من الصحافة الإيرانية: الحلقة المفقودة في العلاقات بين طهران والرياض

يمكن النظر إلى اللقاءات رفيعة المستوى والمنتظمة نسبيًا بين كبار المسؤولين في إيران والسعودية خلال العامين ونصف الماضيين على أنها إحدى النقاط المحورية في إدارة هذه العلاقة التي جرى إحياؤها.

ميدل ايست نيوز: يمكن النظر إلى اللقاءات رفيعة المستوى والمنتظمة نسبيًا بين كبار المسؤولين في إيران والسعودية خلال العامين ونصف الماضيين على أنها إحدى النقاط المحورية في إدارة هذه العلاقة التي جرى إحياؤها، حيث تمكنت في ظل تصاعد التوترات الإقليمية ونشاط الانقسامات في المنطقة من التدرج نحو فهم جديد لضرورات ومعطيات سياسة حسن الجوار.

وفي مقال نشره الباحث في قضايا الخليج، كامران كرمي، على صحيفة دنياي اقتصاد، قال إن نقطة الضعف الأساسية في هذه العلاقة ما زالت غياب إطار تعاون مشترك يمثل خريطة طريق للعلاقات، وكان يفترض أن يُدرج ذلك ضمن أجندة زيارة رسمية رفيعة المستوى بين رئيس الجمهورية الإيرانية وولي عهد السعودية، وهي خطوة كان من شأنها أن تترك أثرًا إضافيًا في البعدين الاقتصادي والمالي لهذه العلاقات.

من دون التوصل إلى مثل هذا النموذج، ومع الأخذ في الاعتبار تجربة خفض التوتر المؤقت بين طهران والرياض خلال الفترة من 1997 حتى 2003، وفي ظل استمرار التوترات وحيوية الانقسامات الإقليمية، فإن هذه العلاقة ستظل عرضة للتأثر بالخلافات، ما قد يعيد البلدين إلى مسار التوتر مجددًا، أو على الأقل – في سيناريو متفائل – يضعها أمام عقبات وهزات متكررة.

ولتفادي الانزلاق إلى مثل هذا المسار، يتعين أولًا أن يتوصل المسؤولون الأمنيون والسياسيون في البلدين إلى تفاهم مشترك بشأن مسار بناء الثقة، ثم اتخاذ خطوات محددة وواضحة نحو تعاون اقتصادي. ومن هذه الزاوية تتضح أهمية زيارة علي لاريجاني، بصفته شخصية سياسية وأمنية رفيعة، إلى الرياض ولقائه وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان. وتطرح هذه الزيارة عدة تساؤلات: لماذا جرت الآن؟ ما التطورات الداخلية أو الإقليمية التي أملت الحاجة إليها؟ ما الأهداف المعلنة وغير المعلنة للطرفين؟ وما دور الفاعلين الإقليميين والدوليين في التأثير على هذا المسار؟

من الصحافة الإيرانية: ما الأبعاد التي تحملها زيارة لاريجاني إلى السعودية؟

تأتي هذه الزيارة بمثابة رد على الزيارة المهمة التي قام بها وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى طهران في أواخر أبريل الماضي، والتي عُدت حدثًا بارزًا في مسار العلاقات الثنائية. ورغم أن توسيع التعاون الاقتصادي يُطرح كشعار رئيسي، إلا أن تفاصيله لا تزال غير واضحة، إذ لم يُحدد بعد ما هي المشاريع أو المؤشرات العملية المستهدفة. وعليه، فإن البعد الاقتصادي لزيارة لاريجاني يبدو أقرب إلى رسالة سياسية ورمز دبلوماسي أكثر منه اتفاقات تنفيذية فورية. ورغم وجود طاقات حقيقية للتعاون، فإن العقوبات وانعدام الثقة يحولان دون استثمارها في المدى القصير أو المتوسط. وما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة يقتصر على عقد اجتماعات اقتصادية مشتركة، وتنشيط السياحة الدينية، وتسيير رحلات جوية منتظمة، وبعض المبادلات التجارية الصغيرة.

أما المجالات التي يمكن أن تُبحث مستقبلًا – في حال استقرت العلاقات – فهي مشاركة إيران بخدماتها الفنية والهندسية في مشاريع السعودية، والتعاون في إطار “أوبك بلس”. كما أن انخراط شركات إيرانية في مشاريع البنية التحتية السعودية، في ظل حاجة “رؤية 2030” إلى مقاولين، يظل خيارًا مطروحًا، إضافة إلى إمكانية استثمار سعودي محدود في قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية في إيران بالنظر إلى أهمية الأمن الغذائي بالنسبة للرياض. وفي ملف الممرات التجارية، يمكن لإيران أن تُشكّل مسارًا لوصول السعودية إلى آسيا الوسطى والعكس، وهو ما يعزز مكانتها في ظل مشروع التعاون المشترك بين مجلس التعاون وآسيا الوسطى.

وفي البعد الأمني الأكثر حساسية، تعتبر السعودية أن قضية اليمن تمثل أولوية قصوى، فيما تركز إيران على القضايا الاقتصادية. وترتبط هاتان الأولويتان بعامل واحد محوري هو الأمن الإقليمي. ورغم التباينات الجوهرية بين الطرفين بشأن تفاصيل هذا الملف، فإن عنصر الاستقرار بات عاملًا مشتركًا بين صناع القرار في الرياض وطهران. ويمكن للجانبين، عبر التركيز على المخاوف المشتركة، تضييق هوة الخلافات وتقليص عوامل التوتر. صياغة إطار قائم على مبدأ “رابح-رابح” وتبادل التنازلات المدروسة قد يُسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي.

ولكي تقترب الرؤى الأمنية بين البلدين، من الضروري أن يُظهر كل طرف مرونة وانفتاحًا، وأن يستفيد من تحركات إسرائيل التصعيدية في المنطقة كفرصة لتقريب المواقف. وفي هذا السياق، فإن انخراط إيران في نهج إقليمي شامل – يضم دولًا مثل مجلس التعاون، باكستان، تركيا، مصر، العراق والأردن – يشكّل خطوة أساسية، لكنها تحتاج إلى نقاش جدي على مستويات صنع القرار.

الخطوة الأولى لتحقيق مثل هذا التفاهم تكمن في إدراك الديناميات الجديدة للمنطقة، وتبنّي منطق المصالح النسبية بدلًا من التمسك بالمصالح المطلقة. فإيران مطالَبة بالإقرار بأن الشرق الأوسط في 2025 يختلف جذريًا عن الشرق الأوسط ما قبل أعوام قليلة. وبعد عقود من انتهاج سياسة خارجية تعتمد على الاكتفاء الذاتي والاستقلالية، من دون بناء تحالفات أو شراكات، عليها أن تعيد النظر في مقاربتها الإقليمية وتتجه نحو صيغ تعاون ومشاركة. هذا التحول لا يعني التنازل عن مبادئ السياسة الخارجية، بل يمثل ضرورة وفرصة جديدة في نهجها الشرق أوسطي.

الاكتفاء بالحديث عن التعددية وتبدلات النظام الدولي وتراجع النفوذ الأميركي لن يعود على إيران بقيمة مضافة، بل يجب أن يتحقق ذلك عبر التعاون والتكامل الإقليمي. ويبقى السؤال المطروح: هل ذهب لاريجاني إلى الرياض بهذا الفهم للديناميات الجديدة، أم سيعود من الرياض محمّلًا بإنجازات تُترجم هذا النهج؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى