من الصحافة الإيرانية: استراتيجية سداسية الأبعاد لإيران

تمر السياسة الخارجية الإيرانية بأحد أكثر المنعطفات التاريخية حساسية. إذ أن خطر اندلاع الحرب لا يستهدف فقط نظام الجمهورية الإسلامية، بل يستهدف كذلك الجيوسياسة الإيرانية.

ميدل ايست نيوز: تمر السياسة الخارجية الإيرانية بأحد أكثر المنعطفات التاريخية حساسية. إذ أن خطر اندلاع الحرب لا يستهدف فقط نظام الجمهورية الإسلامية، بل يستهدف كذلك الجيوسياسة الإيرانية. فمن جهة، تهدد الولايات المتحدة وإسرائيل بشن حرب، ومن جهة أخرى، تهدد أوروبا باستخدام آلية الزناد (snapback) وإعادة فرض جميع العقوبات التي كان مجلس الأمن الدولي قد أصدرها قبل التوصل إلى الاتفاق النووي في عام 2015. قد تكون هذه التهديدات خدعاً أو حقيقية، لكن منطق الحُكم والعقل السليم يقتضي اعتبار كلا التهديدين جديين والسعي لدرئهما بكافة الوسائل الممكنة. إن الدبلوماسية بمعناها الكلاسيكي، أي فن السياسة، والاستراتيجية بمعناها الكلاسيكي، أي الحرب، أصبحتا الآن الأداتين الرئيسيتين لمواجهة التهديدات الموجهة ضد إيران، وبالطبع تبقى الدبلوماسية، بجميع أبعادها الظاهرة والخفية، الطريق الأكثر عقلانية والأقل تكلفة لدرء التهديدات.

إلى جانب المباحثات المباشرة وغير المباشرة مع الولايات المتحدة وأوروبا وسائر الفاعلين المؤثرين، هناك مسار دبلوماسي آخر يتمثل في الاستفادة من الفجوات والمساحات التي تخلقها التنافسات بين القوى الكبرى أو تعارض مصالح الفاعلين. إن تعارض المصالح بين فاعلي النظام الدولي والتنافس بين القوى الكبرى يهيئان دوماً فرصاً لبقية الفاعلين للمناورة. وقد أثبتت الحكومات المتعاقبة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنها بارعة في استغلال التناقضات بين القوى الكبرى. كما أن تعارض المصالح بين الخصوم الإقليميين قد وفر على الدوام مجالاً للتحرك والاستفادة من قبل السياسة الخارجية الإيرانية.

يظهر رصد ومتابعة التطورات الإقليمية بعد 7 أكتوبر 2023، وخاصة مع عودة دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، وجود خلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. والسؤال الأساسي هو: هل هذه الخلافات استراتيجية أم تعارض في المصالح؟ للإجابة على هذا السؤال، يمكن الاستعانة بالتحليل التاريخي ومقارنة فترتين تاريخيتين مع بعضهما البعض.

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، قررت بريطانيا، التي كانت في ذلك الوقت إحدى القوى العالمية الكبرى وكانت تتولى الوصاية على الأراضي الفلسطينية وتُعتبر الأب الروحي لإسرائيل، تقليص دعمها للمهاجرين اليهود إلى فلسطين وزيادة دعمها للعرب، بناءً على مصالحها الاستراتيجية في تلك الحرب. وقد تجلى هذا التغيير في “الكتاب الأبيض” الذي أصدره تشرشل عام 1939. وقد طُبع هذا الكتاب ثلاث مرات خلال فترة الانتداب، وكان يحدد عدد المهاجرين اليهود والأراضي المخصصة لهم. وفي إصدار عام 1939، فرض تشرشل قيوداً صارمة على هجرة اليهود وكذلك على استحواذهم على الأراضي الفلسطينية، وهو ما قوبل بدعم العرب واحتجاج شديد من قبل اليهود. وقد حدد هذا الكتاب، المؤلف من 12 صفحة، سقفاً للهجرة لا يتجاوز 450 ألف شخص، وسقفاً لا يتجاوز ثلث أراضي فلسطين. وقد أثار هذا القرار غضب اليهود والصهاينة، حتى إنهم قالوا إنهم لولا أن عدوهم في الحرب العالمية الثانية كان النظام الفاشي لهتلر، لكانوا قد أعلنوا الحرب على بريطانيا بسبب الكتاب الأبيض لعام 1939. وكان قرار بريطانيا بدعم الدول العربية قائماً على مصالحها العالمية خلال الحرب، لاسيما منع تحالف العرب مع الاتحاد السوفييتي وألمانيا، والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية الدائمة في قناة السويس والخليج والهند. إلا أن هذا التحول في السياسة البريطانية أدى إلى انفصال عاطفي بين الصهاينة وبريطانيا، ودفعهم للاتجاه نحو الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الجديد. ويمكن الآن رصد أوجه شبه تاريخية مع هذه المرحلة.

لقد حددت الولايات المتحدة لنفسها مصالح عديدة في العالم العربي، ولا سيما في منطقة الخليج، لكن هل هذه المصالح ستؤدي إلى تخليها عن إسرائيل وابتعاد إسرائيل عاطفياً عن الولايات المتحدة؟ وهل ابتعدت إسرائيل عن أميركا وتتجه نحو أوروبا لتصبح الذراع الأوروبية في الشرق الأوسط؟ من المبكر إصدار حكم نهائي على هذا الأمر، وربما يمكن القول إن تصور ابتعاد إسرائيل الكامل عن أميركا والاعتماد المطلق على أوروبا تحليل يفتقر إلى أسس نظرية قوية.

لكن مما لا شك فيه أنه يمكن اعتبار تعارض المصالح بين أميركا وإسرائيل في الشرق الأوسط حقيقة مؤكدة، ويمكن الاستفادة من هذا التناقض لتقليل التهديدات ضد إيران. كيف؟ يبدو أن تعزيز العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون، وخصوصاً السعودية، يمكن أن يخلق سيناريو متعدد المكاسب بالنسبة لإيران، أحدها الاستفادة المثلى من تعارض المصالح بين أميركا وإسرائيل لصالح إيران.

ويحمل تحسين وتطوير العلاقات بين إيران والسعودية في الظروف الحالية المكاسب التالية لإيران:

1- تطوير العلاقات مع السعودية يفعّل لوبي السعودية في الولايات المتحدة لإبعاد الحرب عن المنطقة؛

2- يدفع الولايات المتحدة نحو اتفاق مقبول للطرفين مع إيران؛

3- يؤجل لوقت طويل عملية تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، والتي تُعد بحد ذاتها 7 أكتوبر ثانية، وتغير بنية القوة في العالم الإسلامي على حساب إيران؛

4- يضعف مخطط إسرائيل لإيجاد استقطاب ثنائي بين إيران والعرب، ومشروع تهميش أو استبعاد إيران من الترتيبات السياسية والاقتصادية في المنطقة؛

5- تعزيز العلاقات مع السعودية في إطار مستقر قائم على الموارد الداخلية والجيوسياسة الإقليمية والضرورات النظامية يعزز الاستقرار في الخليج ويفعّل عناصر الاندماج الإقليمي الداخلي؛

6- تطوير العلاقات مع السعودية يسهل سياسة الجوار الإيرانية مع باقي الدول العربية، ويفتح الطاقات السياسية والاقتصادية لإيران في المنطقة.

 

محمد حسيني
السفير الإيراني السابق لدى المملكة العربية السعودية وخبير كبير في الدراسات الإقليمية

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى