الصحافة الإيرانية: طهران أمام مفترق طرق.. دعم فنزويلا أم استثمار الأزمة للانفتاح على واشنطن؟
إذا نجحت طهران في تجنّب تكرار "خطأ المسيّرات" وفي الوقت نفسه حافظت على قنوات التفاوض غير المباشر مع واشنطن عبر وساطة عمان، فقد يتحول ملف فنزويلا من تهديد جديد إلى بوابة نحو مسارٍ من الانفتاح والاستقرار.

ميدل ايست نيوز: في وقت تتصاعد فيه التوترات مجدداً بين واشنطن وكاراكاس، وجد اسم إيران نفسه في قلب هذا النزاع الجديد من دون قصد، بعدما بدأت القصة برسالة سرّية وجّهها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وانتهت بسؤال كبير في طهران: هل تنخرط الجمهورية الإسلامية مجدداً في سيناريو مكلف يُذكّر بقضية “الطائرات المسيّرة الإيرانية في حرب أوكرانيا”؟ أم ستستغل هذه المرة توتر العلاقات بين واشنطن وأمريكا اللاتينية لفتح نافذة دبلوماسية مع الولايات المتحدة نفسها؟
وقالت صحيفة واشنطن بوست إنها حصلت على وثائق داخلية للإدارة الأميركية تفيد بأن فنزويلا بقيادة الرئيس نيكولاس مادورو تواصلت مع روسيا والصين وإيران لطلب صواريخ ومسيّرات ورادارات، تحسبا لهجوم محتمل من جانب الولايات المتحدة التي تعزز حشودها العسكرية في البحر الكاريبي.
وبحسب تلك الوثائق، فقد أرسل مادورو خطابين إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ لطلب الأسلحة والمعدات العسكرية لتعزيز دفاعات فنزويلا.
وفي رسالته إلى بوتين طلب الرئيس الفنزويلي المساعدة لتحديث مقاتلات عدة من طراز سوخوي “سو-20 إم كيه 2” كانت بلاده قد اشترتها من روسيا.
كما طلب إصلاح 8 محركات و5 رادارات في روسيا وشراء 14 مجموعة من الصواريخ ودعما لوجستيا لم تُحدد طبيعته، وفقا للوثائق الأميركية.
أما في رسالته إلى الرئيس الصيني فقد طلب مادورو “توسيع التعاون العسكري” لمواجهة “التصعيد بين الولايات المتحدة وفنزويلا”.
ودعا الرئيس الفنزويلي بكين إلى تسريع إنتاج أنظمة رادار لدى شركات صينية، بحسب الوثائق.
وفي الوقت نفسه، تشير الادعاءات الواردة في تلك الوثائق إلى أن وزير النقل الفنزويلي نسق مؤخرا شحنة معدات عسكرية ومسيّرات من إيران.
تأتي هذه التطورات بعد أيام قليلة من تغريدة نشرتها “فرانس 24″، كشفت فيها أن “فريق الأمن القومي في البيت الأبيض قرّر حالياً التفاوض مع إيران بهدف الحفاظ على هدوء الشرق الأوسط، ومنح واشنطن فرصة لمعالجة أزمة فنزويلا”.
وقالت صحيفة توسعه إيراني، إنه صحيح أن هذه العبارة القصيرة لكنها ذات دلالات عميقة، سرعان ما انعكست في وسائل الإعلام الإقليمية، إذ بدت واشنطن وكأنها تفضّل مؤقتاً اتباع مسار دبلوماسي مع طهران لتجنّب فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط، في وقت تواجه فيه أزمة متصاعدة في “فناءها الخلفي” بأمريكا اللاتينية.
من الطائرات المسيّرة إلى العزلة الدبلوماسية
طلب مادورو الحصول على “طائرات مسيّرة بمدى ألف كيلومتر” من إيران أعاد إلى الأذهان النموذج الخطير لبيع المسيّرات الإيرانية إلى روسيا؛ وهو نموذج قد يزجّ بطهران مجدداً في نزاعٍ لا يحمل لها مكاسب اقتصادية أو سياسية تُذكر، بل يجرّ وراءه موجة جديدة من العقوبات والضغوط الدولية.
ويرى محللون أن فنزويلا في وضعها الحالي تفتقر إلى القدرة المالية، كما لا تملك استعداداً لتحمّل عقوبات إضافية. لذلك، فإن أي تعاون عسكري إيراني محتمل معها قد يعيد طهران إلى ما يسمّيه المراقبون “فخّ الشرعية الروسية”، أي أن تتحمّل وحدها كلفة الاتهامات في الساحة الدولية، بينما تلتزم موسكو وبكين الصمت.
تقاطع أزمة فنزويلا مع فرصة دبلوماسية لطهران
وسط هذه التحذيرات، تبرز نقطة أكثر أهمية: تزامن الأزمة الأمريكية مع كاراكاس مع إشاراتٍ إلى مرونة نسبية في سياسة واشنطن تجاه إيران.
وفي ظل انشغال إدارة دونالد ترامب الثانية بإدارة الضغط على مادورو والسيطرة على سوق الطاقة، تلوح مؤشرات على رغبة واشنطن في تخفيف حدّة التوتر مع طهران.
وبحسب مصادر قريبة من البيت الأبيض نقلت عنها “فرانس 24″، فإن فريق الأمن القومي الأمريكي يرى أن “استقرار الشرق الأوسط” يمثل أولوية للبيت الأبيض كي يتمكن من احتواء الأزمات في نصف الكرة الغربي.
بعبارة أخرى، لا تبدو واشنطن مستعدة لفتح جبهتين في وقت واحد: واحدة في الشرق الأوسط، وأخرى في أمريكا اللاتينية.
في هذا السياق، عاد عدد من الدبلوماسيين الإقليميين – ومن بينهم العمانيون – لتفعيل أدوارهم الوسيطة. وقال وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي خلال “حوار المنامة” الأخير: “نرغب في استئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لقد اكتفى مجلس التعاون لسنوات بدور المتفرج وترك إيران في عزلة، هذا الوضع يجب أن يتغير”.
هذا التصريح يحمل دلالة واضحة: طريق التفاوض ما زال قائماً ويمكن إحياؤه، لا سيما في وقت تجد فيه واشنطن نفسها منشغلة بجبهة أخرى.
مؤشرات على تواصل دبلوماسي
وفي طهران، تظهر دلائل على استمرار الاتصالات غير الرسمية مع الغرب. فقد أكد أحد أعضاء لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني لوسائل إعلام محلية أن “المفاوضات الرسمية بشأن الملف النووي توقفت، لكن المشاورات والاتصالات ما زالت مستمرة”.
هذه العبارة المقتضبة تشير إلى أن نافذة الحوار لا تزال مفتوحة. في الوقت نفسه، كشفت مصادر في مسقط أن عمان نقلت خلال الأسابيع الأخيرة رسائل متبادلة بين طهران وواشنطن.
فرصة تاريخية أم تكرار لخطأ مألوف؟
تقف إيران اليوم أمام مفترق طرق يمكن تسميته “مفترق فنزويلا”: من جهة، إغراء العودة إلى التعاون العسكري والاقتصادي مع حليف قديم في أمريكا الجنوبية يَعِد بمصادر جديدة للعملة والذهب، ومن جهة أخرى، فرصة نادرة لإعادة تعريف علاقتها مع الغرب في لحظة تحتاج فيها واشنطن إلى الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى.
أظهرت تجارب السنوات الماضية أن كل مرة انجرت فيها طهران إلى تحالفات عسكرية محفوفة بالمخاطر مع دول مأزومة، كانت الكلفة السياسية أكبر من أي مكسب اقتصادي، وغالباً ما انتهى الأمر بموجات جديدة من العقوبات والأزمات الداخلية.
في المقابل، كلما اتجهت إيران نحو مسار الحوار النشط والتفاهم عبر وسطاء مثل عمان أو قطر، انفتح أمامها مجال تنفّس اقتصادي وتراجع نسبي في الضغوط. ومثلما أدى الاتفاق المؤقت في عام 2024، بوساطة عمانية، إلى الإفراج عن جزء من أموال إيران المجمدة في كوريا الجنوبية، قد تتحول أزمة فنزويلا الآن إلى فرصة تفاوض جديدة، شريطة أن تختار طهران طريق الدبلوماسية بدلاً من الانخراط في حرب بالوكالة جديدة.
اختبار للعقل الدبلوماسي
في المحصلة، القضية تتجاوز فنزويلا نفسها، لتتحول إلى اختبار أمام طهران، فهل تختار المضي مجدداً في نزاعات تتخطى حدودها، ما يعرّضها لمزيد من العقوبات والعزلة، أم تستغل الانقسام في السياسة الخارجية الأمريكية لإعادة بناء علاقاتها الدولية وفتح صفحة جديدة من الحوار؟
إذا نجحت طهران في تجنّب تكرار “خطأ المسيّرات” وفي الوقت نفسه حافظت على قنوات التفاوض غير المباشر مع واشنطن عبر وساطة عمان، فقد يتحول ملف فنزويلا من تهديد جديد إلى بوابة نحو مسارٍ من الانفتاح والاستقرار.
أما إذا اختارت الطريق الآخر، فإن التاريخ سيعيد نفسه، لتجد إيران اسمها مجدداً على قوائم العقوبات والعزلة الدبلوماسية والاتهامات العسكرية، لكن هذه المرة ليس في ميادين أوكرانيا، بل في غابات أمريكا الجنوبية، وفي مواجهة الولايات المتحدة بدلاً من أوروبا، دفاعاً عن مصالح ليست بالضرورة مصالحها الخاصة.
اقرأ المزيد
لماذا يتهم روبيو إيران بالسعي لإنشاء مصنع طائرات مسيّرة في فنزويلا؟



