“خسائر فادحة”… عجز الطاقة في إيران يضرب الصناعات الحيوية

إن عجز الطاقة يعمل كحلقة مترابطة تبدأ بتكبيد المنتجين خسائر مباشرة، ثم تؤثر سلبًا على الاقتصاد الوطني، لتنعكس في نهاية المطاف على معيشة المواطنين وجودة حياتهم.

ميدل ايست نيوز: خلال السنوات القليلة الماضية، ومع تصاعد عجز الطاقة في إيران، تكررت التحذيرات بشأن التحديات التي يسببها انقطاع الكهرباء للصناعات المختلفة، دون الكشف عن تفاصيل أو آليات واضحة حول حجم الأضرار. فمثلاً، يتسبب انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ في قطاعات حساسة مثل صناعة الأغذية بتحويل كامل المواد الخام في خطوط الإنتاج إلى نفايات. أما في صناعات مثل الإسمنت والصلب، فإن التوقف المفاجئ لأفران الإنتاج لا يؤدي فقط إلى خسائر مالية، بل يُعرض أيضًا سلامة العاملين للخطر. ومن هنا، تكتسب دراسة الأثر المباشر لانقطاع الكهرباء وأضرار عجوزات الطاقة على مختلف القطاعات الصناعية أهمية خاصة.

أثر مدمر على صناعة الألبان

وجاء في تقرير لصحيفة دنياي اقتصاد، أن صناعة الألبان تُعد من أكثر الصناعات تأثرًا بانقطاع الكهرباء، إذ تؤدي هذه الانقطاعات إلى تعطيل شامل في عمليات الإنتاج. يبدأ الأمر من المزارع؛ حيث يجب حلب الأبقار ثلاث مرات يوميًا في أوقات محددة. إذا لم يتم الحلب في وقته، تصاب الأبقار بمشاكل صحية مثل التهاب الضرع، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج، ووقوع خسائر مالية للمزارعين، وحتى احتمال نفوق الحيوانات.

وفي حال تزامن انقطاع الكهرباء مع ارتفاع درجات الحرارة وضعف التهوية داخل المزارع، تنخفض الإنتاجية بنسبة قد تصل إلى 30%. كما أن ارتفاع الحرارة يمنع الأبقار من تناول الطعام بشكل طبيعي، ما يؤدي إلى أمراض إضافية وانخفاض في إنتاج الحليب.

بعد الحلب، يجب تبريد الحليب بسرعة. وإذا تعطلت سلسلة التبريد نتيجة انقطاع الكهرباء، يزداد الحمل الميكروبي في الحليب، ويصبح غير صالح للاستهلاك. كما أن عدم توفر الكهرباء في المصانع يمنع تفريغ الحليب من الصهاريج، ما يؤدي إلى فساده السريع باعتباره منتجًا سريع التلف.

إلى جانب ذلك، تتسبب الانقطاعات المتكررة في تلف الآلات، وترفع تكاليف الصيانة أو شراء قطع الغيار، خاصة إذا كانت مستوردة.

تكاليف باهظة لإصلاح معدات مصانع الإسمنت

تُعد صناعة الإسمنت من القطاعات الحيوية الأخرى المتأثرة بشدة بانقطاعات الكهرباء. في هذه الصناعة، يتم تنفيذ القيود على التيار الكهربائي تدريجيًا؛ تبدأ بوقف عمل الأفران، ثم تتوسع لتشمل توقف المطاحن.

إعادة تشغيل الأفران تتطلب استهلاك وقود لمدة 30 ساعة تقريبًا، للوصول إلى درجة حرارة تتجاوز 1200 درجة مئوية، وهي الحرارة اللازمة لعملية الحرق.

كما أن انقطاع التيار يُلحق أضرارًا بالبطانة المقاومة للنار داخل الأفران، حيث تتسبب هذه الانقطاعات في تشققات تؤثر على عمر وكفاءة الطبقات الداخلية للأفران. هذه الأفران يجب أن تعمل بشكل متواصل لمدة ستة أشهر حتى موعد الصيانة الدورية، لكن الانقطاعات غير المتوقعة، التي قد تحدث دون إشعار مسبق أو بمهلة لا تتجاوز الساعة الواحدة، تتسبب في تعطيل خطير للإنتاج.

هذه الاضطرابات تُسرّع من تقادم المعدات. ووفقًا لحجم الأفران، تتراوح تكلفة إصلاح فرن واحد بين 40 و50 مليار تومان، ما يضيف عبئًا كبيرًا على المنتجين. كما أن قِصر عمر المواد المقاومة للنار نتيجة هذه الانقطاعات ينعكس سلبًا على جودة الإنتاج ويرفع الكلفة النهائية.

توقف قسري في قطاع الصلب

تُعد صناعة الصلب من أكثر الصناعات المتضررة من انقطاع الكهرباء. هذه الصناعة لا تكتفي بدورها المحوري في البنية التحتية المحلية، بل تسهم أيضًا بشكل كبير في توفير العملة الأجنبية عبر التصدير.

آلية عمل أفران الصلب تقتضي عدم انطفائها، إذ إن إعادة تشغيلها بعد التوقف بحتاج إلى يومين أو ثلاثة، ويُهدر خلالها قدر كبير من الطاقة. ولذلك، يفضل العاملون في هذا القطاع التوقف الكامل عن العمل أثناء فترات انقطاع الكهرباء، في انتظار تأمين مصادر طاقة مستقرة تضمن استمرارية عمل الأفران.

تُحدث اضطرابات الكهرباء تأثيرًا مباشرًا على جودة المنتجات الفولاذية، في وقت ترتفع فيه تكاليف الإنتاج. ومع تزايد التكاليف، يُضطر المنتجون إلى استخدام مواد خام أقل جودة، ما يؤدي في النهاية إلى انخفاض مستوى المنتج النهائي.

وقد تسبب عجز الطاقة العام الماضي في تقليص فترة العمل المفيدة لصناعات الصلب الإيرانية إلى ما لا يقل عن ثمانية أشهر من أصل 12 شهرًا، رغم أن المنتجين تكبدوا تكاليف الإنتاج لكامل العام. ويؤكد العاملون في هذا القطاع أن الوضع هذا العام أكثر سوءًا، مع توقعات بألا يتجاوز الإنتاج المفيد سبعة أشهر.

في المحصلة، فإن عجز الطاقة يعمل كحلقة مترابطة تبدأ بتكبيد المنتجين خسائر مباشرة، ثم تؤثر سلبًا على الاقتصاد الوطني، لتنعكس في نهاية المطاف على معيشة المواطنين وجودة حياتهم.

اقرأ أكثر

انخفاض إنتاج الصلب في إيران بنسبة 4.8% خلال الربع الأول من العام الإيراني الجاري

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى