الصين وأحداث البحر الأحمر

رغم قلق الولايات المتحدة من النفوذ العالمي المتزايد لخصمها اللدود في القرن الحادي والعشرين، لم يتوقف المسؤولون الأميركيون عن حث الصين على إظهار "روح القوة العظمى".

ميدل ايست نيوز: مع تصاعد أزمة مهاجمة الحوثيين للسفن المتعاونة مع إسرائيل، أثناء إبحارها في البحر الأحمر، وتحول سفن الشحن بعيداً عن هذا الطريق، اتجهت الأنظار إلى أكبر مصدّر للبضائع في العالم، الصين، التي أعلنت وزارة التجارة فيها أن 60% من بضاعتها المتجهة إلى أوروبا تسلك هذا الطريق، وأن 17% من إجمالي صادراتها تذهب إلى دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.

ورغم قلق الولايات المتحدة من النفوذ العالمي المتزايد لخصمها اللدود في القرن الحادي والعشرين، لم يتوقف المسؤولون الأميركيون عن حث الصين على إظهار “روح القوة العظمى”، من خلال المساعدة في حل أزمة حقيقية في المنطقة، حيث اعتبرها الأميركيون الأقدر على حلها.

وعلى مدار 12 ساعة من الاجتماعات في يومي 26 و27 يناير/كانون الثاني الماضي في العاصمة التايلاندية بانكوك، حاول مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، إقناع وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، باستخدام نفوذ دولته لوقف التهديد الذي يهدد شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية.

وفي تحليل مطول للموضوع، قالت مجلة “ذي إيكونوميست” إن الصين تنظر إلى مسؤولياتها بشكل مختلف، وأشارت إلى أن الصين ترى أن أمن المنطقة هو مستنقع من صنع أميركا، وأنها تستغل الفرصة لتعزيز تضامنها مع العالم العربي.

ولكن من المؤكد أن أمن المنطقة، وتأمين مرور السفن في البحر الأحمر وقناة السويس، مهمان جداً بالنسبة للصين. ولقد كان عام 2021 شاهداً على ذلك، حيث تسببت سفينة حاويات في تعطل مرور السفن في قناة السويس لمدة ستة أيام بالقرب من مدخلها إلى البحر الأحمر، وكان هذا أمراً مفهوماً، مع الأخذ في الاعتبار أحجام التجارة الصينية المعتمدة على هذا الطريق البحري.

وأظهرت بيانات نشرتها مجلة “ذي إيكونوميست”، أنه قبل ديسمبر/كانون الأول كانت 99% من سفن الحاويات التي تبحر بين أوروبا والصين تمر عبر قناة السويس.

لكن بحلول الأسبوع الثاني من يناير/كانون الثاني الماضي، حول أكثر من نصف عدد تلك السفن طريقه إلى رأس الرجاء الصالح، رغم أن الطريق الجديد يضيف حوالي أسبوعين إلى زمن الرحلة، ويزيد من تكاليف النقل، التي تشمل أجور العاملين والوقود المستخدم، ضمن مصاريف أخرى.

وارتفع مؤشر الشحن بالحاويات الصينية، وهو مقياس لأسعار الحاويات في الموانئ الصينية الرئيسية، بأكثر من الضعف منذ أواخر عام 2023، وذلك للسفن المتجهة إلى أوروبا.

ورغم التكلفة المُحملة على البضائع الصينية، ووجود القاعدة العسكرية الخارجية الوحيدة المعروفة للبلاد بالقرب من جيبوتي، على البحر الأحمر، ظلت البحرية الصينية بعيدة عن الأضواء.

وتجنبت بكين المشاركة في التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة، والمعروف باسم عملية “حارس الازدهار”، لكن وسائل الإعلام الحكومية الصينية تقول إن خط الشحن الصيني، Sea Legend، يعرض مرافقة البحرية الصينية لعمليات نقل البضائع عبر البحر الأحمر.

ويعرض موقع الشركة على الإنترنت جدولاً زمنياً لمثل هذه المرافقة في خليج عدن المتاخم للبحر الأحمر، حيث تتمتع الصين بخبرة كبيرة في مثل هذه المهام. ومنذ عام 2009، تساعد سفن الصين الحربية في حماية الشحن التجاري في خليج عدن من هجمات القراصنة الصوماليين.

وتقول “رويترز” إنه خلال العديد من اللقاءات الأخيرة في بكين وطهران، طلب المسؤولون الصينيون بالفعل من نظرائهم الإيرانيين الضغط على الحوثيين لإيقاف هجماتهم على السفن المارة بالبحر الأحمر. ونقلت وكالة الأنباء الصينية عن مسؤول إيراني قوله إن الرسالة الصينية كانت كالتالي: “إذا تضررت مصالحنا بأي شكل من الأشكال، فسوف يؤثر ذلك على أعمالنا مع طهران”.

وتسعى الصين لتقديم نفسها كقوة كبيرة قادرة على المساعدة في نشر السلام في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. وفي العام 2022، كشف الزعيم الصيني، شي جين بينغ، عن “مبادرة الأمن العالمي GSI” التي كانت تهدف بوضوح إلى حشد الدعم للصين، وخاصة بين الدول الرافضة للهيمنة الأميركية.

ودعت الصين من خلال المبادرة إلى مقاومة فكر “الحرب الباردة” ومعارضة “السعي لتحقيق أمنك الشخصي على حساب أمن الآخرين”، في إشارة واضحة للسلوك الأميركي.

وفي مارس/آذار من العام الماضي، أعلنت الصين عن تحقيق خطوة كبيرة في سعيها للحصول على بعض النفوذ في الشرق الأوسط، حيث توسطت في اتفاق شهد إعادة السعودية وإيران العلاقات الدبلوماسية بينهما بعد انقطاع دام سبع سنوات.

ولا يمكن إغفال ما للصين من نفوذ لدى إيران، التي يمكنها بالتأكيد المساعدة في إيقاف الهجمات على السفن في البحر الأحمر، ويجمعها بها “عدم استلطاف مشترك” لأميركا، إلا أنها على الأرجح لن تكون مستعدة لاستخدامه إلا في ما يخدم المصالح الصينية.

وتصدّر إيران، الواقعة تحت العقوبات الأميركية، نحو 90% من نفطها إلى الصين، وترحب الأخيرة بهذه الإمدادات منخفضة التكلفة، رغم أنها لا تمثل أكثر من 10% من مشترياتها من النفط الخام.

وسيكون لدى الصين الكثير مما تخشاه من توسع الصراع في المنطقة، فبخلاف الممرات التجارية التي تستفيد منها ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، استثمرت الشركات الصينية أكثر من 20 مليار دولار في البلدان المطلة على البحر الأحمر، خاصة في مصر والمملكة العربية السعودية، وفقاً لمعهد “أميركان إنتربرايز”، وهو مركز أبحاث في واشنطن. وتستورد الصين أكثر من 70% من النفط الذي تستهلكه، ويأتي نصف هذه الكمية من الشرق الأوسط.

لكن في الوقت الحاضر يبدو أن الصين تعتقد أن التهديد الذي يشكله الحوثيون محتمل. وقالت شركة كوسكو الصينية، التي تعرضت إحدى شاحناتها لهجوم الحوثيين قبل أسابيع، إنها ستعيد توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح وتتوقف عن تسليمها إلى إسرائيل، إلا أن بعض سفنها واصلت الإبحار في البحر الأحمر، بعد توضيح ارتباطها بالصين في أنظمة التعريف الآلية الخاصة.

وبنهاية الشهر الماضي، كان أكثر من 30 سفينة في البحر الأحمر تعلن عن مثل هذا الاتصال يومياً، في إشارة واضحة إلى أن الصين ربما تخرج كفائز وحيد في اللعبة الخطرة الجارية هذه الأيام في البحر الأحمر.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة − واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى