بين البساطة والغلاء… كيف أصبحت المقاهي ملاذ الإيرانيين الجدد؟

بينما يرى بعض المراقبين أن ارتفاع الأسعار جعل الإيرانيين يفضلون المقاهي على المطاعم أو الوجبات السريعة، يؤكد أصحاب المقاهي أن أسعار القهوة في إيران تعادل نصف أو ثلث الأسعار في أوروبا أو الولايات المتحدة.

ميدل ايست نيوز: منذ قديم الأيام إلى زماننا هذا، كانت المقاهي ملاذاً محبباً للراحة والتسلية، غير أن حضورها اليوم بات أكثر بريقاً وجاذبية في أعين الشباب والمراهقين. يكفي أن تتجول في الشوارع المزدحمة لترى المقاعد تصطف على الأرصفة، والمقاهي تتكاثر في كل زاوية، شاهدةً على هذا الشغف المتنامي بثقافة الجلوس واحتساء المشروبات المتنوعة.

تقول صحيفة “دنياي اقتصاد“، في إيران لجذب المزيد من الزبائن، وسّع أصحاب المقاهي ساعات عملهم ورفعوا تنوع منتجاتهم الغذائية، حتى باتت بعض المقاهي تقدم أصنافاً مستوحاة من المأكولات الأوروبية واللاتينية. كما دخلت المنافسة بين الطهاة و”الباريستا” مراحل أكاديمية بعد أن كانت تعتمد سابقاً على الخبرة والتجربة. تعلن كثير من المقاهي استعدادها لتنظيم فعاليات خاصة كأعياد الميلاد أو التجمعات الصغيرة وفق طلب الزبائن. أما الموسيقى – سواء كانت أجنبية أو إيرانية أو بلا كلمات – فتُسمع من المحلات لجذب المارة إلى المقاهي الجديدة المنتشرة في المدن.

أرباح مليارية وفرص عمل وفيرة

أعلنت نقابة المقاهي في طهران في مارس الماضي أن “صناعة المقاهي في العالم تبلغ قيمتها 300 مليار دولار، في حين تبلغ قيمة تجارة القهوة وحدها نحو 50 مليار دولار. وفي إيران تم استيراد نحو 50 ألف طن من القهوة خلال العام الماضي، أي عشرة أضعاف مقارنة بالسنوات السابقة. ويُقدّر إجمالي حجم التداول المالي للمقاهي في إيران بأكثر من مليار دولار”. كما أشارت التقديرات إلى أن عدد المقاهي في البلاد يبلغ نحو 20 ألف مقهى، توفر بشكل مباشر وغير مباشر ما يقرب من 500 ألف فرصة عمل.

وترتبط زيادة الإقبال على المقاهي بعوامل اقتصادية، من بينها الغلاء والتضخم وانخفاض الأجور. فبينما يرى بعض المراقبين أن ارتفاع الأسعار جعل الإيرانيين يفضلون المقاهي على المطاعم أو الوجبات السريعة، يؤكد أصحاب المقاهي أن أسعار القهوة في إيران تعادل نصف أو ثلث الأسعار في أوروبا أو الولايات المتحدة. وتبدو كلا النظريتين صحيحتين إلى حد ما، فالمقاهي تعد أوفر من المطاعم، وأسعار القهوة ومنتجاتها أقل من مثيلاتها في الخارج، في حين تبقى القاسم المشترك هو تدني الأجور مقارنة بالدول الغربية وحتى بدول الجوار.

ويعتبر آخرون أن ارتياد المقاهي أصبح جزءاً من نمط حياة جديد يُعرف بـ”الحد الأدنى” أو “المينيماليزم”، الذي يقوم على البساطة وتخفيف التعقيدات الاجتماعية، ويتناسب مع أسلوب حياة سكان المدن وأنشطتهم اليومية.

تكلفة مرتفعة لتأسيس مقهى

لا تقتصر تحديات أصحاب المقاهي في إيران على مستوى الأجور والدخل، بل تمتد إلى ارتفاع أسعار المعدات والأدوات اللازمة نتيجة العقوبات والتضخم، ما جعل كلفة إنشاء مقهى مرتفعة للغاية ودفع كثيرين إلى توخي الحذر قبل الاستثمار في هذا القطاع. ومع ذلك، يقدر عدد المقاهي المرخصة والفعالة في طهران وحدها بأكثر من ستة آلاف مقهى.

وقال علي زعفري، نائب رئيس نقابة المقاهي في طهران، في أغسطس الماضي، إن “المقاهي واجهت خلال العام الماضي تضخماً يقارب 100%. وتتراوح أسعار القهوة المحمصة في السوق، بحسب الجودة، بين 700 و800 ألف تومان للكيلوغرام، وتصل في الأنواع الخاصة إلى مليونين و200 أو حتى مليونين و500 ألف تومان. ومن المثير أن الأسعار العالمية للقهوة انخفضت بنحو 30 إلى 40% خلال الأشهر الأخيرة، لذلك يُتوقع أن نشهد انخفاضاً نسبياً في إيران أيضاً”. وأضاف أن “إنشاء مقهى عادي يحتاج إلى استثمار لا يقل عن 1.5 إلى 2 مليار تومان، وقد يزيد هذا المبلغ في المناطق الراقية أو للمقاهي ذات الطابع الخاص”.

الطلاب والسيدات الأكثر ارتياداً للمقاهي

من خلال جولة بسيطة في مقاهي طهران يمكن ملاحظة أن زبائنها ليسوا من فئة محددة، لكن السيدات والشباب – خصوصاً الطلاب والموظفين – يشكلون النسبة الأكبر من الرواد. وتعد ساعات المساء الأكثر ازدحاماً في المقاهي، ويُعتبر مشروب الإسبريسو العادي الأكثر طلباً.

يقول أحد “الباريستا”: “يكون المقهى أكثر ازدحاماً في المساء، لكن ليس دائماً، فبعض الأيام – خاصة في بداية الأسبوع – يكون هادئاً. طلاب الجامعات والسيدات والموظفون هم الزبائن الأكثر حضوراً، لكن كل فئات الناس تأتي إلى المقهى”. ويضيف بابتسامة وهو يتحدث في وقت فراغه: “مع مرور الوقت أصبح الناس أكثر دراية بالمقاهي. في البداية كان بعض الزبائن لا يعرف حتى أسماء المشروبات، لكن الوضع تحسّن كثيراً الآن. ومع ذلك، هناك قلة من الزبائن يأتون فقط للتباهي، لكن عددهم قليل”.

وعن تزايد عدد المقاهي في الشوارع، يقول: “بالتأكيد المنافسة أصبحت أصعب، لكن الإقبال على المقاهي أكبر من السابق، ومن يقدم تنوعاً وجودة أعلى يكون أكثر نجاحاً. والأهم أن كل مقهى لديه زبائنه الدائمون، وهؤلاء أساس العمل، لأن جزءاً كبيراً من الدعاية يأتي عبرهم. لذلك يحرص أصحاب المقاهي على الحفاظ على زبائنهم الثابتين، وحتى عند التوظيف يُفضَّل أحياناً من لديهم قاعدة زبائن خاصة، لأنهم يجذبون الزبائن معهم”.

اقرأ المزيد

عن القهوة وكيف تشق طريقها بين الإيرانيين.. هل شعبية الشاي في خطر؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − ثلاثة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى