الجمعة السوداء في إيران… مسرح مفتوح وعروض وهمية
ما يجري في إيران خلال “الجمعة السوداء” ليس مجرّد تخفيضات ضعيفة، بل حالة غريبة تستحق التأمل. فالفكرة التي يفترض أن تمنح المستهلك فرصة واقعية للحصول على منتج يحتاجه بسعر أفضل، تحولت إلى مساحة تُمارس فيها لعبة نفسية.

ميدل ايست نيوز: في كل عام، ومع اقتراب نهاية نوفمبر، تنشغل المتاجر حول العالم بالحدث الذي ينتظره عشّاق التسوق: “الجمعة السوداء”. يوم يعِدُ المستهلكين بخصومات حقيقية، وضخّ دماء جديدة في حركة الأسواق، ودورة اقتصادية تعود بالفائدة على الطرفين. لكن في إيران، يبدو أن الصورة تختلف قليلًا؛ فالحدث لم يعد يشبه تلك النسخة التي نراها في المراكز التجارية الأمريكية أو الأوروبية. إنه شيء آخر، خليط من الدعاية، والازدحام، والغموض في الأسعار، ومحاولة محلية لالتقاط موجة عالمية لم تُفهم جيدًا بعد.

ما يجري في إيران في آخر جمعة من نوفمبر من كل عام ليس مجرّد ضخ تخفيضات استثنائية إلى الأسواق، بل حالة غريبة تستحق التأمل. فالفكرة التي يفترض أن تمنح المستهلك فرصة واقعية للحصول على منتج يحتاجه بسعر أفضل، تحولت إلى مساحة تُمارس فيها لعبة نفسية. فالمتاجر هنا، لا سيما الإلكترونية، تبث لك إعلانات لامعة وأرقام كبيرة ونسب خصم مرتفعة، لكن القيمة الفعلية تكاد تكون غائبة. هنا يكتشف المتسوق الإيراني أنه أمام مشهد يشبه “المسرح”، كل شيء فيه معدّ لإقناعه بأن الفرصة ثمينة، وأن الوقت ينفد، وأن عليه اتخاذ القرار فورًا.
اللافت أن الإيرانيين، مثل غيرهم، لديهم حساسية عالية تجاه “التخفيضات”. فقد ولّدت سنوات من التضخم وتقلّب الأسعار رغبة قوية في اقتناص أي فرصة توفر بعض الريالات أو التومانات، حتى لو كانت مجرد وهم. ومع أنّ كثيرين يدركون أن جزءًا كبيرًا من هذه التخفيضات ترويجي، فإن الحملات التسويقية والإعلانات التي لا حصر لها والخوف من ضياع الفرصة يدفعهم نحو الشراء. هذا الشعور هو القلب النابض للعبة التسويقية في النسخة الإيرانية من “البلاك فرايدي”، لعبة تقوم على الإثارة أكثر من القيمة، وعلى الإبهار أكثر من المنطق.
لكن خلف هذا كله يختبئ سؤال بسيط: لماذا لم تتمكن إيران من خلق حدث تخفيضات حقيقي مثل الدول الأخرى؟ الإجابة ليست اقتصادية فقط، بل ثقافية أيضًا. فالسوق الإيراني يمرّ بحالة مستمرة من اضطراب الأسعار؛ ترتفع فجأة وتنخفض فجأة، وتختلف من متجر إلى آخر بشكل يربك المستهلك. ومع استمرار التضخم، يصبح تقديم تخفيض فعلي مخاطرة بالنسبة للبائع. لذلك، تلجأ المتاجر إلى “تغيير شكل السعر” دون تغيير جوهره. تُرفع الأسعار قبل الحدث، ثم يُعاد تقديمها كـ“خصم استثنائي”. ومع ذلك، يقبل كثيرون بهذه اللعبة على أنها جزء من الواقع التسويقي الجديد.
في المقابل، يعرف الجميع أن تخفيضات الجمعة السوداء في العالم ظهرت لغاية واضحة، هي أن يحصل الناس على احتياجات العام الجديد قبل موسم الأعياد بأسعار أقل. بينما في إيران، العكس هو الذي يحدث. فعندما يقترب عيد النوروز، ترتفع أسعار الملابس والمأكولات والإلكترونيات وأغلب السلع الأساسية، وكأن المناسبة التي يفترض أن تكون فرصة للشراء تحولت إلى عبء إضافي على العائلة الإيرانية. وحين يقارن الإيراني بين “تخفيضات البلاك فرايدي” وبين “ارتفاع الأسعار في النوروز”، يجد نفسه أمام لوحة قاتمة وغير منطقية، لكنها واقعية بالكامل.
مع ذلك، فإن ما يحدث في إيران ليس استثناءً عربيًا أو شرق أوسطيًا، بل جزء من موجة أوسع بدأت تغزو الكثير من الأسواق. ففكرة “المناسبات التجارية المستوردة” باتت تُستخدم في المنطقة بوصفها أدوات جاهزة لجذب المستهلك، دون الالتزام بروح الحدث الأصلية. في بلدان عدة، تتحول المناسبات التجارية إلى نسخة محدّثة من “الموالد الشعبية” القديمة: ضجيج، ازدحام، حملات إعلانية ضخمة، لكن القيمة الحقيقية محدودة. الفرق أن التاجر قديمًا كان يبيعك ما تراه أمامك، بينما اليوم يبيعك ما تراه في شاشة هاتفك.
النقاش هنا لا يتعلق فقط بالإيرانيين، بل بمفهوم الاستهلاك نفسه. هل نحن نشتري لأننا نحتاج؟ أم لأن المتاجر أقنعتنا بأن اللحظة لا تُعوض؟ “الجمعة السوداء” الإيرانية تكشف أن الحدود بين الحاجة والرغبة يمكن أن تصبح ضبابية جدًا، خصوصًا في مجتمع يعيش ضغوطًا اقتصادية وفيه رغبة طبيعية في الإحساس بالتحكم ولو عبر شراء صغير.
اللافت أكثر أن هذه الظاهرة تتكرر كل عام دون أن يحدث تغيير كبير. يخرج المستهلك من التجربة وهو يشعر بشيء من الخيبة، ثم يعود في العام التالي ليشارك من جديد. كأنّ الحدث أصبح تقليدًا اجتماعيًا لا مناسبة اقتصادية. صارت المشاركة فيه شكلًا من أشكال “التفاعل مع العالم الخارجي”، ولو عبر تخفيضات لا تخفّض شيئًا. لتبرز هنا مفارقة أخرى: محاولة للانتماء إلى ثقافة عالمية عبر نسخة غير مكتملة منها.
من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل وجود شريحة جديدة من المستهلكين الإيرانيين الذين أصبحوا أكثر وعيًا. هؤلاء يجيدون مقارنة الأسعار، ويعرفون كيف يتتبعون تغيّرها قبل وبعد التخفيضات. وبعضهم بدأ يكشف علانية التناقضات التي ترافق البلاك فرايدي المحلي، ما خلق جدلًا رقميًا واسعًا حول “التخفيضات الوهمية”. وقد يكون هذا الوعي بداية تحوّل، فالسوق ـ مهما كان شكله ـ يتغير حين يتغير وعي زبائنه.

في النهاية، يبقى البلاك فرايدي الإيراني مرآة صغيرة تعكس صورة أوسع للواقع الاقتصادي والاجتماعي في إيران. فهو ليس مجرد يوم للتسوق، بل حدث يعيد طرح أسئلة عن الثقة بين البائع والمشتري، وعن دور الدعاية في تشكيل سلوك الجمهور، وعن الفارق بين المشاركة في تقليد عالمي وبين استنساخه دون روح. لعل أهم ما يكشفه هذا اليوم هو أن الاستهلاك ليس مجرد فعل اقتصادي، بل ثقافة كاملة تتشكل داخل المجتمع وتتحرك مع رغبات الناس وتعاد صياغتها حسب الظروف.
ومثل كثير من القصص التي تبدأ من التقليد وتنتهي إلى نسخة محلية مغايرة، فإن الجمعة السوداء في إيران أصبحت حدثًا ذو سمات خاصة. مشهد تتقاطع فيه العروض الوهمية مع الأمل في فرصة جيدة والتقليد مع الحاجة والعالمية مع المحلية. في هذه المنطقة الرمادية من العالم، يستمر الحدث عامًا بعد آخر، متأرجحًا بين الحقيقة والدعاية، وبين ما يجب أن يكون وما هو كائن فعلاً.



