الصحافة الإيرانية: إلى أين يتجه المستقبل السياسي للعراق؟
تعد مشاركة العراقيين في الانتخابات رمزًا لجهود الحكومة لتثبيت الأمن والشرعية داخل العملية الانتخابية، في حين تشير المشاركة المنخفضة للنازحين وبعض المناطق إلى هشاشة الثقة العامة في الآليات الانتخابية.

ميدل ايست نيوز: شهد العراق يوم الأحد حدثًا وطنيًا مهمًا مرتبطًا بالانتخابات البرلمانية، حيث انطلقت رسميًا في الساعة السابعة صباحًا بالتوقيت المحلي المرحلة الأولى من عملية التصويت الخاصة للانتخابات البرلمانية السادسة لعام 2025. وتخص هذه العملية الخاصة القوات الأمنية والعسكرية، ومرضى المستشفيات، والسجناء، والنازحين المقيمين في المخيمات، نظرًا لعدم قدرتهم على المشاركة في يوم الاقتراع العام. وأعلنت اللجنة العليا المستقلة للانتخابات في العراق أن نسبة المشاركة في هذه المرحلة بلغت 82 بالمئة.
ومن اللافت أن الحكومة لم تصدر هذه المرة إعلانًا بالإغلاق العام خلال يوم التصويت الخاص، واستمرت الإدارات والمدارس (باستثناء مراكز الاقتراع) في عملها، ما يعكس نية الحكومة إجراء العملية الانتخابية ضمن سياق الحياة الطبيعية. كما يعكس حضور القوات الأمنية والعسكرية بكثافة نسبية أن الجهاز الأمني يراهن على نفسه كعنصر فاعل في العملية الانتخابية، وأن مشاركته ضرورية لإضفاء الشرعية على الانتخابات. ومن جهة أخرى، فإن المشاركة المنخفضة نسبيًا للنازحين قد تعكس شعورًا بالانعزال أو الإحباط لدى جزء من المجتمع، الأمر الذي لفت انتباه الناشطين المدنيين.
أهمية انتخابات العراق
وقالت صحيفة توسعه إيراني، إنه يمكن حصر أهمية هذه الانتخابات في ثلاثة أسباب رئيسية: أولها الأهمية الداخلية، إذ تعد الانتخابات البرلمانية أهم انتخابات في العراق، حيث سيتم انتخاب 329 نائبًا، ويقوم هذا البرلمان بالمرحلة الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية ثم تعيين رئيس الوزراء، الذي بدوره يقدم تشكيلته الوزارية إلى البرلمان للحصول على ثقة النواب، لتبدأ الحكومة الجديدة مهامها لمدة أربع سنوات. وهذا الهيكل يوضح أن الانتخابات ليست مجرد حدث حزبي، بل عملية تحدد شكل السلطة السياسية والتنفيذية في البلاد.
ثانيًا، الأهمية الإقليمية والدولية، إذ يتزايد دور العراق على الصعيد الإقليمي، وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية وقوى عالمية أخرى إلى تشكيل العراق كدولة مستقلة، لكنها في إطار التفاعل مع النظام الإقليمي. كما أن العراق يمر بمرحلة ما بعد الحرب مع تنظيم داعش، والتنافس بين القوى الإقليمية، وضغوط للحفاظ على السيادة الوطنية، ما يجعل انتخابات 2025 ذات أبعاد خارجية إلى جانب البعد الداخلي.
أما البعد الثالث فهو الإصلاح السياسي، فبالرغم من التحولات الشكلية، لا يزال نظام التوافق وتقسيم السلطة بين الشيعة والسنة والأكراد (المتبع بعد سقوط نظام صدام حسين) عاملًا محددًا في الساحة السياسية، ومن المتوقع أن تختبر الانتخابات الجديدة هذا التقسيم مجددًا، خصوصًا مع دخول بعض التيارات الإصلاحية والتحولية التي تنتقد الوضع القائم.
تركيبة البرلمان المستقبلي
يمكن تمييز ثلاثة أقطاب رئيسية في الانتخابات المقبلة:
- التيار الشيعي: مع انخفاض مشاركة التيار الصدري مباشرة، ستتاح الفرصة للكتل الشيعية الأخرى، لكن السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت هذه الكتل ستتمكن من التوحد أو ستظل تعاني من منافسات داخلية.
- التيار السني: يسعى بعض قادة التيار السني مثل محمد الحلبوسي وحزب «تقدّم» إلى تغيير الأعراف التقليدية للسلطة، إذ أعلن الحلبوسي أن السنة قد يسعون لتولي رئاسة الجمهورية وليس فقط رئاسة البرلمان، ما يعكس انتقالًا تدريجيًا من الحواجز التقليدية إلى مرونة سياسية أكبر.
- التيار الكردي: لا يزال التقليد السياسي الحالي يقضي بتولي الكرد رئاسة الجمهورية، لكن إذا مارس السنة أو الشيعة ضغوطًا، أو قل تمثيل الأكراد في البرلمان، قد تتغير هذه الأعراف. كما أن الفترة الحالية شهدت حذفًا نسبيًا للهيكل التقليدي وتشكيل كتل جديدة غير تقليدية.
وبناءً على هذه المعطيات، من المتوقع أن تحصل الكتل الشيعية الموحدة أو المنسقة بشكل أكبر على حصة أكبر من السيطرة، بينما يسعى السنة للحفاظ على مواقعهم عبر استراتيجية مزدوجة تجمع بين المشاركة والمساومة. أما الكرد، فيمتلكون موقعًا مهمًا باعتبارهم المرجح أن يظلوا ممثلين لرئاسة الجمهورية، في حين يتيح غياب المشاركة المباشرة للصدر مساحة أكبر للمجموعات الجديدة، خصوصًا الشباب والتكنوقراط العراقيين.
وتعد مشاركة العراقيين في الانتخابات رمزًا لجهود الحكومة لتثبيت الأمن والشرعية داخل العملية الانتخابية، في حين تشير المشاركة المنخفضة للنازحين وبعض المناطق إلى هشاشة الثقة العامة في الآليات الانتخابية. وعلى المستوى الإقليمي، يمثل العراق ساحة للتنافس بين إيران والولايات المتحدة وقوى إقليمية أخرى، وقد تحدد نتائج هذه الانتخابات التوجه الجيوسياسي والجيواقتصادي للعراق، مع احتمال زيادة تمثيل الجيل الجديد وظهور كتل سياسية جديدة وتقليص دور التيارات التقليدية.
اقرأ المزيد
الصحافة الإيرانية: كيف ستنعكس نتائج الانتخابات العراقية على العلاقات بين بغداد وطهران؟



