من الصحافة الإيرانية: طهران – أوروبا بين التفاعل والمواجهة

إن الأمل في الدبلوماسية يبقى قائماً، حيث يتمثل دورها في تحويل المستحيل إلى ممكن، إلا إذا قررت الإرادات الوطنية والسياسية خلاف ذلك.

ميدل ايست نيوز: شهدت العلاقات بين طهران وأوروبا خلال العقود الأربعة الماضية دورة مستمرة من التوتر والتعاون، متأثرة بثلاثة عوامل رئيسية. أولاً، المبادئ الثابتة للسياسة الخارجية الإيرانية ونظرتها الثورية للنظام الدولي؛ ثانياً، طبيعة العلاقات بين طهران وواشنطن من حيث الجودة والكمية؛ ثالثاً، مدى توافق أوروبا مع واشنطن وتل أبيب في اللحظات الحرجة، حيث كانت طهران تأمل في أن تلعب أوروبا دوراً مستقلاً عن الأطلسي.

وقال الصحفي والكاتب الإيراني، جلال خوش جهره، في تقرير نشرته صحيفة ابتكار، إن نقاط الخلاف التقليدية بين أوروبا وطهران تتركز حول البرنامج النووي الإيراني والتزامات طهران بموجب الاتفاق النووي، وقدرات الصواريخ الإيرانية، وتوجه السياسة الخارجية الإيرانية نحو الشرق، ومستوى علاقات الأوروبيين مع خصوم إيران الإقليميين، وقضايا الإرهاب، وأمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، إضافة إلى ملف حقوق الإنسان. وقد استمر هذا التوازن بين التوتر والتعاون على مدى عقود، دون أن يصل إلى حسم واضح، إلا أن العلاقات بقيت مستقرة نسبياً.

والأهم في الوقت الراهن أن أوروبا تعتمد أسلوباً مختلفاً في تعاملها مع إيران، حيث استبدلت الدبلوماسية التقليدية المبنية على “التعاون والتوتر” بأسلوب “الإجبار والتوافق”، مؤكدة على نهج متشابه مع ما تتبعه واشنطن لإجبار طهران على الاستجابة لمطالبها. وبهذا، باتت أوروبا وواشنطن تتحدثان اليوم بصوت واحد تجاه إيران، على عكس الماضي الذي كان يسمح بتباين المواقف عبر الأطلسي.

ويأتي اجتماع اليوم الثلاثاء، الذي يجمع نواب وزراء الخارجية الإيرانيين ونظرائهم الأوروبيين في جنيف، ضمن هذا السياق الجديد. ففي حين كانت الاجتماعات السابقة مزيجاً من التهديد والضغط، يركز الأوروبيون اليوم على عنصر التهديد عبر التهديد بتفعيل “آلية الزناد” وإحالة النزاعات النووية إلى مجلس الأمن، مما يضع طهران تحت ضغط اتخاذ القرار.

وترى طهران ومعظم المراقبين أن هذا النهج لا يمكن أن يقود إلى نقطة توازن في الوصول إلى اتفاق أو تعامل بنّاء، بل يسعى الأوروبيون، بالتنسيق مع واشنطن وتل أبيب، إلى إظهار طهران على أنها متعنتة وغير مرنة أمام المجتمع الدولي، على الرغم من أن الخبرة العملية تشير إلى أن أوروبا يمكن أن تلعب دوراً مستقلاً يرتكز على مصالحها الاقتصادية والأمنية، كما ظهر في مفاوضات الحرب الأوكرانية وتجربة إدارة ترامب.

وإذا كانت أوروبا تسعى فعلاً لإبرام اتفاق مع طهران، فإن نهجها يجب أن يكون “مبنياً على المصالح”، يتضمن تقييم التكلفة والفائدة لكل طرف، والتفكير السياسي في المصلحة العامة، بما يسمح بالوصول إلى نقطة توازن عبر المفاوضات والحسابات الدقيقة للمكاسب والخسائر. أما اعتماد سياسة القوة والضغط، والمشاركة مع واشنطن في خطوات مثل الضغط الأقصى، وتهديد تفعيل آلية الزناد، والتهديدات العسكرية، فلن يؤدي إلا إلى تصعيد الأزمة وإفشال الاجتماعات مثل تلك التي عقدت في إسطنبول، مع استحالة توقع موقف معتدل من طهران في ظل غياب المقابل الملحوظ.

ولا تزال المراقبة والمقارنة تشير إلى أن نصف المباراة قد بدأ للتو، وأن النصف الثاني من “اللعب” سيكون حاسماً في تحديد مواقف الطرفين. ورغم تاريخ طويل من التوتر والتعاون، فإن الأمل في الدبلوماسية يبقى قائماً، حيث يتمثل دورها في تحويل المستحيل إلى ممكن، إلا إذا قررت الإرادات الوطنية والسياسية خلاف ذلك.

اقرأ المزيد

من الصحافة الإيرانية: ما الذي تستطيع إيران مقايضته للحصول على تنازلات على طاولة المفاوضات النووية؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى