الصحافة الإيرانية: ملف سلاح حزب الله يصل إلى مفترق حاسم
يبدو أن التعقيدات المحيطة بملف سلاح حزب الله وصلت إلى أقصاها. فاستمرار الوضع الحالي لم يعد واقعياً، والاختيار بين «التوجه نحو الحرب» أو «التخلي عن السلاح» بات مطروحاً بشكل لا يمكن تجنبه.
ميدل ايست نيوز: يبدو الغموض المحيط بملف سلاح حزب الله وكأنه وصل إلى نهاياته. فاستمرار الوضع الراهن لم يعد ممكناً، ولا مفر من الاختيار بين خيارين: التوجه نحو الحرب أو وضع السلاح جانباً.
وقال الخبير السياسي والصحفي الإيراني أحمد زيد آبادي، في مقالة نشرها على صحيفة هم ميهن، إن اغتيال هيثم علي طبطبائي، رئيس أركان قوات حزب الله في لبنان، مع عدد من مرافقيه في الضاحية الجنوبية لبيروت على يد الجيش الإسرائيلي، أعاد التوتر إلى الساحة اللبنانية. عام كامل مرّ على اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، وخلاله استهدف الإسرائيليون المئات من عناصر الحزب داخل الأراضي اللبنانية. حزب الله يرى في ذلك خرقاً واضحاً للاتفاق، بينما تتهم إسرائيل الحزب بالتملص من تفكيك قواعده جنوب نهر الليطاني والاستعداد لإعادة بناء قدراته العسكرية.
طوال العام الماضي، استمرت حرب محدودة الجانب من إسرائيل ضد أهداف لبنانية من دون أي رد عسكري من حزب الله. ومع اغتيال أبرز قياداته العسكرية، باتت كيفية رد الحزب على الهجوم الإسرائيلي محور نقاش واسع في بيروت وبعض العواصم العربية.
تزعم حكومة بنيامين نتنياهو أن هيثم علي كان يقود التيار الداعم لإعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، ولذلك تم استهدافه، على أمل أن يعزز غيابه من نفوذ الجناح الأكثر مرونة داخل الحزب.
حتى الآن، تفيد المعطيات بأن الداعين إلى رد دبلوماسي داخل حزب الله باتوا أكثر وزناً من المطالبين برد عسكري مباشر، ما خفّف تدريجياً حدّة التوتر. لكن القاعدة الشعبية للحزب تضغط في الاتجاه المعاكس وتطالب برد عسكري على إسرائيل، ما يزيد صعوبة اتخاذ القرار داخل الحزب.
في مفاوضات وقف إطلاق النار، كان التركيز على انسحاب قوات حزب الله من جنوب الليطاني، لكن لاحقاً بات نزع سلاح الحزب بالكامل في أنحاء لبنان، وحصر السلاح بيد الجيش الرسمي، مطلباً أساسياً للولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول العربية إضافة إلى الرئيس ورئيس الحكومة في لبنان. الحكومة اللبنانية، مع تأكيدها المستمر على مبدأ حصر السلاح بالدولة، تطرح مساراً تدريجياً يشمل انسحاب إسرائيل من خمس قواعد عسكرية داخل لبنان، لكن إسرائيل وحلفاءها يضغطون بقوة على حكومة نواف سلام لنزع سلاح حزب الله سريعاً ومن دون شروط. ويحذّرون من أن أي تأخير سيعني وقف أي دعم خارجي لإعادة إعمار المناطق المتضررة، بل وقد يفتح الباب أمام عمليات عسكرية إسرائيلية أو حتى سورية داخل الأراضي اللبنانية.
هكذا يجد حزب الله نفسه تحت ضغوط من كل الجهات للقبول سريعاً بصيغة للتخلي عن سلاحه، في وقت تغذي فيه الهجمات الإسرائيلية وعمليات الاغتيال غضب جمهوره وتدفعه للمطالبة برد عسكري. وبعد التجربة الأخيرة للحرب، ترى معظم القوى اللبنانية، داخل الحكومة وخارجها، أن دخول الحزب في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل لا يخدم مصلحة لبنان، ولا يحظى بدعم سوى من قاعدته الشعبية.
وعندما يكون خيار الحرب مستبعداً، لا يتبقى إلا خياران: استمرار الوضع الحالي، وهو ما يسمى «الصبر الاستراتيجي»، لكن إسرائيل جعلته خياراً مكلفاً جداً عبر تكثيف هجماتها من دون رد. أما الخيار الثاني فهو الدخول في مسار دبلوماسي للتخلي عن السلاح والمساهمة في تطبيق صيغة «دولة واحدة، حكومة واحدة، جيش واحد». هذا الخيار يعني تغييراً جذرياً في عقيدة واستراتيجية حزب الله، وهو تغيير لا يتحمله الحزب ولا تتحمله الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الظروف الحالية.
مع ذلك، ترى أغلب القوى اللبنانية أن هذا التحول ضروري لحماية لبنان من الهجمات الإسرائيلية، وبعضها يعتبر أن إيران هي العقبة الأساسية أمام انتقال حزب الله إلى دور سياسي كامل. المسؤولون الإيرانيون ينفون أي تدخل من هذا النوع، ويؤكدون استقلالية الحزب، رغم وصفهم سلاحه بأنه خط أحمر.
بعد اغتيال هيثم علي، تركزت الأنظار على موقف طهران. التصريحات الصادرة من العاصمة الإيرانية حول الرد العسكري اتسمت بالغموض والحذر، خصوصاً ما صدر عن علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي. إذ فسرت بعض وسائل الإعلام تصريحاته كدعوة لرد عسكري، لكن النص المنشور لم يحمل أي دعوة مباشرة أو واضحة إلى ذلك، ولم يحث الحزب على رد محدد.
وبناءً على كل ما سبق، يبدو أن التعقيدات المحيطة بملف سلاح حزب الله وصلت إلى أقصاها. فاستمرار الوضع الحالي لم يعد واقعياً، والاختيار بين «التوجه نحو الحرب» أو «التخلي عن السلاح» بات مطروحاً بشكل لا يمكن تجنبه.



