الصحافة الإيرانية: هل تشارك القوات الباكستانية في حفظ السلام في غزة؟

تسعى واشنطن إلى إشراك باكستان في إطار خطة شاملة لإعادة تشكيل قطاع غزة، تحت غطاء مبادرة "السلام" ذات العشرين مادة التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ميدل ايست نيوز: تسعى واشنطن إلى إشراك باكستان في إطار خطة شاملة لإعادة تشكيل قطاع غزة، تحت غطاء مبادرة “السلام” ذات العشرين مادة التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتتمحور هذه المبادرة حول إنشاء قوة دولية لتثبيت الأوضاع، تتولى مهمة تنفيذ “الاستقرار الداخلي” في المنطقة الفلسطينية المدمّرة.

وقالت صحيفة هم ميهن في تقرير لها، إن تفاصيل هذه المبادرة قد تثير مخاوف داخل باكستان، إذ إن أي تعاون عسكري مع إسرائيل يُعدّ خطاً أحمر بالنسبة للحكومة والشعب، نظراً لأن إسلام آباد لا تعترف بإسرائيل. وقد تصاعدت ردود الفعل الشعبية منذ الكشف عن احتمال مشاركة باكستان إلى جانب القوات المصرية والأردنية في هذه الخطة.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت باكستان ستقبل خطة واشنطن لنشر قوات مشتركة من “دول إسلامية متشابهة التفكير” لنزع السلطة من حركة حماس. وقد شكك عدد من الخبراء والمفكرين والسياسيين الباكستانيين في هذا الاقتراح، لكن الواقع يشير إلى أن الاتفاق الأمني الذي وقعته السعودية مع باكستان قبل أسابيع قد يمهد الطريق لمشاركة الأخيرة في غزة، ويشجع الحكومة الباكستانية على اتباع نهج أكثر براغماتية. فباكستان تعتمد بشكل كبير على الدعم المالي السعودي، وتعمل في المقابل على تلبية احتياجات الرياض الأمنية.

وفي مؤتمر صحفي عُقد في 30 سبتمبر، كشف نائب رئيس الوزراء الباكستاني إسحاق دار أن خطة العشرين مادة تختلف اختلافاً كبيراً عمّا تم الاتفاق عليه في واشنطن في البداية. وجاءت تصريحاته وسط تصاعد الدعوات للشفافية من جانب القادة السياسيين والمجتمع المدني، الذين يتهم كثير منهم إسلام آباد بالرضوخ لمطالب واشنطن دون تحقيق إجماع وطني.

ولا تزال ذاكرة الباكستانيين تحتفظ بموقف بلادهم الرافض للانضمام إلى التحالف الذي قادته السعودية والإمارات ضد قوات أنصار الله في اليمن. لكن منذ ذلك الحين تغيّرت أوضاع المنطقة بشكل كبير، وأصبحت باكستان بحاجة ماسة إلى الموارد المالية لتقوية موقعها في التنافس الأمني والعسكري والاستخباراتي مع الهند. ففي عام 2015، صوّت البرلمان الباكستاني بالإجماع لصالح الحياد، محذراً من مخاطر الحرب ضد دولة مسلمة ومن تفاقم الانقسامات الطائفية. آنذاك، رفض رئيس الوزراء نواز شريف طلب السعودية للمشاركة في حرب اليمن، مبرراً موقفه برفض البرلمان لأي تدخل عسكري.

إلا أن التطورات الأخيرة في الصراع الهندي الباكستاني أعادت طرح تساؤلات داخل البلاد حول قدرة باكستان على تحمّل الأعباء الاقتصادية في حال اندلاع مواجهة جديدة مع الهند، ومدى صمودها أمام تبعات نزاع طويل الأمد. وهنا تحديداً يظهر الدور السعودي وموارده المالية الضخمة، حيث يُعتقد أن الاتفاق الأمني الأخير بين الرياض وإسلام آباد تضمن صفقة متبادلة بين الطرفين.

ويرى بعض المراقبين في باكستان أن مشاركة البلاد في جهود “الأمن والسلام في غزة” لا تتعارض بالضرورة مع سياستها الرافضة للاعتراف بإسرائيل. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن الوجود الباكستاني ضمن أي ائتلاف لضمان الأمن في غزة سيعني شكلاً من أشكال التنسيق غير المباشر مع الجيش الإسرائيلي.

وتواجه هذه الفكرة تحدياً آخر يتمثل في انعدام ثقة تل أبيب بالمؤسسة العسكرية الباكستانية، والتهديدات الإسرائيلية الأخيرة باستهداف الأصول النووية الباكستانية بسبب دعمها لإيران خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً. ومع ذلك، فإن مجرد طرح فكرة مشاركة باكستان في خطة ترامب للسلام يشير إلى احتمال أن الجيش الباكستاني قد بعث بإشارات استعداد لتسوية ما مع إسرائيل، رغم عدم وجود تأكيدات أو معلومات رسمية بهذا الشأن حتى الآن.

رغم ذلك، توجد دوافع تسهّل مشاركة باكستان في خطة ترامب للسلام. أولاً، لأن كلاً من باكستان ومصر والأردن دول ذات أنظمة يهيمن عليها الجيش، ما يجعل التنسيق بينها أسهل في إدارة الشؤون الأمنية في غزة. كما يمكن للحكومة الباكستانية تبرير وجودها هناك بأنه يأتي لمنع المزيد من المجازر، وإنقاذ المدنيين الفلسطينيين من الإبادة الجماعية والمجاعة.

وفضلاً عن ذلك، تمتلك باكستان تاريخاً من المساعدات العسكرية للدول العربية. فخلال حرب الخليج، أرسلت قوات إلى السعودية للمساعدة في تأمينها. كما عززت الثورة الإيرانية التعاون العسكري بين الرياض وإسلام آباد، ما أدى إلى توقيع بروتوكول دفاعي جديد عام 1982، سمح لباكستان بنشر قوات داخل السعودية حتى عام 1987.

أما في مجال المناورات المشتركة، فقد أطلق البلدان تدريبات “نسيم البحر” البحرية منذ عام 1993، إضافة إلى مناورات جوية وبرية منتظمة، منها تمرين “الصقور” المشترك بين القوات الجوية. وتواصلت المناورات الكبرى تحت اسم “الصمصام”، وكان آخرها في عام 2022. كما نظمت قوات النخبة تدريبات مستقلة باسم “الشهاب والبتار”، وأُضيف مؤخراً تمرين جديد بعنوان “الکسا” يركّز على مواجهة القنابل اليدوية الصنع.

كما تمتلك باكستان علاقات دفاعية قوية مع سلطنة عمان، إذ ساعدت قواتها في قمع تمرد ظفار خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. أما مع الكويت، فقد بقيت العلاقات ودّية رغم امتناع باكستان عن الانضمام إلى التحالف الدولي لتحرير الكويت عام 1990، لكنها شاركت لاحقاً في عمليات إزالة الألغام.

وفي الأردن، ساعدت باكستان المملكة خلال أحداث “أيلول الأسود” عام 1970 ضد المجموعات الفلسطينية. حينها تولى الجنرال ضياء الحق – الذي أصبح لاحقاً رئيساً لباكستان من 1977 حتى 1988 – قيادة الفرقة الثانية الأردنية، وأسهم في دعم الملك حسين. وقد خدم ضياء في الأردن بين عامي 1967 و1970، حيث أشرف على تدريب الجيش الأردني ويُحظى حتى اليوم بتقدير كبير هناك لدوره في تلك الأزمة.

أما في سوريا، فقد ساعدت باكستان خلال حرب 1967 ضد إسرائيل. فقد أسقط الطيار الباكستاني ستار علوي، الذي شارك ضمن سلاح الجو السوري، مقاتلة إسرائيلية من طراز “ميراج” أثناء قيادته طائرة “ميغ 21”. كما تمكن الطيار الباكستاني سيف الأعظم من إسقاط أربع طائرات إسرائيلية خلال حرب الأيام الستة. وقد توفي في يونيو 2020 عن عمر ناهز 79 عاماً.

من جهة أخرى، تسعى باكستان إلى كسب اهتمام الولايات المتحدة في موازنتها مع الهند. فمنذ المواجهة القصيرة بين البلدين في مايو الماضي، أبدت واشنطن تقارباً متزايداً مع إسلام آباد. ففي الشهر الماضي، التقى رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير بالرئيس ترامب في المكتب البيضاوي، حيث أشار ترامب إلى أن المزيد من الدول الإسلامية ستنضم قريباً إلى اتفاقات أبراهام، وأشاد بتنسيق باكستان مع مبادرته للسلام.

إلى جانب ذلك، فإن العلاقات المتنامية بين باكستان وواشنطن لا تقتصر على غزة. ففي أكتوبر الماضي، سلّمت باكستان أول شحنة من العناصر الأرضية النادرة المكرّرة إلى شركة المعادن الاستراتيجية الأمريكية (USSM)، في إطار عقد بقيمة 500 مليون دولار وُقّع مع “فرونتير ووركس” الذراع التجارية للجيش الباكستاني.

وتميل معظم دول المنطقة، بما فيها قطر وتركيا، إلى تسوية أزمة غزة بأي شكل ممكن خشية تداعياتها الأمنية الإقليمية، إذ يرون أن استمرارها يمنح إسرائيل ذريعة لمواصلة سياساتها العسكرية في المنطقة. والمثير أن خطة ترامب تتضمن دوراً محورياً للقوات الأمنية العراقية المدعومة من واشنطن، والتي تضم قسماً كبيراً من الجنود الباكستانيين.

ومع ذلك، فإن مشاركة باكستان في الخطة لن تكون سهلة، وقد تواجه اعتراضات داخلية، خصوصاً من الرأي العام الذي يعارض بشدة أي تعاون مع إسرائيل. لكن في المقابل، فإن رفض باكستان لمقترح ترامب قد يعرّضها لضغوط أمريكية ويثير غضب السعودية، خاصة في ظل التوترات المتزايدة مع الهند. حتى الآن، تُظهر الحكومة الباكستانية ميلاً نحو البراغماتية، ويبقى السؤال مطروحاً: هل سيواصل شهباز شريف والجيش الباكستاني هذا المسار أم لا؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى