزداد في الأعياد، حتى أطلق عليها لقب “إفطار العيد”.

وتختص بعض المحلات بإعداد الكاهي والقيمر، مثل مطعم رسول في محلة الصدرية ببغداد، وقشطة منطقة السدة حيث ينتشر مربوا الجاموس في بغداد، قرب مدينة الصدر.

ولا يُعرف بداية لتاريخ انتشار هذه الأكلة بين العراقيون على وجه الخصوص، إلا أن الزوبعي، تؤكد ارتباطها بتراث العراق استناداً الى إنتشار موادها الأولية مثل القمح وحليب الجاموس.

أطعمة أخرى

يشتهر العراقيون بحبهم للبذخ في الطعام، وعشقهم للأكلات الدسمة على وجه الخصوص، لذا يشيع استخدام اللحوم. مثلاً تشتهر أكلة القوزي، وهي عبارة عن الرز المطعم بالمكسرات والخضروات، وإضافة اللحوم المشوية معها.

أما الدليمية، فهي البامية المعروفة في معظم البلدان العربية، ولكن يختص العراقيون بإضافة مرقها إلى قطع الخبز، ثم إضافة الرز واللحم لها، ويطلق عليها محلياً بالدليمية، نسبة الى عشائر دليم، أو لواء الدليم سابقاً الأنبار حالياً.

تحمل هذه الأكلة بعداً عشائرياً أيضاً، إذ لا تزال معظم عشائر البلاد محافظة على تقديمها للضيوف وأكلها بشكل شبه يومي.

وكذلك الحال بالنسبة للبرياني، الذي قد يبدوا مقتبساً من الأكلة الهندية، حيث يقال أن العراقيين أخذوها من المجندين الهنود في الجيش البريطاني إبان احتلاله للبلاد في عام 1914، ولكنهم تفننوا بإضافة المكونات لها، مثل المكسرات وقطع البطاطا والجزر الصغيرة، إضافة الى الكشمش، واللحم أو الدجاج.

الأطعمة الشعبية vs الأطعمة الأجنبية

الإقبال على هذه الأطعمة في المطاعم قلّ في السنوات الماضية، وزاد في المقابل اعتماد العراقيين على الأطعمة السريعة، كالبرغر والبيتزا والشاورما السورية التي حلت محل الكص العراقي.

لكن الشيف الشرقي علاء سلمان سعد يعارض هذا الأمر، ويرى أن إقبال العراقيين على مطاعم الأكلات الشعبية، لا يزال قوياً حتى اليوم. ولكنه يحصر هذا الإقبال على الفئات الاجتماعية الفقيرة، أو بعض الذواقة، في حين تحوز تمطاعم الأكلات السريعة والأطعمة الأجنبية على اهتمام الطبقة المتوسطة أو الغنية.

ويعتقد بوجود احتمالية لإندثار بعض الأكلات الشعبية خلال السنوات القادمة، وهو ما حدث بالفعل مع بعض الأطباق، مثل إختفاء أكلة الخبز المقلي بدبس التمر، والخميعة، المكونة من الخبز المنقع بالحليب مع إضافة الزبدة الحيوانية الساخنة.

أطعمة كثيرة واجهت ذات المصير على مر التاريخ، إلا أن ذلك يرجع إلى طبيعة حياة المجتمع وتغيره بحسب الباحث في التاريخ، عماد الجبوري، الذي يؤكد أن الطعام وتوفر أولياته في البيئة يحدد استمراره أو زواله، وكذلك الحال بالنسبة للأطعمة التراثية الحالية، فرغم شيوع بعضها حالياً، كالسمك المسقوف، ولكن إستمرار تراجع المياه، وغلاء الأسماك أو ندرتها، قد يزيله من قائمة الأكلات الشهيرة في البلاد.

 

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
رصيف22

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى