المصالحة الإيرانية- الباكستانية… سد الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي

تشكل الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى باكستان لحظة حاسمة في العلاقات الدبلوماسية في المنطقة.

ميدل ايست نيوز: في المشهد الجيوسياسي المعقد في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، حيث تتصاعد التوترات في كثير من الأحيان وتثور في أحيان أخرى، تشكل الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى باكستان لحظة حاسمة في العلاقات الدبلوماسية في المنطقة.

وفي خضم الأعمال العدائية المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، والتي اتسمت بعمليات سرية واشتباكات عسكرية مفتوحة، يسلط سعي طهران نحو تعزيز علاقاتها مع باكستان الضوء على وجود إعادة للتقييم الاستراتيجي في المنطقة.

وشهدت الزيارة، التي استمرت ثلاثة أيام، مشاركة الرئيس إبراهيم رئيسي في محادثات رفيعة المستوى لا تهدف إلى تسوية الخلافات فحسب، ولكن أيضا إلى رسم مسار لتعزيز التعاون بين الدولتين المتجاورتين ذات الأغلبية المسلمة. ويجب التشديد على أهمية هذا المسعى الدبلوماسي، خاصة في ضوء التاريخ الحديث للعلاقات المتوترة بين إيران وباكستان، والتي تخللها تصعيد مثير للقلق في وقت سابق من هذا العام.

وفي بداية العام، بلغت التوترات بين طهران وإسلام آباد ذروتها، حيث انخرط البلدان في سلسلة من الهجمات الانتقامية على طول حدودهما المشتركة. وكانت التوغلات العسكرية الإيرانية داخل الأراضي الباكستانية، والتي كانت تستهدف ظاهريا الجماعات المسلحة مثل “جيش العدل”، أثارت ردود أفعال انتقامية فورية من إسلام آباد، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الوضع المضطرب بالفعل. وأثار تبادل إطلاق النار الذي أعقب ذلك مخاوف من إغراق المنطقة في صراع طويل الأمد وزعزعة الاستقرار وعواقب أخرى أكبر بكثير.

وفي قلب التوترات المتصاعدة تكمن الديناميكيات المعقدة لمنطقة بلوشستان، الممتدة على الحدود الإيرانية الباكستانية، والتي كانت لفترة طويلة نقطة محورية للتمرد والطموحات الانفصالية. وعززت الهوية العرقية البلوشية، العابرة للحدود الوطنية، الرغبة في الحكم الذاتي أو الاستقلال، والتي غالبا ما قوبلت بقمع شديد من كل من طهران وإسلام آباد.

ويضيف تورط الجماعات المسلحة، مثل “جبهة تحرير بلوشستان”، و”جيش العدل”، المزيد من التعقيدات إلى الحسابات الجيوسياسية، مما يسلط الضوء على التحديات المتعددة الأوجه التي تواجه المنطقة.

ومع ذلك، وسط شبح الصراع، أظهرت كل من إيران وباكستان التزاما جديرا بالثناء بخفض التصعيد واللجوء للحوار، كما يتضح من الجهود السريعة لنزع فتيل الأزمة في وقت سابق من هذا العام. وتمثل زيارة الرئيس إبراهيم رئيسي إلى إسلام آباد مظهرا ملموسا لهذه المبادرة الدبلوماسية، وتوفر منصة للمشاركة البناءة والسعي لتحقيق المصالح المشتركة.

ووفقا لجورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة جلف ستيت أناليتيكس، وهي شركة استشارية للمخاطر الجيوسياسية مقرها في العاصمة الأميركية واشنطن، فإن زيارة رئيسي مهمة لنزع فتيل التوتر بين البلدين المتجاورين.

وبحسب جيورجيو، “في الوقت الذي دخلت فيه الأعمال العدائية بين إيران وإسرائيل فصلا جديدا مع انتهاء “حرب الظل” وبداية المواجهات العسكرية المباشرة بين الدولتين هذا الشهر، بدأت طهران تسعى إلى تأمين علاقة أفضل مع إسلام آباد. وليس سرا أن الضربات الصاروخية المتبادلة بين إيران وباكستان في يناير/كانون الثاني خلقت وضعا خطيرا، لكن المسؤولين من العاصمتين تحركوا بسرعة بشكل مثير للإعجاب لتهدئة الأزمة. إن زيارة إبراهيم رئيسي إلى باكستان كانت مهمة من ناحية الجهود الرامية إلى دفع العلاقات الثنائية إلى الأمام حيث يحرص كلا الجانبين على وضع هذه الحادثة غير المسبوقة وراء ظهريهما”.

وتركزت زيارة الرئيس الإيراني إلى باكستان على المبادرات الرامية إلى تعزيز التعاون الثنائي في مختلف القطاعات، بما في ذلك الأمن والتجارة والثقافة والتكنولوجيا. إن توقيع ثماني مذكرات تفاهم بين البلدين خلال زيارة إبراهيم رئيسي سلط الضوء على عمق واتساع التعاون المتصور. وتغطي هذه الاتفاقات مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك تسهيل التجارة والتعاون القضائي والتبادل الثقافي. ومن الأمور ذات الأهمية الخاصة إنشاء منطقة حرة/خاصة مشتركة في رمدان- قبد، تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي وتحفيز التجارة عبر الحدود. وهو دليل واضح على الالتزام المشترك بتسخير الإمكانات الاقتصادية للمنطقة.

تشير مبادرات الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الأخيرة تجاه باكستان، والتي أكدها هدفه الطموح المتمثل في تحقيق تجارة ثنائية بقيمة 10 مليارات دولار، إلى جهد متضافر لرفع العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى مستوى يتناسب مع علاقاتهما السياسية. وبغض النظر عن التوترات طويلة الأمد والتعقيدات الجيوسياسية التي حددت العلاقة بينهما تاريخيا، فإن زيارة رئيسي إلى إسلام آباد تشكل منصة لإعادة ضبط المسار الاقتصادي للعلاقات الإيرانية- الباكستانية.

سد الفجوة بين السياسة والاقتصاد

عشية رحلته، لم يضيع إبراهيم رئيسي أي وقت في مد غصن الزيتون والتواصل مع باكستان، مؤكدا على الحاجة إلى سد الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي. ووصف رئيسي المستوى الحالي للتجارة الثنائية بأنه “غير مقبول”، وحدد رؤية لتعزيز حجم التجارة إلى مستويات غير مسبوقة، ووضع هدفا يضاعف الهدف السابق وهو 5 مليارات دولار، والذي حُدد في أغسطس/آب الماضي. ولكن هذا الهدف الطموح يواجه تحديات هائلة، كما يتضح من الأرقام التجارية المتواضعة التي بلغت 2.3 مليار دولار والتي سُجلت في العام الماضي، على الرغم من الجهود المتضافرة لتعزيز التعاون الاقتصادي.

وكانت الرحلة نحو تحقيق هذا الهدف التجاري الطموح محفوفة بالعقبات، بدءا من القيود الجيوسياسية إلى أوجه القصور في البنية التحتية. كما ألقى إرث العقوبات الدولية المفروضة على إيران بظلاله على التجارة الثنائية، مما أدى إلى الحد من نطاق المشاركة الاقتصادية وتقييد تدفقات الاستثمار. علاوة على ذلك، أدى الوضع الأمني في المناطق الحدودية، والذي تفاقم بسبب وجود الجماعات المسلحة والحركات الانفصالية، إلى إعاقة التدفق السلس للسلع والخدمات عبر الحدود الإيرانية- الباكستانية، مما قوض إمكانية التوسع التجاري.

وشكل غياب الآليات المصرفية وآليات الدفع القوية أحد العوائق الرئيسة أمام نمو التجارة، وتفاقم بسبب الافتقار إلى القنوات المصرفية المباشرة وضرورة التعامل مع الأنظمة المالية الدولية الصارمة. وأدى الاعتماد الناتج عن ذلك على قنوات الدفع غير الرسمية وغير التقليدية إلى إضافة تعقيدات إضافية إلى المعاملات الاقتصادية، مما أعاق التبادل السلس للسلع ورأس المال بين إيران وباكستان.

وتعرقلت الجهود المبذولة للتغلب على هذه الحواجز بسبب الافتقار إلى العمل المتضافر والمواءمة الاستراتيجية، على الرغم من وجود اتفاق تجارة تفضيلية يعود تاريخها إلى عام 2005. وعلى الرغم من استمرار المناقشات بشأن اتفاق التجارة الحرة الشاملة، فإن إبرام هذا الاتفاق خلال زيارة رئيسي إلى باكستان لم يتحقق، مما يسلط الضوء على التحديات الراسخة والمصالح المتنافسة التي لا تزال تشكل العلاقات الاقتصادية بين إيران وباكستان.

وفي ضوء ما سبق، تمثل التصريحات الجريئة للرئيس الإيراني بشأن التجارة ابتعادا عن الواقع الحالي، مما يعطي إحساسا بضرورة وأهمية الارتباطات الثنائية. ويعكس التركيز على تحديد أهداف طموحة بالاعتراف بالإمكانات غير المستغلة وأوجه التآزر القائمة بين إيران وباكستان، والتي تتجاوز القيود الجيوسياسية والعداوات التاريخية.

وبالنظر إلى المستقبل، فإن تحقيق رؤية الرئيس الإيراني يتوقف على اتخاذ نهج متعدد الأوجه يعالج العوائق الهيكلية أمام التجارة، ويعزز المزيد من التعاون في القطاعات الرئيسة، كما يعزز بيئة مواتية للاستثمار والتكامل الاقتصادي. ولا يستلزم ذلك معالجة المخاوف الأمنية وأوجه القصور في البنية التحتية فحسب، بل يستلزم أيضا تبسيط آليات المعاملات المصرفية والدفع لتسهيل التفاعلات الاقتصادية السلسة.

وبينما تبحر إيران وباكستان عبر تعقيدات الجغرافيا السياسية الإقليمية والضرورات الاقتصادية، فإن نجاح طموحاتهما التجارية الثنائية سيكون بمثابة اختبار لمدى متانة شراكتهما الجديدة. ومن خلال تسخير الإمكانات التحويلية للتعاون الاقتصادي، تحظى إيران وباكستان بالفرصة لرسم مسار جديد للعلاقة بينهما، وهو مسار يتسم بالرخاء المتبادل والمصالح المشتركة.

علاوة على ذلك، فإن التركيز على الجهود المشتركة لمكافحة التشدد والإرهاب يؤكد الاعتراف المشترك بحتمية التصدي للتحديات الأمنية المشتركة بطريقة منسقة. ومن خلال إقامة علاقات أوثق في مجال التعاون الأمني، لا تسعى إيران وباكستان إلى تخفيف التهديد الذي تشكله الجماعات المسلحة التي تعمل على طول حدودهما فقط، ولكن أيضا إلى المساهمة في الاستقرار والسلام الإقليميين.

وبعيدا عن مجال الأمن والاقتصاد، تحمل زيارة الرئيس الإيراني آثارا أوسع على المشهد الجيوسياسي للمنطقة. وعلى خلفية التحالفات المتغيرة وإعادة التنظيم الجيوسياسي، فإن الشراكة المزدهرة بين إيران وباكستان لديها القدرة على إعادة ضبط توازن القوى في جنوب آسيا وخارجها. وبينما تواجه التحالفات التقليدية تحديات وخطوط صدع جيوسياسية جديدة، فإن التقارب الاستراتيجي بين طهران وإسلام آباد يوفر نظرة ثاقبة للديناميكيات المتغيرة للسياسة الإقليمية.

وكان من أهم جوانب زيارة رئيسي إلى باكستان التعبير عن مناصرته لفلسطين. فخلال زيارته، خصص الرئيس الإيراني وقتا للإشادة بالأمة الباكستانية لدعمها الثابت للقضية الفلسطينية، وسلط الضوء بشكل خاص على المشاعر والمظاهرات المؤيدة للفلسطينيين واسعة النطاق والتي تردد صداها في جميع أنحاء البلاد.

باختصار، تمثل زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى باكستان علامة فارقة في العلاقات الثنائية بين البلدين، مما يدل على التحول من التوترات الأخيرة نحو مسار التعاون والتآزر. وبينما تشرع إيران وباكستان في رحلة التقارب هذه، فإن العالم يتابع بترقب، مدركا النتائج المحتملة على المشهد الجيوسياسي الأوسع في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
المجلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة عشر − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى