أول تفاوض سياسي بين لبنان وإسرائيل منذ 1983
عشية تقديم الجيش اللبناني تقريره الشهري الثالث المتعلق بعملية حصر السلاح في جنوب الليطاني، اليوم الخميس، في جلسة مجلس الوزراء، شهد اجتماع لجنة "ميكانيزم" لوقف الأعمال العدائية مع إسرائيل، أمس، أول تفاوض سياسي بين إسرائيل ولبنان منذ 1983.
ميدل ايست نيوز: عشية تقديم الجيش اللبناني تقريره الشهري الثالث المتعلق بعملية حصر السلاح في جنوب الليطاني، اليوم الخميس، في جلسة مجلس الوزراء، شهد اجتماع لجنة “ميكانيزم” لوقف الأعمال العدائية مع إسرائيل، أمس، أول تفاوض سياسي بين إسرائيل ولبنان منذ 1983، بعدما كلّف رئيس الجمهورية جوزاف عون السفير السابق لدى واشنطن، سيمون كرم ترؤس الوفد اللبناني فيما شارك شارك المدير الأعلى للسياسة الخارجية في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي أوري رازنيك في الاجتماع، وذلك على وقع تتالي التهديدات الإسرائيلية بشن حرب واسعة النطاق ما لم يسلّم حزب الله سلاحه بحلول نهاية العام الحالي.
وجاءت مشاركة السياسيَّين وما تحمله من تفاوض سياسي مباشر مقرونة بتصريحات لرئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، عن احتمال شنّ الاحتلال اعتداءات على البلاد، وذلك بعد أسابيع من التصعيد المتزايد. وتتألف لجنة ميكانيزم الخماسية من ممثلين عن لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل).
وانعقد اجتماع للجنة، أمس الأربعاء، في مقر “يونيفيل” في بلدة الناقورة، جنوبي لبنان، بحضور المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي كانت في إسرائيل، أول من أمس الثلاثاء. وشارك كرم إلى جانب ضباط من الجيش اللبناني بقيادة قائد قطاع جنوب الليطاني العميد الركن نيكولاس تابت.
وركّز الجانب اللبناني في الاجتماع على الخروق الإسرائيلية لاتفاق وقف الأعمال العدائية وتنفيذ القرار 1701، الذي وضع حداً للعدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006. وكان الجيش اللبناني قد استبق اجتماع “ميكانيزم” والتقرير الشهري الثالث حول مسار حصرية في جنوب الليطاني، بجولة للإعلاميين في هذه المنطقة، خصوصاً في وادي زبقين وأحد أنفاق حزب الله، ليؤكد أنه يعمل بجدّية على سحب كل سلاح غير شرعي جنوبي نهر الليطاني، فيما يبقى وجود الاحتلال الإسرائيلي بخمس نقاط لبنانية في الجنوب، معرقلاً للانتشار الكامل للجيش اللبناني.
وذكرت السفارة الأميركية في بيروت بعد الاجتماع، أمس الأربعاء، أن “السفير اللبناني السابق سيمون كرم والمدير الأعلى للسياسة الخارجية في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي أوري رازنيك شاركا في الاجتماع بصفتهما مدنيين. ويعكس انضمامهما التزام الميكانيزم تسهيل المناقشات السياسية والعسكرية بهدف تحقيق الأمن والاستقرار والسلام الدائم لجميع المجتمعات المتضررة من النزاع”.
وأضافت السفارة في بيان أن “اللجنة تتطلع إلى العمل بشكل وثيق مع كرم ورازنيك في الجلسات المقبلة وإلى دمج توصياتهما فيما تواصل الميكانيزم تعزيز السلام الدائم على طول الحدود”.
من جهتها، أكدت إسرائيل أن مباحثات مباشرة هي الأولى منذ عقود جرت أمس الأربعاء بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين لبنانيين. وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية شوش بدرسيان للصحافيين “إن اجتماع اليوم (الأربعاء) في لبنان محاولة أولية لوضع أساس لعلاقة وتعاون اقتصادي بين إسرائيل ولبنان”.
وأضافت “لا شك أن هذا الاجتماع المباشر بين إسرائيل ولبنان قد تم نتيجة لجهود رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتغيير وجه الشرق الأوسط”. وكان ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أعلن صباح أمس الأربعاء، أن الأخير، وجّه القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي لإرسال ممثل عنه إلى اجتماع مع جهات حكومية -اقتصادية في لبنان، وهو أوري رازنيك.
وبحسب البيان الصادر عن رئاسة الوزراء الإسرائيلية، “يُعد ذلك محاولة أولى لإنشاء أساس لعلاقات وتعاون اقتصادي بين إسرائيل ولبنان”.
تكليف سيمون كرم
وعن تكليف كرم، ذكرت المتحدثة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية نجاة شرف الدين، أمس الأربعاء، أن التعيين جاء “تجاوباً مع المساعي المشكورة من قبل حكومة الولايات المتحدة، التي تتولى رئاسة اللجنة”، المنبثقة من اتفاق وقف النار بين إسرائيل ولبنان في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مشيرة إلى أن الخطوة جاءت “بالتنسيق والتشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام”.
وكرم من أبرز الشخصيات التي رافقت سني الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، وكان على خلاف دائم مع السلطات السورية التي حكمت لبنان حتى عام 2005، وهو صاحب مواقف معارضة بشدة لحزب الله. ولد سيمون كرم عام 1975، في مدينة جزين، جنوبي لبنان. وهو محام عمل في السلك الدبلوماسي، وشغل مناصب مثل محافظ البقاع ومحافظ بيروت حيث تصادم مع الوصاية السورية حينذاك، غير أنه في عام 1992، عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة، وقدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش الأب في الثامن من سبتمبر/أيلول 1992. إلا أن مسيرته الدبلوماسية كانت قصيرة، إذ استقال بشكل مفاجئ في أغسطس/آب 1993، وسط تفسيرات متعددة، منها اعتراضه على الأداء السياسي للسلطات اللبنانية، الموالية للنظام السوري. عاد بعد ذلك إلى لبنان، واستأنف عمله في المحاماة.
في التسعينيات، ساهم سيمون كرم في تأسيس “لقاء جزين أولاً”، مطالباً بانسحاب إسرائيل من الجنوب، إذ إنه قبل الانسحاب في عام 2000، كان الإسرائيليون يهيمنون على شريط حدودي يمتد إلى مداخل جزين. بعد انسحاب الاحتلال الإسرائيلي في مايو/أيار 2000، برز اسم كرم في سياق المعارضة اللبنانية للوجود السوري في لبنان، فكان عضواً في لقاء قرنة شهوان، الذي تأسس في عام 2001 برعاية البطريرك الماروني الراحل نصر الله صفير.
وشارك سيمون كرم في الحوارات الوطنية التي سبقت ما أُطلق عليه “ثورة الأرز” التي انبثقت إثر اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005. وساهم كرم في تأسيس حركة 14 آذار، التي أدت في النهاية إلى الانسحاب السوري من لبنان في 26 إبريل/نيسان 2005. في يوليو/تموز الماضي، وخلال ندوة في جامعة القديس يوسف اليسوعية في بيروت، عُقدت إحياءً لذكرى السياسي اللبناني حبيب صادق (1931 – 2023)، الذي كان نائباً بين عامي 1992 و1996 عن دائرة النبطية الجنوبية، شارك كرم بمداخلة أثارت جدلاً واسعاً داخل القاعة.
وأثارت كلمته غضب مناصري حزب الله الحاضرين. وتناول سيمون كرم في كلمته تداعيات “حرب الإسناد” على لبنان، قائلاً “إن شروط إنهاء الحرب جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين قبلوا وقفاً لإطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل، يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة؛ والجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس؛ والقوات الدولية لسعيها لتنفيذ القرارات الدولية؛ وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم كفى”.
وشدّد على أن “طرح اتفاقية الهدنة هو المدخل التفاوضي الصحيح؛ من دون أوهامٍ حول أن الحلّ المرتجى يمكن أن يتجاوزها. مع الأخذ في الاعتبار أن الدولة التي وقّعت هدنة 1949، اتخذت قراراً سياسياً كبيراً، جوهرُه قدرتها المحسومة على فرض الأمن، من دون شريك أو منازع، على حدودها وكلّ أراضيها؛ مقابل التزام إسرائيل بموجبات الهدنة”.
ووصفت قناة “إسرائيل 24” العبرية (خاصة) خطوة تكليف كرم، بأنها “دراماتيكية بشكل خاص من جانب الحكومة في بيروت، والتي تُظهر على ما يبدو مظهراً من مظاهر التطبيع، وذلك بفضل الضغط الأميركي الذي يُمارس على اللبنانيين في الفترة الأخيرة”.
من جانبها، ذكرت صحيفة هآرتس أن قرار إرسال الممثل الإسرائيلي اتُخذ في سياق محاولة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب منع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، في ظل التهديدات الإسرائيلية بالتحرك ضده، بزعم مواصلته تعزيز قوته.
وأجرى ترامب ونتنياهو مكالمة هاتفية الاثنين الماضي، فيما زارت إسرائيل أول أمس الثلاثاء المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، وعقدت عقب وصولها، سلسلة لقاءات مع نتنياهو، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، وبحضور رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) شلومي بيندر. وبينما يحاول الأميركيون وقف التدهور ومنع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، على حدّ تعبير القناة 12 العبرية، عرضت إسرائيل على المبعوثة الأميركية المعلومات التي بحوزتها بشأن ما زعمت أنه محاولات حزب الله إعادة بناء قوته وتعزيزها من جديد.
وقدّم المسؤولون الإسرائيليون للمبعوثة، وفق القناة 12، كامل ملف “الأدلة” الإسرائيلية الذي يزعم أن الجيش اللبناني غير قادر، بل وغير راغب، في وقف “الانتهاكات” التي يرتكبها حزب الله. وقال مسؤول إسرائيلي بارز، لم تسمّه القناة العبرية، إنّ “إسرائيل بحاجة إلى الشرعية الأميركية لاتخاذ أي خطوة”. وقبل ذلك، اجتمعت أورتاغوس مع وزير الخارجية جدعون ساعر، الذي عرض لها التصوّرات الإسرائيلية بشأن حزب الله.
وزعم ساعر أنّ حزب الله “يتسلّح بوتيرة أسرع بكثير مما يتجرّد من سلاحه، والمسؤولية تقع على عاتق الحكومة اللبنانية، وهناك أيضاً تحويل أموال من إيران إلى حزب الله عبر تركيا، ويجب قطع ذلك”. وذكرت هيئة البث العامة الإسرائيلية، مساء الثلاثاء، أن إسرائيل “تستعد لتصعيد كبير في لبنان على ضوء التعزيزات العسكرية التي يقوم بها حزب الله”، مضيفة أن “واشنطن تحاول تهدئة التوتر، لكن المسؤولين الإسرائيليين يؤكدون أنه يبدو أن لا مفر من التصعيد”.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قال في 26 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي: “لن نسمح بأي تهديد ضد سكان الشمال (الحدودي مع لبنان) وسيستمر فرض إجراءات صارمة بل وستتصاعد”.
وتراجعت وتيرة الضربات الإسرائيلية خلال الأيام الثلاثة الماضية خلال زيارة بابا الكاثوليك لاوون الرابع عشر لبنان. وكانت المخاوف سائدة من استئناف التصعيد بعد الزيارة. ونقل موقع صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، مساء الثلاثاء، عن مسؤول إسرائيلي قوله: “لا نرى أن حزب الله يتخلى عن سلاحه في إطار الاتفاق، ولذلك لا جدوى من الاستمرار بهذا الاتفاق. نحن نتجه نحو التصعيد، وسنقرر متى وفقاً لمصلحتنا”.
ومع أن وجود سياسي لبناني على رأس لجنة تفاوضية بين لبنان وإسرائيل لم يكن الأول من نوعه، إلا أنه الأول منذ تشكيل لجنة “ميكانيزم”. في عام 1983، أجرى لبنان وإسرائيل مفاوضات ترأسها مدنيون: أنطوان فتّال من الجانب اللبناني وديفيد كمحي من الجانب الإسرائيلي.
وهدفت المفاوضات، التي نجمت عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982، إلى توصل الطرفين إلى إبرام اتفاق لوقف الحرب بينهما وإقامة لجنة اتصال، وهو اتفاق عُرف باسم “اتفاق 17 أيار (مايو 1983)”، نسبة لتاريخ توقيعه، في وقت متزامن بين خلدة اللبنانية ومستوطنة كريات شمونة الإسرائيلية.
والاتفاق، الذي تضمّن 12 مادة، حاز الموافقة الحكومية والبرلمانية في لبنان، لكن الرئيس الأسبق أمين الجميل، رفض توقيعه، عازياً السبب إلى الضغط الذي مارسته سورية بقيادة حافظ الأسد على الشرعية اللبنانية، فضلاً عن حصول ما سُمي “انتفاضة 6 فبراير/شباط 1984″، بقيادة رئيس حركة أمل، رئيس البرلمان الحالي، نبيه بري، ضد الدولة والجيش اللبنانيين على خلفية الاتفاق المذكور. وفي الخامس من مارس/آذار 1984، تم إلغاء الاتفاق في مجلس الوزراء.
“مفاوضات فوق عسكرية” بين لبنان وإسرائيل
في هذه الأثناء، شدّد رئيس الحكومة نواف سلام، أمس الأربعاء، على استعداد لبنان لخوض “مفاوضاتٍ فوق عسكرية” مع إسرائيل، موضحاً في مقابلة مع قناة الجزيرة، أن الخطوة المتمثّلة بانضمام دبلوماسيٍّ لبنانيٍّ سابقٍ إلى لجنة “ميكانيزم” تأتي في إطار مسارٍ تفاوضيٍّ غير مباشر، وتحت مظلّةٍ وطنيةٍ واضحة.
وقال سلام إن هذه الخطوة “مُحصّنة سياسياً وتحظى بإجماعٍ داخلي”، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “ذهب بعيداً في توصيفه” لها، معتبراً أنها “لا تعدو كونها إجراءً تفاوضياً تقنياً مرتبطاً بمسائل وقف النار، وليس بمقارباتٍ سياسيةٍ أبعد”.
وأضاف: “لسنا بصدد مفاوضات سلامٍ مع إسرائيل”، مشدّداً على أنّ أيّ تطبيعٍ “مرتبطٌ بعملية سلامٍ شاملةٍ لا تزال بعيدةً عن التحقّق”. وفي سياق حديثه عن المناخ الأمني المحيط بالملف اللبنانيّ – الإسرائيليّ، كشف سلام أن بيروت تلقّت “رسائل إسرائيليةً عن تصعيدٍ محتمل”، إلّا أنه أوضح أن هذه الرسائل “لا تتضمّن مهلًا زمنيةً محدّدة”.
وبيّن أن تقييم الموفدين الدوليين الذين زاروا بيروت أخيراً يشير إلى أن “الوضع دقيقٌ وقابلٌ للتصعيد”. ووجّه سلام رسائل مباشرةً حيال واقع السلاح في البلاد، مشيراً إلى أن على حزب الله تسليم سلاحه “في سياق مشاركته في مشروع بناء الدولة”.
وأضاف: “سلاح حزب الله لم يردع إسرائيل، ولم يحم لبنان”، معتبراً أن “الدولة استعادت قرار الحرب والسلم، ولن تسمح بمغامراتٍ تجرّ لبنان إلى حربٍ جديدة”. وختم سلام بالتشديد على ضرورة “استخلاص العبر من تجربة نصرة غزة”، قائلًا: “لا مجال لمجازفاتٍ جديدةٍ تُعيد اللبنانيين إلى دائرة الخطر”.
ميدانياً، نفّذ الاحتلال عملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة من مركزه المستحدث على تلة حمامص باتجاه أطراف الخيام، أمس الأربعاء. وألقت مسيرة إسرائيلية ثلاث قنابل صوتية فوق أجواء البحر مقابل شاطئ رأس الناقورة، وأخرى على بلدة العديسة. واستهدفت مدفعية الاحتلال المنطقة الواقعة بين بلدتي بيت ليف وراميا، فيما حلّقت المسيرات الإسرائيلية على علو منخفض فوق مختلف الأجواء الجنوبية، وصولاً إلى بيروت.



