بحر قزوين يحتضر: انحسار المياه يهدد إيران والمنطقة بأزمة بيئية تتحول إلى صراع جيوسياسي

يشهد بحر قزوين، أكبر مسطح مائي مغلق في العالم، انخفاضًا حادًا وسريعًا في منسوب مياهه نتيجة تغير المناخ وارتفاع معدلات التبخر وتراجع تدفقات الأنهار المغذية مثل نهر الفولغا، ما ينذر بعواقب خطيرة على الدول المطلة عليه، وخاصة إيران.

ميدل ايست نيوز: يشهد بحر قزوين، أكبر مسطح مائي مغلق في العالم، انخفاضًا حادًا وسريعًا في منسوب مياهه نتيجة تغير المناخ وارتفاع معدلات التبخر وتراجع تدفقات الأنهار المغذية مثل نهر الفولغا، ما ينذر بعواقب خطيرة على الدول المطلة عليه، وخاصة إيران.

فقد سجّل القرن العشرون انخفاضًا بنحو مترين في مستوى مياه البحر، إلا أن وتيرة الهبوط تسارعت بشكل ملحوظ منذ عام 2020، لتصل إلى 30 سنتيمترًا سنويًا. وتشير التقديرات إلى احتمال تراجع إضافي يتراوح بين 9 و21 مترًا بحلول عام 2100، حيث إن انخفاضًا بمقدار 5 أمتار سيؤدي إلى تقلص مساحة سطح البحر بنسبة 20% (77 ألف كم²)، في حين أن تراجعًا بمقدار 18 مترًا سيقلص المساحة بنسبة 37% (143 ألف كم²).

تمتد السواحل الإيرانية على بحر قزوين بطول 650 كيلومترًا وتشمل مناطق بيئية حساسة مثل خليج جرجان وبحيرة كميشان، وهي معرضة لتأثيرات كارثية في حال استمرار هذا الانحسار. فهبوط منسوب البحر بمقدار 10 أمتار سيؤدي إلى جفاف 80% من المناطق الضحلة، ما ينتج عنه مساحات شاسعة من الأراضي المالحة والغبارية الملوثة. هذه الظاهرة، المشابهة لكارثة بحر آرال، ستؤدي إلى تملّح التربة وتدهور جودة الهواء وتفاقم أمراض الجهاز التنفسي. كما تتعرض غابات الهيركان – المصنفة ضمن التراث الطبيعي العالمي لليونسكو والممتدة بين إيران وأذربيجان – لتدهور متسارع.

انهيار التنوع البيولوجي

التقارير البيئية من إيران تشير إلى نفوق صغار فقمة قزوين نتيجة تراجع مستويات المياه، في مؤشر على تدهور النظام البيئي. وتُعدّ فقمة قزوين (Pusa caspica) من الأنواع المعتمدة على الجليد للتكاثر، وقد تفقد بين 57% و81% من موائلها الحيوية مع انخفاض البحر بمقدار 5 أمتار فقط. كما تواجه أسماك الحفش، العمود الفقري لصناعة الكافيار الإيرانية، خسارة ما بين 25% و45% من مناطق التفريخ الضحلة، ما يزيد من تأثيرات الصيد الجائر والتهريب.

ووفق تقديرات بيئية، قد تفقد مناطق الأهمية البيئية أو البيولوجية الخاصة (EBSAs) أكثر من نصف مساحاتها المحمية مع انخفاض مستويات البحر، ما يهدد أكثر من 300 نوع من اللافقاريات و76 نوعًا من الأسماك بالانقراض. أما المناطق الإيرانية المصنفة ضمن EBSAs، فقد تفقد ربع مساحتها في حال انخفاض البحر 10 أمتار، لتصبح النظم البيئية شديدة الهشاشة.

تعاني الأراضي الرطبة الإيرانية، خصوصًا مستنقع أنزلي، من انكماش سريع بسبب الاحترار العالمي وتراكم الرسوبيات وتحويل مجاري المياه العليا. وتشير التوقعات إلى احتمال اختفاء شبه كامل لهذه الأراضي بحلول عام 2100، مع فترات جفاف موسمية ابتداءً من عام 2058. كما تفاقم ملوثات المدن والزراعة والمصانع تدهور جودة المياه وتهدد الثروة السمكية والطيور النادرة.

رغم توقيع اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين عام 2018 التي حددت مناطق النفوذ في قاع البحر، فإن تنفيذها لا يزال صعبًا. وقد منحت الاتفاقية إيران 13% فقط من قاع البحر رغم امتلاكها 20% من الساحل، ما دفع طهران إلى اعتبار البحر «إرثًا مشتركًا» ورفض الاستغلال المفرط للموارد من قبل روسيا وأذربيجان. ومع تراجع منسوب المياه، قد تتغير الحدود البحرية، مما يفتح الباب أمام نزاعات جديدة حول الثروات ومناطق الصيد.

انعكاسات اقتصادية وأمنية

أدى التلوث والصيد الجائر وفقدان المواطن الطبيعية إلى تدهور الثروة السمكية التي كانت تشكل ركيزة اقتصادية للمجتمعات الساحلية. كما تراجعت السياحة الساحلية مع تفاقم التلوث وتدهور البيئات الطبيعية، في حين أسهم جفاف السواحل في زيادة العواصف الغبارية من قاع البحر الجاف. وتضررت البنية التحتية، إذ أصبح ميناء أنزلي على بعد أكثر من كيلومتر من الساحل، ما شل النشاط البحري وأجبر الحكومة على أعمال تجريف مكلفة في ظل اقتصاد مثقل بالعقوبات.

تفاقم التدهور البيئي في بحر قزوين التوترات الجيوسياسية بين الدول الخمس المطلة عليه – إيران وروسيا وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان – بسبب توزيع الموارد وأمن الملاحة. وقد زادت العسكرة في المنطقة مع تنامي التعاون الدفاعي بين موسكو وطهران، وتجسّد ذلك في مناورات “كاساريكس 2025” التي أبرزت الأهمية الاستراتيجية للبحر. غير أن ضعف تنفيذ الاتفاقيات وغياب التنسيق الإقليمي ينذران بتحول الضغوط البيئية إلى أزمات سياسية.

تحذر التقديرات من أن انحسار السواحل قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية في ظل العقوبات وأزمات الطاقة، مع توقع خسائر اقتصادية تفوق 10 مليارات دولار سنويًا بحلول عام 2030. كما يهدد هذا الانكماش بزيادة التنافس على الموارد الهيدروكربونية الهائلة في البحر، المقدرة بنحو 48 مليار برميل من النفط و292 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. وتشكل مواقع مثل سردار جنكل ومسارات مثل خط أذربيجان–جورجيا–تركيا – الذي يتجاوز إيران – محور نزاعات جديدة.

وفي ظل هذه التطورات، تستند كل من روسيا وإيران إلى اتفاقية طهران لعام 2003 الخاصة بحماية البيئة في بحر قزوين لمعارضة مشاريع نقل الطاقة البديلة وتعزيز نفوذهما الإقليمي. كما زادت التوترات الأمنية بعد حادثة يونيو 2025 التي أُبلغ فيها عن نشاطات استطلاع إسرائيلية مشبوهة قرب رامسر، ما يعكس حساسية البحر كمنطقة مواجهة جيوسياسية.

يؤكد الخبراء أن كبح تدهور بحر قزوين يتطلب سياسات إقليمية منسقة تستند إلى العلم، تشمل الرصد المشترك وإدارة التلوث واستعادة النظم البيئية. أما تجاهل الأزمة، فقد يحوّل الطوارئ البيئية إلى كارثة أمنية وتنموية تهدد استقرار المنطقة بأسرها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
Stimson

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى