إيران على حافة أزمة مائية جديدة… بحر قزوين ينسحب من شواطئها بصمت ثقيل

يُعزى تراجع منسوب المياه في بحر قزوين إلى عوامل متعددة، أبرزها انخفاض تدفق نهر الفولغا (Volga) الروسي إلى بحر قزوين، إذ يُعد هذا النهر المورد الأكبر للمياه التي تغذّيه.

ميدل ايست نيوز: شهدت إيران في السنوات الأخيرة تفاقماً في أزماتها البيئية الناتجة عن تراجع مواردها المائية، من جفاف البحيرات والمستنقعات إلى انحسار مجاري الأنهار، لتواجه اليوم تحدياً جديداً يتمثل في انخفاض منسوب مياه بحر قزوين. إذ تظهر البيانات الحديثة أن مستوى مياه البحر تراجع بمعدل يزيد ثلاث مرات عمّا كان عليه في العقود السابقة، في ظاهرة يُتوقع أن تستمر خلال الأعوام المقبلة.

يوم السبت 18 أكتوبر 2025، أوردت وسائل إعلام إيرانية تصريحات لمسؤول في منظمة حماية البيئة الإيرانية مفادها أن معدل تراجع مياه بحر قزوين بين عامي 1995 و2020 كان حوالي 7.5 سنتيمتر في السنة، لكن في السنوات الثلاث الأخيرة ارتفع هذا الرقم إلى نحو 20 سنتيمتر في السنة، ويتوقع أن يستمر هذا الاتجاه خلال العقد إلى العقدين القادمين.

لكن التقارير التي رصدتها ميدل ايست نيوز تؤكد أن هذه المشكلة لا تقتصر على إيران وحدها؛ فالدول الساحلية الأخرى مثل أذربيجان وتركمنستان وكازاخستان وروسيا تواجه هي أيضاً انخفاضًا في مستوى المياه.

وتتشارك خمس دول في سواحل بحر قزوين، إذ تحده إيران من الجنوب، وروسيا من الشمال والغرب، وأذربيجان من الغرب وتركمانستان وكازاخستان من الشرق، ولا يعرف البحر في إيران باسمه العربي الرائج، وإنما باسم “بحر خزر”، وقد أطلقت عليه أسماء إيرانية سابقة مثل بحر “كاسبين”، و “مازندران”، والأخير هو اسم محافظة إيرانية تقع على شاطئ البحر.

يُعزى هذا التراجع المائي إلى عوامل متعددة، أبرزها انخفاض تدفق نهر الفولغا (Volga) إلى بحر قزوين، إذ يُعد هذا النهر المورد الأكبر للمياه التي تغذّيه، وقد تأثر سلبًا بانخفاض الأمطار وزيادة التبخر والتغيرات المناخية والبناء المكثف للسدود داخل الأراضي الروسية.

وفقًا لتقارير نشرتها سلطات المياه في أذربيجان، فإنّ السدود التي شيدت على نهر الفولغا من قبل روسيا تعتبر السبب الأساسي في تراجع مياه بحر قزوين. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن مستوى سطح البحر قد انخفض بمقدار 24 سنتيمتر سنويًا خلال السنوات الأربع الأخيرة. وحذّر خبراء أذربيجان من أنه إذا استمر هذا الاتجاه، فقد تنكشف نحو 93 ألف كيلومتر مربع من القاع البحري.

تقول إلهام شبان، مديرة «مركز دراسات قزوين» في باكو، إن حوالي 80٪ من مياه بحر قزوين تُمد من نهر الفولغا. وتشير إلى أن روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بنت تسعة سدود على هذا النهر. وتضيف أن هبوط مستوى المياه سبب مشكلات في الموانئ والمنشآت النفطية الروسية، وكذلك في مشروع نفطي كازاخي يُدعى كاشاغان، مشيرة إلى أن بعض النقاط كان العمق فيها يصل إلى 50 مترًا، باتت الآن غير صالحة لمرور السفن.

واستنادًا إلى الأبحاث، يُفترض أن مستوى مياه بحر قزوين انخفض خلال الثلاثين عامًا الماضية بمقدار يقارب 3 أمتار.

وتبلغ مساحة بحر قزوين نحو 438 ألف كيلومتر مربع بطول 1200 كيلومتر وعرض 320 كيلومترا، ويبلغ أقصى عمق له 1023 مترا، ورغم أنه يطلق عليه اسم “بحر”، لكن لا ينطبق عليه في الواقع هذا الاسم، إذ إنه يعتبر أكبر البحيرات المالحة في العالم، وبالتالي لا تسري علي اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تنظم شؤون الحدود بين دول الشاطئ، وتقسم الموارد، ومسؤوليات كل من هذه الدول.

جفاف المستنقعات

تشدد الناشطة الإيرانية والخبير في شؤون المياه، نسيم طواف‌ زاده، على وجود علاقة مباشرة بين جفاف المستنقعات الساحلية في محافظتي كيلان وكلستان وبين تراجع مياه بحر قزوين. بحسب قولها، مع تراجع منسوب الماء في البحر يزداد تسرب مياه المستنقعات باتجاه البحر، ما يُسرّع من جفافها، وتستشهد على ذلك بمستنقعات ميانكاله وأنزلي. وأضافت أن «لا يوجد خطة واضحة لإدارة موارد مياه بحر قزوين». وأشارت أيضاً إلى أن نهر سفيد رود جنوب قزوين، والذي يعبر أربع محافظات قبل أن يصب في كيلان، يفقد الآن سنويًا أكثر من نصف كميته السابقة.

وحذرت الخبيرة في شؤون المياه من أن استمرار التراجع في مياه بحر قزوين لا يهدد فقط السواحل الإيرانية، بل يطال موانئ الدول المجاورة مثل أذربيجان وكازاخستان. ففي إيران، تعتبر الموانئ في أميرآباد وفریدون‌ کنار ونوشهر ورامسر وانزلي أكثر المناطق تعرضاً لخطر انخفاض منسوب مياه بحر قزوين.

وترى طواف‌ زاده أن أهم إجراء لكبح هذه الظاهرة هو إلزام روسيا بالإفراج عن حقوق المياه لبحر قزوين. إلا أن روسيا، وفقا لتقارير، تبرر تراجع الفولغا بانخفاض كميات الأمطار، لكن ذوبان الجليد في سيبيريا والمناطق القطبية بسبب الاحترار العالمي كان يجب أن يرفع من مستوى المياه، لذا فإن هذه الحجة بحاجة إلى إجراء تحقيقيات أكثر ومراجعة أعمق.

مراقبة الحصص المائية

وفي تصريحات مستجدة، حذر روشن عباساف، أستاذ في جامعة قزوين في باكو، من إمكانية أن يصل التراجع في مستوى المياه إلى 10 أمتار إذا استمرت الظروف على هذه الوتيرة. ورأى أن دور التغيرات المناخية وبناء السدود المتعددة والاستخراج المفرط للمياه من نهر الفولغا هي الأسباب الرئيسة وراء التراجع، ويؤكد أن بلاده تفاوضت مرارًا مع الجانب الروسي بهذا الشأن. كما يركز على ضرورة إنشاء بنى تحتية لترشيد استهلاك المياه، واستخدام مصادر المياه بكفاءة، والالتزام باتفاقيات البيئة الخاصة ببحر قزوين، وبلورة لجنة مشتركة لمراقبة حصة كل دولة من المياه الداخلة إلى البحر. كما أوصى بأن يُطرح موضوع تراجع مياه البحر بجدية في اجتماع قادة الدول المطلة على قزوين، وأن تُحدّد حصص الدول من المياه الداخلة بوضوح.

وتشير الأبحاث إلى أن نهر الفولغا يُوفّر حوالي 80٪ من مياه المجرى النهري التي تغذّي بحر قزوين، بينما تقدر مساهمة الأنهار الأخرى (الأورال، كورا، تيرك، وغيرهم) مجتمعة بنسب أقل بكثير.

ومع ذلك، انخفض تصريف النهر مطلع القرن العشرين من نحو 400 كيلومتر مكعب سنويًا إلى حوالي 260–270 كيلومتر مكعب، بسبب التغيرات المناخية والاستخدامات البشرية وبناء السدود.

وتتسبب التغيرات المناخية في ارتفاع درجات الحرارة، مما يزيد من معدلات التبخر على سطح البحر، بينما تقلل هطول الأمطار، الأمر الذي يجعل التوازن المائي لبحر قزوين مضطربًا وغير قابل للتنبؤ.

بعض النماذج التنبؤية، التي قد تتغير بتغير ظروف ومناخ الدول المطلة على بحر قزوين، تشير إلى أن مستوى البحر قد ينخفض بين 8 إلى 30 مترًا إضافيًا بحلول نهاية القرن إذا استمر الاتجاه الحالي دون تدخل فعال.

ويعد انخفاض مستوى المياه تهديدًا كبيرًا للأنظمة الإيكولوجية، فهو يُعرض موائل الفقمة الخزرية (Caspian seal) وسمك الحفش (sturgeon) للخطر، كما يقيّد وصول الأسماك إلى الأنهار المخصبة.

وفي بعض المناطق الساحلية للدول المطلة على بحر قزوين، يُصبح تعامد السفن مع الموانئ صعبًا أو مستحيلاً، مما يعرقل النقل البحري والاستخراج النفطي.

وسبق أن أطلقت أذربيجان إنذارًا رسميًا خلال العام الجاري 2025 بأن انخفاض مستوى البحر يعطّل موانئها ويؤثر على صادرات النفط.

وفي أبريل الماضي، حذّرت رئيسة منظمة حماية البيئة الإيرانية شينا أنصاري خلال مشاركتها في مؤتمر دولي حول البيئة عُقد في مدينة سانت بطرسبورغ الروسية، من الانخفاض السريع في مستوى مياه بحر قزوين، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة تمثل تهديدًا بيئيًا غير مسبوق في المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − 8 =

زر الذهاب إلى الأعلى