الصحافة الإيرانية: العلاقات الإيرانية الروسية تدخل مرحلة التحالف الاستراتيجي المتعدد الأبعاد

انطلاقاً من تصريحات السفير الروسي، يمكن القول إن العلاقات بين طهران وموسكو تجاوزت مرحلة "التعاون المرحلي" واتجهت نحو بناء تحالف هيكلي ومستدام.

ميدل ايست نيوز: دخلت العلاقات بين إيران وروسيا خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة من التعمّق والتعدد في المستويات. فلم تعد هذه العلاقات تقتصر على التعاون التقليدي في مجالي الطاقة والدفاع، بل تحوّلت إلى معادلة استراتيجية متعددة الأبعاد في مواجهة التحولات الجيوسياسية والنظام الدولي المتغير. ويُعدّ الحوار الأخير مع السفير الروسي في طهران أحد أبرز المؤشرات على هذه المرحلة الجديدة؛ إذ عرض فيه مواقف موسكو من الملف النووي الإيراني، وآلية الزناد، والتعاون في مجال الطاقة النووية، والدور الوسيط لروسيا في معادلات المنطقة بوضوح وشفافية.

التقابل القانوني مع الغرب والدفاع عن اتفاق فيينا النووي

في جزء من المقابلة، تطرق السفير الروسي في طهران إلى مسألة تفعيل آلية “سناب باك”، مؤكداً أن هذه الآلية لم تُفعّل قانونياً قط، وأن روسيا والصين تعتبران تحركات الدول الغربية في هذا الإطار غير قانونية وغير مقبولة.

وتقول صحيفة شرق الإيرانية، إن القراءة الاستراتيجية لهذا الموقف تكشف أن موسكو تسعى لاستخدام أدواتها القانونية والدبلوماسية لتثبيت شرعية إيران ضمن إطار القانون الدولي، وفي الوقت نفسه تعزيز موقعها كمدافع عن النظام الدولي المتعدد الأقطاب في مواجهة الهيمنة القانونية الغربية.

استمرار استراتيجية الطاقة رغم العقوبات

في ما يخص التعاون في مجال الطاقة النووية، أشار السفير الروسي إلى أن العلاقات تسير بشكل جيد، مذكّراً بأن زيارة محمد إسلامي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، إلى موسكو في سبتمبر الماضي، شهدت توقيع عدة وثائق مهمة، من بينها مذكرة تفاهم لبناء مفاعلات نووية صغيرة الحجم، واتفاق مشروع محطة كهرباء نووية في جزيرة هرمز الإيرانية تضم أربعة مفاعلات بقدرة 1250 ميغاواط لكل منها، وبقيمة تقارب 25 مليار دولار، بين شركتي “إيران هرمز” و”REP” الروسية.
وتندرج هذه الخطوات ضمن السياسة العامة لروسيا في مجال الطاقة النووية المدنية، وهي سياسة تهدف إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وترسيخ دور موسكو كمزود رئيسي لتكنولوجيا الطاقة في الدول غير الغربية. أما بالنسبة لإيران، فتمثل هذه الشراكة استمراراً لمسارها نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا النووية وتجاوز تأثير العقوبات.

من مسار أستانا إلى تطبيع العلاقات بين طهران ودمشق

وفي جزء آخر من الحوار، أشار السفير الروسي إلى زيارة ألكسندر لافرينتيف، المبعوث الخاص للرئيس فلاديمير بوتين في سوريا، إلى طهران، موضحاً أن الهدف منها كان مناقشة الوضع في سوريا وتعزيز التعاون الثلاثي بين إيران وروسيا وتركيا في إطار عملية أستانا. كما لفت إلى زيارة أحمد الشرع، رئيس الحكومة السورية المؤقتة، إلى موسكو، قائلاً إن دمشق مستعدة لتحسين علاقاتها مع روسيا وإيران وتطبيعها.

وأكد السفير أن هناك آفاقاً واقعية وإيجابية لتطبيع العلاقات الإيرانية السورية، مشيراً إلى استعداد موسكو للقيام بخطوات عملية لدعم هذا المسار عند توافر الظروف المناسبة. يعكس هذا الموقف نهج روسيا المتعدد الطبقات في الشرق الأوسط: فمن جهة، تسعى للحفاظ على نفوذها في البنية السياسية السورية، ومن جهة أخرى تعمل على دعم محور التعاون الاقتصادي بين طهران ودمشق برعاية روسية. واستراتيجياً، يتيح هذا الدور لموسكو ليس فقط الإسهام في تعزيز الاستقرار الإقليمي، بل أيضاً ترسيخ موقعها كـ”ضامن أمني” في المعادلات التي تلت الحرب السورية.

وفي هذا السياق، تُعد زيارة علي لاريجاني إلى موسكو وتسليمه رسالة من المرشد الأعلى الإيراني إلى الرئيس فلاديمير بوتين نقطة استراتيجية في مسار العلاقات بين البلدين. فهذه الخطوة تمثل انتقال العلاقات من مستوى التعاون التنفيذي إلى مستوى التنسيق الاستراتيجي في الملفات الأمنية والجيوسياسية العليا. وأوضح السفير الروسي أن التعاون بين البلدين يستند إلى “معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين إيران وروسيا”، وهي اتفاقية ترسم الإطار الطويل الأمد للعلاقات في المجالات الدفاعية والاقتصادية والطاقة والتكنولوجيا. وتسعى موسكو من خلال هذه المعاهدة لتكريس نفسها شريكاً استراتيجياً لطهران في مرحلة إعادة تشكيل النظام الدولي، حيث يتحول الشرق إلى فاعل مستقل ومتعدد المراكز في مواجهة البنى الغربية المهيمنة.

من التقارب التكتيكي إلى التحالف الهيكلي

انطلاقاً من تصريحات السفير الروسي، يمكن القول إن العلاقات بين طهران وموسكو تجاوزت مرحلة “التعاون المرحلي” واتجهت نحو بناء تحالف هيكلي ومستدام. وتشمل ركائز هذا التحالف مواجهة قانونية مشتركة لآلية “سناب باك” والدفاع عن مكانة إيران الدولية، والتعاون في مجالات الطاقة النووية والمشروعات الكبرى للبنية التحتية، والوساطة والتنسيق في الملفات الإقليمية مثل سوريا، فضلاً عن تطوير هياكل دبلوماسية وأمنية مشتركة في إطار المعاهدة الاستراتيجية الشاملة.

وترى روسيا، من منظورها الاستراتيجي، في إيران شريكاً جيوسياسياً أساسياً في النظام الأوراسي الجديد، وليس مجرد حليف إقليمي. في المقابل، تسعى إيران إلى توظيف قدرات روسيا لتقويض الضغوط الغربية وتوسيع حضورها ضمن محور الشرق. وفي النهاية، يمكن اعتبار تصريحات السفير الروسي انعكاساً لسياسة موسكو الكبرى في عالم متعدد الأقطاب آخذ بالتشكل، حيث تمثل الشراكة مع إيران جزءاً من استراتيجيتها الأوسع لمواجهة الهيمنة الغربية وترسيخ دورها كأحد أعمدة النظام العالمي القادم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 − 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى