مصادر: الحكومة العراقية تسحب مشروع قانون الحشد الشعبي
قال نواب في البرلمان العراقي إن الحكومة سحبت مشروع قانون الحشد الشعبي من البرلمان، بعد موجة من الاعتراضات الأميركية وتصاعد الخلافات بين الكتل السياسية بشأن بنود القانون وتوقيته.

ميدل ايست نيوز: قال نواب في البرلمان العراقي، لموقع “العربي الجديد“، إن الحكومة سحبت مشروع قانون الحشد الشعبي من البرلمان، بعد موجة من الاعتراضات الأميركية وتصاعد الخلافات بين الكتل السياسية بشأن بنود القانون وتوقيته. ويأتي هذا التراجع ليعكس حجم الضغوط الخارجية والتباينات الداخلية التي تحيط بملف الحشد الشعبي والفصائل المسلحة المنضوية تحت هذا الغطاء.
وجاء قرار الحكومة في وقت تشهد فيه البلاد توتراً متزايداً على الساحة الأمنية والسياسية، وسط انقسام حاد حول مستقبل الحشد الشعبي ودوره ضمن هيكلية الدولة، ما يعكس تعقيدات التوازن بين النفوذ الخارجي والاعتبارات الوطنية.
وقال النائب العراقي هادي السلامي، لـ”العربي الجديد”، إن “الحكومة أقدمت قبل أيام، بشكل مفاجئ، على سحب قانون الحشد الشعبي، رغم قراءة القانون مرتين داخل مجلس النواب، وهو جاهز للتصويت. سحبه يثير علامات استفهام كثيرة، خصوصاً في ظل الموقف الأميركي المعلن والواضح ضد القانون”.
وأضاف السلامي أن “الحكومة العراقية مطالبة ببيان أسباب الإقدام على سحب القانون، وهل هو تماشٍ مع فرض الإرادة الأميركية، أم هناك أسباب أخرى؟ نحن قدمنا أسئلة برلمانية رسمية للحكومة بخصوص هذه الخطوة وننتظر الاجابة، لكن لغاية الآن لا إجابة، والموقف الحكومي مبهم”.
من جهته، أكد حسين المالكي، عضو ائتلاف “دولة القانون”، الذي يتزعمه نوري المالكي، وهو أحد مكونات الائتلاف الحاكم بالعراق “الإطار التنسيقي”، هذه المعلومة.
وقال في اتصال عبر الهاتف من بغداد، إن “سحب الحكومة للقانون ليس بسبب الضغوط الأميركية، لكن بسبب بنود متعلقة بالتقاعد لأفراد الحشد الشعبي، وبعض الأطراف ترى إحالة رئيس الهيئة فالح الفياض على التقاعد في هذه الظروف غير صحيح، وهذا ما سبب خلافاً شيعياً داخلياً”، على حد تعبيره. وبين المالكي أنه “بعد هذه الإشكاليات صارت هناك حاجة لصياغة قانون جديد خاص بهيكلة الحشد الشعبي، وأيضاً القانون كان عليه خلافات، وكذلك ردود أفعال خارجية وبخاصة من قبل واشنطن. نعم حالياً مجلس النواب خالٍ من أي قانون يخص الحشد الشعبي”.
تداعيات سحب قانون الحشد الشعبي
وأضاف أن “سحب قانون الحشد الشعبي بهذا التوقيت والظروف ستكون له تداعيات، فيجب أن يكون هناك قانون ينظم عمله حتى لا يبقى الحشد الشعبي محل تهديد أو اعتراض عليه، داخلياً أو خارجياً، والحكومة مطالبة بتوضيح قرارها سحب القانون بشكل عاجل وإرجاعه لغرض تمريره، فهو جاهز للتصويت منذ أيام طويلة، وكان يفترض عرضه للتصويت خلال جلسات البرلمان بالأيام القليلة الماضية”.
الخبير بالشأن السياسي العراقي والمقرب من التيار الصدري مجاشع التميمي قال، لـ”العربي الجديد”، إن قرار سحب مشروع قانون الحشد الشعبي من البرلمان “جاء في ظل تفاعلات سياسية ضاغطة، آخرها لقاء بين النائب الأول لرئيس مجلس النواب، محسن المندلاوي، والقائم بالأعمال في السفارة الأميركية في بغداد ستيفن فاجين، أُكِّد فيه أهمية إعادة النظر في التوقيت المناسب لطرح القانون”.
وأضاف: “كما تزامن ذلك مع اتصالات مباشرة بين رئيس الوزراء العراقي ووزير الخارجية الأميركي (ماركو روبيو)، تناولت أبعاد الموضوع وانعكاساته على العلاقات الثنائية، وفي السياق ذاته، صدرت تصريحات من السفير البريطاني في بغداد عرفان صديق شددت على ضرورة عدم المضي بالتصويت في الوقت الحالي، بما يعكس وجود مقاربة دولية موحدة تجاه الملف”.
وبيّن أن “قرار السحب، وإن كان المعلن أنه يتم في إطار مراجعة داخلية لضمان التوافق الوطني، إلا أن المؤشرات توضح أن الضغوط الأميركية والبريطانية أسهمت بوضوح في بلورة هذا الموقف الحكومي، حفاظاً على التوازن السياسي والدبلوماسي”.
في المقابل، قال الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية علي ناصر إنه “بعد التغييرات الجيوسياسية الأخيرة في الشرق وتهديدات إسرائيل للعراق، برز محور قوي في البرلمان العراقي يطالب بإقرار قانون للحشد الشعبي، حتى إنه وصلت دعوات إلى الحضور في البرلمان بالزي العسكري الخاص بالحشد الشعبي، لكن الضغوط الخارجية والتهديدات الاقتصادية من قبل الولايات المتحدة، إضافة إلى الانسحاب العسكري من القواعد الأميركية في العراق أثرت في الملف”.
ترحيل القانون للدورة المقبلة
وبيّن ناصر أن “قانون الحشد سيُرحَّل إلى الدورة النيابية المقبلة. الولايات المتحدة تسيطر على اقتصاد العراق الريعي المعتمد على النفط بالأساس، إضافة إلى أنها تعتبر الضامن الوحيد لتجنب ضربات إسرائيل والطيران في الأجواء العراقية، لهذا سيُرحَّل القانون إلى دورة البرلمان المقبلة، وفي هذه الفترة الحرجة لا يتوقع أن يحسم البرلمان القانون”. واعتبر أن سحب القانون سببه الرئيس “عدم الدخول بأي مواجهة مباشرة مع واشنطن التي كان موقفها واضحاً بالرفض الشديد له، ولهذا القانون لن يرى النور. وحتى في البرلمان العراقي الجديد، هناك صعوبة في تمريره في ظل الرفض الخارجي والداخلي أيضاً”.
ونشرت الدائرة الإعلامية للبرلمان العراقي جدول الأعمال الخاص بـ3 جلسات مرتقبة خلال الأسبوع الحالي، خلت جميعها من ذكر مشروع قانون الحشد الشعبي الذي تسعى بعض الأحزاب العربية الشيعية، وممثلي الفصائل المسلحة في البرلمان لإقراره، ما يشير إلى خلافات قادت إلى شطبه من جدول الأعمال، أو التوجه نحو إجراء تعديلات على نصوصه، والتنازل عن بعض الامتيازات لأجل طرحه في وقت لاحق لغرض التصويت.
وكان العشرات من أعضاء مجلس النواب قد تجهزوا من أجل ارتداء زي الحشد الشعبي (المظلة الجامعة لأكثر من 70 فصيلاً مسلحاً، تُصنّف واشنطن عدداً منها على لائحة الجماعات الإرهابية). وسبق هذه الخطوة تحشيد واسع بادر به أعضاء من المجلس، مدعومون بحملة إعلامية وسياسية واسعة، من أجل التوصل إلى عدد الأصوات الكافية لتمرير القانون في البرلمان، الذي شهد خلافات سياسية حول تمريره، ولا سيما بعد تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، مايكل ميتشل، أخيراً، بأنه من المرجّح فرض عقوبات اقتصادية أميركية على العراق، في حال إقرار قانون الحشد الشعبي، في إطار حملة “الضغط الأقصى على إيران”.
وسبق أن تعثرت عدة محاولات للقوى العربية الشيعية، مدعومة بالفصائل المسلحة، في تمرير التصويت على مشروع قانون الحشد الشعبي داخل البرلمان العراقي. هذا التعثر يعزوه نواب في قوى “الإطار التنسيقي” الحاكم بالبلاد، إلى الغياب المتعمّد لأعضاء البرلمان من الكتل السنية والكردية الرافضة للقانون، بالإضافة إلى نواب الأحزاب المدنية، الأمر الذي عطّل التصويت. لكن الواقع يؤكد أن بإمكان القوى الشيعية تمرير القانون بأغلبية مريحة تمتلكها في البرلمان، وهو ما يؤكده مراقبون ومختصون بالشأن العراقي، لكن الرفض الأميركي، والقلق من رد فعل واشنطن الرافضة لمشروع القانون، وما سيترتب عنه من تبعات سياسية على العراق، بات العامل الأول في تأخر إقراره.