العراق.. ما قصة لجنة تجميد أموال الجماعات الإرهابية؟

برزت في العراق خلال الأشهر القليلة الماضية لجنة "تجميد أموال الجماعات الإرهابية"، كأحد مخرجات الضغوط الأميركية المتواصلة على العراق منذ مطلع العام الحالي.

ميدل ايست نيوز: برزت في العراق خلال الأشهر القليلة الماضية لجنة “تجميد أموال الجماعات الإرهابية”، كأحد مخرجات الضغوط الأميركية المتواصلة على العراق منذ مطلع العام الحالي 2025 حيال العلاقات المالية بين العراق والحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني، والحوثيين، التي باتت تعرف داخل الأوساط السياسية العراقية بملف “فك الارتباط مع إيران”.

القرارات التي نشرتها جريدة “الوقائع” العراقية الرسمية، والقاضية بتصنيف “حزب الله” اللبناني، و”أنصار الله” اليمنية (الحوثيين)، ضمن قائمة المنظمات الإرهابية وتجميد أصولهما المالية، صدرت عن لجنة تجميد أموال وأصول الجماعات الإرهابية، وهي لجنة مرتبطة بالأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي، وتشترك فيها عدة وزارات وأجهزة وهيئات أمنية واستخبارية ومالية وقضائية، ما يجعل قرارها ملزماً، خصوصاً بعد إدراجه ونشره في الجريدة الرسمية.

وبعد ساعات من النشر، أصدرت لجنة تجميد الأصول وأموال الجماعات الإرهابية في العراق بياناً قالت فيه إن ما نُشر حصل دون تنقيح، وسيُصحَّح.

ووفقاً لبيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، فإن قرار اللجنة رقم 61 جاء استناداً إلى قرارات مجلس الأمن الدولي، وبطلب من دولة ماليزيا، وقد تضمنت القائمة الإشارة إلى عدد من الأحزاب والكيانات التي لا ترتبط بأي نشاطات إرهابية مع التنظيمين المذكورين (داعش والقاعدة).

وأكد البيان أن إدراج أسماء الكيانات الأخرى جاء نتيجة نشر القائمة قبل التنقيح، وأن ما نُشر في جريدة الوقائع العراقية سيُصحَّح برفع تلك الكيانات والأحزاب من قائمة الكيانات الإرهابية.

من جانب آخر، ذكر المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي أن “رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، وجّه بإجراء تحقيق عاجل وتحديد المسؤولية ومحاسبة المقصرين في ما ورد من خطأ في قرار لجنة تجميد أموال الإرهابيين رقم (61 لسنة 2025)، الذي نشرته جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4848) في 17 تشرين الثاني 2025، وما ورد فيه من نصوص عكست مواقف غير حقيقية، إذ إن موافقة الجانب العراقي على تجميد الأموال بناءً على طلب الجانب الماليزي، اقتصرت على إدراج الكيانات والأفراد المرتبطين بتنظيمي داعش والقاعدة الإرهابيين”.

وأضاف أن “الحكومة تؤكد أن مواقفها السياسية والإنسانية من العدوان على أهلنا في لبنان أو في فلسطين، هي مواقف مبدئية لا تخضع للمزايدات، فضلاً عن كونها تعكس إرادة الشعب العراقي بكل أطيافه المتآخية، إلى جانب حق الشعوب الشقيقة في التحرر والعيش الكريم على أرضها، وأن لا أحد من المتصيدين والمفلسين يمكنه المزايدة على مواقف الحكومة العراقية، التي برهنت دائماً على صلابة الاستناد الى الحقوق التاريخية لأصحاب الأرض والوقوف الى جانبهم، ورفض الاحتلال والاعتداء والإبادة الجماعية والتهجير القسري، وكل ممارسات العدوان التي سكت عنها المجتمع الدولي”.

وأثار القرار العراقي جدلاً واسعاً داخل العراق، نظراً لكون “حزب الله” و”أنصار الله” يتمتعان بحضور وتمثيل سياسي داخل البلاد. وقد برّرت اللجنة قرار تصنيفهما منظمات إرهابية بالإشارة إلى “المشاركة في ارتكاب عمل إرهابي”، رغم عدم تورط الجماعتين في أي نشاط عسكري مباشر أو عمليات مسلحة داخل الأراضي العراقية، ما يجعل هذا القرار سابقة هي الأولى من نوعها في قرارات اللجنة، التي كانت تقتصر سابقاً على جماعات تنشط داخل العراق أو مرتبطة بأعمال تمسّ أمنه الداخلي.

ممَّ تتألف اللجنة؟

لجنة تجميد أموال وأصول الجماعات الإرهابية، ترتبط بالأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي، واتخذت شكلها الحالي في يناير العام الجاري، بعد إضافة عدة هيئات ووزارات لها، وشاركت في اجتماعات ولقاءات لوفود وزارة الخزانة الأميركية إلى بغداد.

يقع مقر اللجنة في المنطقة الخضراء ببغداد، وتتولى تجميد أموال الأفراد والجماعات المتورطة بالأعمال الإرهابية الذين صُنِّفوا على الصعيد المحلي في العراق، أو الذين حددتهم لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة والمنشأة بموجب قرارات مجلس الأمن، بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أو بناءً على طلب دولة أخرى تمتلك بغداد معها مواثيق أو اتفاقات أمنية.

وتتألف اللجنة من نائب محافظ البنك المركزي العراقي، بوصفه رئيساً، والمدير العام لمكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بوصفه نائباً، وعضوية كل من وزارة المالية، ووزارة الداخلية، ووزارة الخارجية، ووزارة العدل، ووزارة التجارة، ووزارة الاتصالات، ووزارة العلوم والتكنولوجيا، وهيئة النزاهة، وجهاز مكافحة الإرهاب، وجهاز المخابرات الوطني.

وتصدر اللجنة بين وقت وآخر قرارات تُعتبر بحكم الأحكام القضائية، من حيث كونها باتة وملزمة لكل المؤسسات العاملة في الدولة العراقية، وهي تُنشر عبر الموقع الرسمي لمكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إحدى المؤسسات الرسمية المرتبطة برئيس الوزراء.

قرار يشرح حجم الضغوط على بغداد

وتولت اللجنة خلال الأشهر الماضية إعادة تصنيف أو تصنيف جديد للعشرات من أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وتنظيم “القاعدة”، وتنظيم “أنصار السنة”، إلى جانب جماعات مسلحة أخرى، غالبيتها عراقية، وأخرى إقليمية مثل تنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب”، وتنظيم القاعدة في اليمن، وجبهة النصرة في سورية، وأنصار الدين في سورية، وأخيراً حزب العمال الكردستاني التركي المعارض لأنقرة.

وهذه المرة الأولى التي تُصنف فيها اللجنة جماعات تُعتبر حليفة أو مؤيدة للقوى السياسية الحاكمة في العراق، مثل حزب الله اللبناني الذي شارك بدعم الفصائل العراقية في سنوات القتال ضد تنظيم “داعش”، أو جماعة الحوثي التي تمتلك تمثيلاً يمتد لعدة سنوات في بغداد.

وحول ذلك، قال الخبير بالشأن العراقي، أحمد الحمداني، إن القرار له دلالات مهمة عن حجم الضغوط التي تعرض لها العراق خلال الفترة الماضية، التي جعلته يتخذ خطوة كهذه، حتى لو كانت بجانبها السياسي أو العملياتي على الأرض، رمزية أكثر من كونها حقيقية.

الحمداني أضاف أن القرار يعني حظر التعاملات المالية والاقتصادية مع حزب الله، منظمةً وأفراداً، والحال ذاته مع الوضع الراهن في صنعاء التي تحكمها جماعة أنصار الله اليمنية.

لكن الحمداني أكد أنه من الناحية السياسية أو حتى الأمنية، لا يتوقع أي تأثير أو تغيير في علاقة العراق مع الطرفين، خصوصاً أن العراق قدم أخيراً دعماً لحزب الله خلال العدوان الإسرائيلي، تمثل بعلاج جرحى مقاتلي الحزب، إلى جانب وجود شخصيات قيادية بالحزب تتردد أو تقيم بشكل متكرر في العراق، والحال ذاته بالنسبة إلى جماعة أنصار الله، مؤكداً أن القرار يمكن أخذه من جانب إداري، وهو موجه للبنوك والمؤسسات المالية وشركات الصرافة في حظر التعامل. لكن يبقى السؤال: هل سيجري التأسيس عليه وتطوير هذا الإجراء مستقبلاً؟ وهو ما لا يمكن الجزم بعدم حصوله مع كل هذه المتغيرات في المنطقة.

وفي أول تعليق من كتائب حزب الله العراقية، هاجم القيادي في الجماعة حسين مؤنس، حكومة محمد شياع السوداني، ووصفها بأنها “سلطة مرتجفة تابعة”، مضيفاً أنها “لا تملك الحد الأدنى من الكرامة”، واصفاً تصنيف حزب الله منظمة إرهابية من قبل الحكومة العراقية بأنها “ليست حكومة ذات سيادة، ولا شجاعة”.

عضو في الائتلاف الحاكم بالعراق “الإطار التنسيقي”، عدي الخدران، أبلغ بأن خطوة إدراج حزب الله والحوثيين على قوائم الإرهاب في العراق “جاءت استجابة لضغوط وتهديدات أميركية. هذا الأمر غير مقبول ولن نسكت عنه، وسيكون هناك مواقف سياسية وشعبية رافضة”.

واستبعد الخدران مسألة الخطأ في إيراد الأسماء، قائلاً: “قرارات كهذا غير مدروسة وتأتي بضغوط خارجية، قد تدفع الحكومة في المستقبل إلى إدراج فصائل عراقية وقياداتها على قوائم الإرهاب، ولهذا سيكون هناك موقف لمنع إجراءات كهذا تدفع العراق نحو مشاكل داخلية وخارجية”.

الناشط السياسي المقرب من التيار الصدري، مجاشع التميمي، قال إن العراق “ملزم عملياً بالتعامل مع أي تصنيف يصدر عن الخزانة الأميركية، طالما أن القطاع المالي العراقي مرتبط بالدولار وعمليات مزاد العملة، وهذا ليس جديداً، فقد سبق لوزارة العدل العراقية أن طبقت رفع اسم ابن معمر القذافي من قوائم العقوبات فور رفعه من قبل الخزانة الأميركية. وأما ثالثها، فهو الحفاظ على الاستقرار المالي ومنع إدخال البلد في مواجهة مع النظام المالي الدولي”.

واعتبر التميمي أن “تبعات القرار، داخلية وخارجية، فداخلياً قد يثير حساسية سياسية لدى بعض القوى، لكنه سيُستخدم رسمياً حمايةً للقطاع المصرفي، وخارجياً يمنح بغداد هامشاً أفضل لتجنب عقوبات مؤلمة على المصارف والتحويلات، ويبعث برسالة طمأنة إلى واشنطن بأن العراق ملتزم ضوابط الامتثال المالي”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة − 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى