نزيف عملة إيران… الريال ينجرف نحو قاع لا نهاية له وسط التوترات مع أميركا
ما إن كسرت العملة الإيرانية الحاجز النفسي لسعر الصرف البالغ مليون ريال لكل دولار أميركي، حتى انجرفت إلى المزيد من الخسائر خلال اليومين الماضيين لتسجل مستويات غير مسبوقة من الهبوط.

ميدل ايست نيوز: ما إن كسرت العملة الإيرانية الحاجز النفسي لسعر الصرف البالغ مليون ريال لكل دولار أميركي، حتى انجرفت إلى المزيد من الخسائر خلال اليومين الماضيين لتسجل مستويات غير مسبوقة من الهبوط وتواصل الانجراف نحو قاع لا يبدو نهاية له، وسط تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وتهديد واشنطن بعمل عسكري ضد إيران، ما يفاقم الضغوط الاقتصادية والمعيشية في البلد الذي يعاني تراكمات سنوات من العقوبات.
وبدأ الريال، السنة الإيرانية الجديدة بنزيف قياسي حاد، منذ الثلاثاء الماضي، وذلك بعد فتح تدريجي لسوق العملات في خامس أيام “عيد النوروز” فيما لا تزال البلاد تشهد عطلة ستنتهي بعد أسبوع، إذ تجاوز سعر الدولار حاجز المليون ريال لأول مرة، ليصل إلى نحو مليون و40 ألف ريال بزيادة 5% في أقل من أسبوع.
ورغم التحسن الطفيف الذي سجله الريال، خلال تعاملات أمس الأربعاء، مقارنة باليوم السابق له عند مستوى مليون و25 ألف ريال ، لا يزال السعر المسجل عند أدنى مستوى وصلت إليه العملة الإيرانية في تاريخها، حيث فقدت أكثر من نصف قيمتها منذ أغسطس /آب الماضي.
يقول المتعامل في سوق العملات رضا رحماني لـ”العربي الجديد” إنه رغم ارتفاع أسعار الصرف، السوقُ “لا تشهد عملية شراء وبيع كبيرة”. ويؤكد رحماني أن اتجاه السوق “غير واضح” والأسعار متقلبة ومتذبذبة. ويضيف أن “هناك حالة عدم اليقين حول اتجاهات سوق العملات الأجنبية فهناك عوامل تزيد قناعة المضاربين بأن الاتجاه صاعد، لكن ثمة عوامل أخرى تشي بأن السوق ربما يشهد تعديلاً في الأسعار”.
بدوره يوضح الناشط في سوق العملات الإيرانية، حامد قادري، أن أبرز ما يدفع الريال نحو مزيد من النزيف خلال الفترة المقبلة هو “غياب وجود أفق” لتحسن الحالة الاقتصادية الصعبة في البلد في ظل تصاعد التوترات السياسية مع الولايات المتحدة وتهديداتها المتزايدة باللجوء إلى الخيار العسكري، مضيفاً في حديثه مع “العربي الجديد” أن المؤشرات الاقتصادية تبقى سلبية وتزداد سوءاً في ظل هذا الوضع وهو ما يخلق “توقعات تضخمية” في الشارع مما يدفع الناس إلى شراء الدولار والذهب للحفاظ على رؤوس أموالهم مما يعني زيادة الطلب على العملات الأجنبية وارتفاع أسعارها.
يؤكد قادري أن المضاربين والمواطنين الراغبين في شراء الدولار أو اليورو يترقبون حالياً اتجاهات السوق إن كانت صاعدة أو هابطة “ولذلك لا يقومون بعمليات شراء كبيرة خشية أن يطرأ تعديل على السعر ما يسبب لهم بخسائر”، مشيراً إلى أنه بمجرد أن يستقر السعر فوق المليون ريال فمن المرجح أن يزداد الطلب عليه.
وفيما تشهد أسعار العملات في السوق الموازية في إيران ارتفاعاً قياسياً جديداً، ظل سعر الدولار الحكومي ثابتاً من دون تغيير حيث حدد مركز “نيما” الحكومي لتحديد الأسعار سعر الدولار عند 706630 ريال خلال تعاملات الثلاثاء والأربعاء الماضيين.
مع ذلك، تتأثر أسعار السلع والخدمات في إيران أكثرَ بسعر الدولار في السوق الحر أو السوق الموازي، فبارتفاعه ترتفع أسعار السلع بعد فترة. وفي السياق، تعبر المواطنة الإيرانية مريم أكبرياني من غرب العاصمة طهران عن قلقها من ارتفاع كبير في الأسعار خلال السنة الجديدة، قائلة لـ”العربي الجديد” إنه عند مراجعة أي محل تجاري أو خدماتي نلمس ارتفاع الأسعار بشكل متصاعد و”عند السؤال عن السبب يقول صاحب المحل إن الدولار قد ارتفع وحتى ذلك أصبح يؤثر على كل ما هو إنتاج داخلي ولا يقتصر الأمر على السلع الأجنبية التي لم نعد قادرين على شرائها”.
وعن نسبة ارتفاع السلع مع بداية السنة الجديدة، تقول أكبرياني إن ارتفاع الدولار خلال اليومين الأخيرين لم يترك بعد تأثيرها بشكل كبير على السلع، ما عدا الأجهزة الإلكترونية المستوردة من الخارج، موضحة أن تأثيره على السلع الداخلية سيظهر مع مرور الوقت. وتضيف أن أسعار السلع اليوم مرتفعة على أساس شهري بما يراوح بين 10% إلى 20%، مشيرة إلى أنها كانت تريد شراء هاتف نقال لابنتها نهاية السنة الماضية الإيرانية إلا أنها لاحظت ارتفاع السعر بنسبة تفوق 20%.
ويتوقع أن يترك ارتفاع العملات الأجنبية تأثيره على السلع في إيران مع انتهاء العطل بعد أسبوع بشكل تدريجي. وتبلغ نسبة التضخم في إيران نحو 40%. ويقول المواطن الكردي الإيراني الحاج أحمد إن “الحالة المعيشية صعبة للغاية نتيجة ارتفاع مستمر في الأسعار وتراجع القوة الشرائية لأن الدخل لا يرتفع كما ترتفع أسعار السلع بشكل جنوني”، مضيفاً في حديثه مع “العربي الجديد” أن الغلاء “عكر صفوة النوروز عندنا هذا العام حيث لم نتمكن من شراء كل ما نحتاج إليه في العيد”، داعياً حكومة الرئيس مسعود بزشكيان إلى معالجة الوضع خاصة للمتقاعدين. وأشار إلى أنه يتقاضى شهرياً نحو 150 دولاراً وهو لا يلبي احتياجاتهم الأساسية.
ويشكل الاقتصاد أولوية إيران القصوى على الصعيد الداخلي على خلفية الأزمات الاقتصادية المتلاحقة نتيجة العقوبات الأميركية المشددة التي أصبحت تزداد مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب صاحب استراتيجية الضغوط الاقتصادية القصوى على إيران منذ يناير/كانون الثاني الماضي، مما سبّب انجراف الريال الإيراني إلى تراجع حاد.
واعتاد المرشد الإيراني الأعلى على إطلاق تسميات اقتصادية على السنوات الإيرانية في مطلعها، فأطلق على السنة الإيرانية الجديدة عنوان “الاستثمار من أجل الإنتاج”، قائلاً في خطاب النوروز الخميس الماضي، إن “قضيتنا الاقتصاديّة ستكون أيضاً شعار هذا العام، وهي مرتبطة بالاستثمار في الاقتصاد، واحدة من القضايا المهمّة للاقتصاد في البلاد، هي الاستثمارات الإنتاجيّة”، مؤكداً أن “الإنتاج سيشهد طفرةً عندما يتمّ الاستثمار”. ولفت إلى أنه طرح في العام الماضي شعار “الطفرة الإنتاجيّة بمشاركة شعبيّة”، لكن “حالت مختلف الأحداث في العام 1403 (العام الإيراني الماضي) دون تحقّق هذا الشعار بالمعنى الحقيقي للكلمة”.
وخلال سبتمبر/أيلول الماضي، قال الرئيس الإيراني إن بلاده في حاجة إلى تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 8%، وإنها في حاجة إلى استثمارات تقدر بـ 200 إلى 250 مليار دولار، مشيراً إلى أن الأرصدة في الداخل ليست أكثر من 100 مليار دولار. وقال ” نحتاج إلى 100 مليار دولار استثمارات خارجية”. لكن هذه الاستثمارات الخارجية تواجه سد العقوبات الأميركية التي تستهدف حرمان إيران من مواردها بالنقد الأجنبي، فضلاً عن أي استثمارات أجنبية في القطاعات الاقتصادية الإيرانية.
ويشهد الاقتصاد الإيراني أزمات قاسية منذ أكثر من عقد، تزايدت حدتها مع العقوبات الأميركية المشددة منذ عام 2018 في اعقاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي خلال ولايته الرئاسية الأولى (2017 ـ 2021)، والتي استهدفت جميع مفاصلها الاقتصادية، بما فيها الاستثمارات الأجنبية. وفي ظل هذه العقوبات التي تحرم إيران عوائد صادراتها النفطية المحظورة وتحصل بطرق التفافية، يبقى من الصعب تحويل الأموال إلى داخلها للاستثمار.
وطاولت العقوبات قطاع النفط والغاز الذي يستحوذ على نسبة كبيرة من إيرادات الاقتصاد الإيراني، بحيث تراجعت الصادرات إلى 300 ألف برميل يومياً من نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً بعد انسحاب من الاتفاق النووي، ليرتفع الحجم تدريجياً بفعل الالتفاف على العقوبات. واستهدفت إيران في موازنة عام 2024 تصدير نحو مليون و350 ألف برميل من النفط يومياً. غير أن تحقيق ذلك يواجه تحديات وصعوبات كبيرة، حيث تستهدف الإدارة الأميركية الحالية تصفير الصادرات النفطية الإيرانية من خلال المزيد من العقوبات على الشركات الصينية التي تشتري النفط الإيراني وسط تهديدات بتوقيف ناقلات النفط الإيرانية.
غير أن المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني، قالت الأسبوع الماضي، إن صادرات إيران النفطية “لا يمكن إيقافها”، مضيفة أن “العقوبات السابقة لو كانت فاعلة لما احتاجوا إلى فرض عقوبات جديدة”، مضيفة في تغريدة على منصة إكس: “لن نتنازل عن حصة إيران في سوق النفط العالمي”.
كما أكد وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد الذي فرضت واشنطن عقوبات عليه خلال مارس/آذار الجاري أن “تصفير صادراتنا النفطية غير ممكن فكلما زادت القيود المفروضة علينا، كانت التدابير التي سنتخذها أكثر تعقيداً”، موضحاً أن صادرات إيران النفطية “لن تتوقف” وسياسة الضغوط القصوى الأميركية “ستفشل”. وقال إن “تصفير هذه الصادرات أمنية لن يتمكنوا من تحقيقها أبداً”، وذلك رداً على توقيع الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً بممارسة سياسة الضغوط القصوى على إيران تستهدف تصفير صادراتها النفطية.