دراسة:كيف أضرت العقوبات الغربية على إيران بالطبقة الوسطى؟

الطبقة الوسطى في إيران تشهد اليوم انكماشاً متسارعاً تحت ضغط العقوبات الغربية.

ميدل ايست نيوز: الطبقة الوسطى في إيران، التي كانت لعقود طويلة تمثّل قوة للاعتدال السياسي والاستقرار والنمو الاقتصادي والركيزة الأساسية لحركة الإصلاح في البلاد، تشهد اليوم انكماشاً متسارعاً تحت ضغط العقوبات الغربية، بحسب ما يؤكد باحثون. وقد خلّف هذا الانكماش تزايداً في مشاعر الاستياء الاجتماعي واتساعاً غير مسبوق في الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

دراسة نُشرت في مجلة European Journal of Political Economy استخدمت منهجية مبتكرة لقياس الأثر الحقيقي للعقوبات الغربية المفروضة على إيران منذ عام 2012، وتبيّن من خلالها أن هذه العقوبات أدت إلى تآكل الطبقة الوسطى، تاركةً شريحة أكبر من الإيرانيين تعيش بدخول منخفضة، فيما تزدهر نخبة صغيرة على حساب الأغلبية.

ويبدو الاستياء الطبقي واضحاً عند الحديث مع الإيرانيين، خصوصاً بين الشباب المتعلّم، حيث أصبح الإحباط الاجتماعي أكثر حدة من أي وقت مضى. ووفقاً لمركز الإحصاء الإيراني، يبلغ معدل البطالة حالياً 7.4%، في حين يقدّر صندوق النقد الدولي أن النسبة قد تصل إلى 9.2% عام 2025.

تقول إلهام، وهي معلمة من طهران تكافح لتأمين لقمة العيش: “يمكنك أن تشعر بالفارق بين الغني والفقير أكثر من أي وقت مضى؛ كل شيء أصبح باهظ الثمن، سواء الخبز أو الدجاج. وفي المقابل، ترى الناس يجلسون في مقاهٍ فاخرة ومطاعم راقية.”

طلبت إلهام التعريف عنها باسمها الأول فقط لأسباب أمنية، كما فعل آخرون تحدثوا إلى شبكة CNN من داخل إيران.

ويبلغ الحد الأدنى للأجور في إيران نحو 104 ملايين ريال، أي ما يعادل أقل من 110 دولارات شهرياً، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع الأساسية بشكل حاد، إذ بلغ معدل التضخم السنوي 42.4% وفقاً لأرقام أكتوبر الصادرة عن صندوق النقد الدولي. وفي جنوب طهران، تضاعف سعر المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز أربع مرات تقريباً، بحسب روايات الباعة والسكان. أما في الأحياء الشمالية الثرية، فيرتاد السكان صالات بيلاتس فاخرة تتقاضى نحو 17 مليون ريال للاشتراك.

وقد برزت الفجوة الاقتصادية بوضوح خلال النزاع الأخير مع إسرائيل. فبينما استهدفت الغارات الإسرائيلية مناطق غنية وفقيرة على حد سواء في طهران، تمكن السكان الأثرياء الذين يملكون وقوداً إضافياً وسط أزمة نقص الوقود من مغادرة المدينة أو حتى البلاد.

يقول رضا، 36 عاماً، أحد سكان العاصمة: “لم أستطع مغادرة طهران حتى لو أردت. لم أجد وقوداً لسيارتي، ولا أستطيع تحمّل تكاليف السفر إلى أرمينيا أو تركيا.”

تزايد الفجوة الطبقية وعدم المساواة في إيران أصبح بمثابة جرح متقيّح في جسد المجتمع، بحسب ما يؤكد محمد رضا فرزانغان، أستاذ اقتصاد الشرق الأوسط في جامعة ماربورغ الألمانية وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة، الذي قال لشبكة CNN إن هذا التفاوت قد يؤدي إلى سخط اجتماعي عميق ويهدد الوحدة الوطنية في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 92 مليون نسمة.

وأوضح فرزانغان أن النخبة الإيرانية ما تزال تجني ثمار النظام القائم، بينما تُترك بقية فئات المجتمع لتتنافس على موارد محدودة في اقتصاد متراجع. وأضاف: “النتيجة هي مجتمع تتزايد فيه معدلات عدم المساواة، وكذلك الإحساس بعدم المساواة. هذا الإحساس نفسه أخطر على استقرار المجتمع من التفاوت الحقيقي القائم.”

ورغم أن العقوبات الغربية تُسوّق منذ زمن كأداة “إنسانية” ضمن سياسات الضغط الدبلوماسي، يُفترض أنها دقيقة وجراحية تستهدف الحكومات والنخب الحاكمة دون أن تمسّ المدنيين، إلا أن الدراسة الجديدة تُظهر أن العقوبات المفروضة على إيران، وهي من أكثر الدول تعرضاً للعقوبات في العالم، لم تدمّر الاقتصاد الإيراني فحسب، بل عاقبت أيضاً الطبقة التي طالما دفعت باتجاه الإصلاح والتغيير – أي الطبقة الوسطى.

فرزانغان وزميله نادر حبيبي، أستاذ الاقتصاد في جامعة براندايس الأمريكية، استخدما أسلوب “التحكم الاصطناعي” لإنشاء نموذج حسابي لـ”توأم غير خاضع للعقوبات” يمثل إيران لو لم تُفرض عليها القيود، ثم قارنوا نتائجه مع “إيران الحقيقية” التي تعيش تحت العقوبات.

وأظهرت النتائج أن للعقوبات أثراً إنسانياً واجتماعياً وسياسياً واسع النطاق على عامة الشعب. فبحسب الدراسة، بين عامي 2012 و2019، لو لم تُفرض العقوبات، لتوسعت الطبقة الوسطى الإيرانية بنسبة 17%. لكن في عام 2019 كانت الطبقة الوسطى في إيران الحقيقية أصغر بنسبة 28% مما كان ينبغي أن تكون عليه وفقاً للنموذج التحليلي.

وفي دراسة منفصلة نُشرت في كتاب «كيف تعمل العقوبات؟»، تبيّن أن نحو تسعة ملايين إيراني فقدوا مكانتهم كأفراد من الطبقة الوسطى خلال الفترة من 2011 إلى 2019، ما يؤكد حجم الأثر العميق للعقوبات على النسيج الاجتماعي والاقتصادي الإيراني.

يرى محمد رضا فرزانغان أن إيران تمثل حالة فريدة من نوعها في دراسة تأثير العقوبات، سواء من حيث حجمها وشدّتها أو من حيث التركيبة الديموغرافية والاجتماعية للبلاد.

فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، حين أُطيح بالشاه محمد رضا بهلوي المدعوم من الغرب، لتبدأ مرحلة الحكم الديني، تعرّضت إيران لسلسلة متقطعة من العقوبات، لكن أقسى العقوبات في التاريخ الحديث فُرضت عليها عام 2012 في عهد إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما. وبعد توقيع الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015، شهدت البلاد فترة قصيرة من الانفراج، قبل أن يعيد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فرض العقوبات عام 2018 ضمن ما عُرف بسياسة «الضغوط القصوى».

ويقول فرزانغان إن التركيبة السكانية لإيران تمنحها موقعاً استثنائياً بين الدول الخاضعة للعقوبات، إذ تضم طبقة وسطى كبيرة ومتعلمة كانت في السابق في حالة نموّ مطّرد. ويضيف أن العقوبات الغربية “هاجمت قلب البنية الاجتماعية الحديثة لإيران”، حيث أضعفت الفئة التي شكّلت على مدى عقود المحرك الأساسي للتنمية والاستقرار.

قرن من التكوين

تشكّل الطبقة الوسطى الإيرانية – التي تتألف من الموظفين الحكوميين والمعلمين والمهنيين – على مدى قرن من الزمن، مع تركيز الجهود خلال الخمسة والأربعين عاماً الماضية على تمكين الفئات الفقيرة والمهمّشة عبر التعليم وفرص العمل.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي، وبعد انتهاء حرب إيران والعراق في الثمانينيات، شهدت الطبقة الوسطى نمواً متسارعاً حتى عام 2012، حيث لعبت دوراً محورياً ليس فقط في المشهد السياسي بل أيضاً في ريادة الأعمال والابتكار الاقتصادي.

فمن رحم هذه الطبقة وُلدت أبرز الشركات الناشئة الإيرانية، مثل تطبيق Snapp، النسخة المحلية من “أوبر”، وDigikala، المنصة التي تُعتبر نظير «أمازون» الإيراني.

لكن اليوم، يعرب العديد من الشباب الإيرانيين عن إحباطهم العميق، إذ يقولون إنهم لا يرون مستقبلاً ولا فرصاً حقيقية للنمو أو الازدهار في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة.

قال علي، البالغ من العمر 34 عاماً والمقيم في طهران: «أقضي الكثير من الوقت أفكر إن كان عليّ أن أغادر، وأين يمكنني أن أذهب، وهل أستطيع حتى الحصول على تأشيرة. أعمل حالياً في قيادة سيارات تطبيق “سنَب” وأقدّم خدمات توصيل، لكن الحياة لا تزال صعبة. لا أعلم ماذا يمكنني أن أفعل في ظل هذا النقص الكبير في الوظائف».

علي، مثل كثير من الإيرانيين، يمرّ بفترة قاسية. فهو مهندس حاسوب متعلم، لكنه عاجز عن العثور على عمل في مجاله منذ سنوات. وتزايدت مخاوفه بعد الضربات الإسرائيلية والأمريكية على الأراضي الإيرانية في يونيو الماضي، التي استهدفت برنامج إيران النووي، ومع تراجع الجهود الدبلوماسية بين طهران وواشنطن، ما أدى إلى تشديد العقوبات بصورة أكبر.

يقول محللون إن الضرر السياسي الناجم عن سنوات العقوبات بات واضحاً داخل المجتمع الإيراني. يشرح سينا طوسي، الباحث البارز في مركز السياسة الدولية في واشنطن:«العقوبات أضعفت الفاعلين الاقتصاديين المستقلين، بينما عززت من نفوذ الجهات المرتبطة بالدولة والقطاع الأمني، مثل الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الخيرية الحكومية المعروفة باسم “بُنیادها”».

ويُعد الحرس الثوري الإيراني أحد أقوى أذرع المؤسسة العسكرية في البلاد، إذ يمتلك نفوذاً سياسياً وأيديولوجياً واقتصادياً واسعاً، فيما تعمل الـ«بُنیادها» كصناديق خيرية ضخمة مدعومة من الدولة، لكنها تلعب أيضاً دوراً اقتصادياً مؤثراً.

ويضيف طوسي: «من خلال توجيه الموارد إلى الجهات التي تستفيد من العزلة، أدّت العقوبات إلى ترجيح كفة الفصائل القائمة على السيطرة والمواجهة، مما رسّخ قوة التيار المتشدد في بنية الحكم الإيراني».

وجهٌ جديد للاحتجاج

لطالما كانت الطبقة الوسطى في إيران قوةً دافعة نحو الاعتدال والاستقرار، إذ تعمل على ردم الفجوات داخل المجتمع ومواجهة التطرف. يقول محمد رضا فرزانغان: «الطبقة الوسطى تمتلك الأمان الاقتصادي والتعليم الكافيين للدفاع عن الحريات المدنية والمساءلة السياسية. تُظهر أبحاثنا أن العقوبات سلبت هذا الأمان بشكلٍ منهجي. فعندما ينشغل الناس بتأمين احتياجاتهم اليومية للبقاء، تتقلص قدرتهم على المشاركة السياسية المنظمة وطويلة الأمد بشكل حاد».

كانت الطبقة الوسطى الإيرانية تاريخياً العمود الفقري للحركة الإصلاحية، ومحركاً رئيسياً لموجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد عبر العقود. ومن رحمها خرجت القيادات الإصلاحية مثل الرئيس محمد خاتمي عام 1997، والرئيس حسن روحاني عام 2013، وحالياً الرئيس مسعود بزشكيان.

ومع تقلص حجم هذه الطبقة، يحذر فرزانغان من أن ما يتشكل الآن هو مجتمع منقسم بوضوح: «في القمة، نرى نخبة صغيرة تستفيد من العقوبات بل وتتحصّن من آثارها، وفي القاع، يظهر ما أسميه “الفقراء الجدد” — ملايين الإيرانيين الذين انحدروا على السلم الاجتماعي والاقتصادي».

ويضيف: «العقوبات، إلى جانب الفساد، تعمل كنسخةٍ معكوسة من قصة روبن هود — فهي تسلب من الطبقة الوسطى والفقراء لتُغني أصحاب النفوذ».

لكن هذا التحول لم يُلغِ المشاركة السياسية تماماً، بل غيّر طبيعتها. يقول فرزانغان: «انتقل الثقل السياسي من مطالب الطبقة الوسطى بحقوقٍ وإصلاحات، إلى صرخة الطبقة العاملة من أجل البقاء والخبز».

يمكن رؤية هذا التحول بوضوح في الاحتجاجات التي قادتها الطبقة العاملة، مثل احتجاجات البنزين في نوفمبر/تشرين الثاني 2019. ورغم أن هذا النوع من الاحتجاجات يشكل قوة مهمة، فإن فرزانغان يقول إنها «أكثر تفككاً وتركز على شكاوى اقتصادية آنية، مما يجعلها متقلبة وسهلة القمع من قبل الدولة».

ويضيف أن دفع الناس نحو الفقر يؤدي أيضاً إلى زيادة اعتمادهم على الخدمات الحكومية. وفي الحالة الإيرانية، يعني ذلك الاعتماد على الخدمات الاجتماعية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، والتي تضررت بدورها بفعل العقوبات، مما يخلق ما وصفه فرزانغان بـ«فخ غير مستدام».

لقد أضعفت العقوبات المصدر الأساسي لإيرادات الحكومة الإيرانية — وهو صادرات النفط — الأمر الذي حدّ من قدرة الدولة على تقديم الدعم الاجتماعي لملايين الإيرانيين الفقراء.

أما مستقبل إيران، فلا يزال غامضاً، خاصة مع تصاعد المخاوف من تجدّد الصراع. ويرى فرزانغان أن إعادة بناء الطبقة الوسطى، رغم أنها ممكنة، تُعدّ تحدياً يمتد لأجيال، قائلاً: «ليست مسألة يمكن قلبها بضغطة زر، حتى لو رُفعت جميع العقوبات غداً».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
ميدل ايست نيوز
المصدر
cnn

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى