الصحافة الإيرانية: لا أمريكا ولا إيران على استعداد لتعديل خطوطهم الحمراء

لا طرف مستعد لتعديل خطوطه الحمراء. أمريكا ترى العقوبات أداة فعالة، وإيران تعتبر المطالب الأمريكية غير واقعية وتمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي. هذا التباعد يجعل التوصل لاتفاق فعلي أمراً مستحيلاً.

ميدل ايست نيوز: ما تزال مسألة جمود المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة من أبرز ملفات السياسة الخارجية الإيرانية. وقد تناول عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني هذا الموضوع مؤخراً، مؤكداً أنه خلال محادثات إيران وأمريكا في سلطنة عمان كانت طهران قريبة جداً من التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، لكن الأخيرة في النهاية «اختارت الحرب».

وقال عراقجي في مقابلة، مشيراً إلى جهود الوساطة العُمانية الأخيرة: «العام الماضي تولت عمان مجدداً دور الوسيط بين إيران وأمريكا. لكن للأسف، هذه المرة لم يتحقق أي نجاح. جرت المفاوضات في خمس جولات وكان الطرفان يستعدان للجولة السادسة، لكن الجانب الأمريكي خرق المسار الدبلوماسي وجهود الوساطة. إذا أبدت أمريكا استعداداً لاتفاق عادل ومتوازن، فإن إيران ستبحث الأمر بالتأكيد. نحن لم نغادر طاولة التفاوض في أي وقت».

تأتي تصريحات عراقجي في وقت يعبّر فيه عدد من الشخصيات السياسية والاجتماعية عن رفض صريح لبدء أو مواصلة المفاوضات مع الولايات المتحدة. أحد هؤلاء هو ناصر رفيعي الذي قال في برنامج تلفزيوني إن الأشخاص الذين «يطلبون الخير من الأعداء» أو يدخلون مواقع لا تناسب مكانتهم، لا يحق لهم الشكوى إذا تعرضوا للإهانة أو اللوم. وقدم مجموعة أمثلة على «سلوكيات تستحق اللوم»، محذراً من السذاجة في التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي هذا السياق، قال حسن بهشتي بور، الخبير البارز في السياسة الخارجية، في حديث مع موقع «فرارو»: «العلاقات بين إيران وأمريكا عالقة منذ عقود في مأزق بنيوي لم يتغير رغم تبدل الحكومات أو الاتجاهات السياسية أو التوقعات الإعلامية. طالما يكتفي الطرفان بتكرار مواقفهما، فلن تصل المفاوضات إلى نتيجة ولو استمرت ثلاثين عاماً. المشكلة الأساسية ترتبط من جهة بالنزعة الهيمنية الأمريكية، ومن الجهة الأخرى بمقاومة إيران للنظام الدولي القائم. هذا التناقض الجوهري هو الإطار الذي يحدد طبيعة الخلاف. لذلك، ورغم النقاشات وأحياناً موجات التفاؤل، لم تتشكل أرضية حقيقية لأي حوار بنّاء. فكل طرف يطرح شروطاً يعتبرها الطرف المقابل غير مقبولة وتمس مصالحه الوطنية».

وأضاف: «مطالب الولايات المتحدة ترتكز على ثلاث نقاط: وقف التخصيب بالكامل وفرض قيود واسعة على البرنامج النووي الإيراني، تقييد البرنامج الصاروخي، وابتعاد إيران عن محور المقاومة. في المقابل، تطالب إيران بوقف الدعم الأمريكي لإسرائيل، وخفض أو إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ورفع العقوبات بالكامل. ولا طرف مستعد لتعديل خطوطه الحمراء. أمريكا ترى العقوبات أداة فعالة، وإيران تعتبر المطالب الأمريكية غير واقعية وتمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي. هذا التباعد يجعل التوصل لاتفاق فعلي أمراً مستحيلاً».

مفتاح تغيير المعادلة

وتابع بهشتي بور: «رغم الحديث أحياناً عن مفاوضات سرية، لا توجد أي إشارة جدية إلى استعداد الطرفين لتعديل مواقفهما. ومن دون تغيير جذري في النهج، فإن المفاوضات السرية ستلقى مصير المفاوضات العلنية نفسها. بالنسبة لإيران، وقف التخصيب يعني التخلي عن إنجازاتها النووية وتقويض استقلالها. وتقليص البرنامج الصاروخي يساوي إضعاف الدفاع والردع. كما أن الابتعاد عن محور المقاومة يُعدّ تخفيضاً لقدرة إيران على مواجهة التوسع الإسرائيلي وتراجعاً عن دورها الإقليمي. لذلك فإن الشروط الأمريكية تتعارض بالكامل مع السياسات الأمنية الإيرانية، وأي مفاوضات تُبنى على هذه الشروط محكومة بالفشل منذ البداية. النظرة المتعالية لواشنطن في مفاوضات سابقة أظهرت أنها تفضّل التمسك بموقع المنتصر أكثر من التزامها بتعهداتها. وطالما أن العقوبات مؤثرة، فلن يكون لدى أمريكا دافع لتغيير سلوكها».

وأضاف: «مفتاح تغيير المعادلة هو تعزيز الاقتصاد واستعادة القوة الوطنية. كلما ارتفع الإنتاج المحلي وانخفضت التبعية، تراجعت فاعلية العقوبات، واضطرت واشنطن لإعادة النظر في سياستها. إيران والولايات المتحدة تعملان في فضاءين سياسيين مختلفين تماماً، ولكل منهما منظومة من المطالب غير قابلة للإلغاء أو المقايضة. لذلك فإن الحديث عن التفاوض اليوم أقرب إلى نقاش إعلامي منه إلى احتمال سياسي واقعي. على إيران أن تحصّن قدراتها الداخلية وتُحسّن اقتصادها لتهيئة موقع تفاوضي أفضل مستقبلاً. المفاوضات تصبح ذات معنى فقط عندما يتعزز الوضع الاقتصادي الإيراني بشكل واضح».

إهانة المفاوضين ومن يؤيدونهم بلا أساس منطقي

وتناول الخبير البارز في السياسة الخارجية الانتقادات الموجهة للمفاوضات قائلاً: «إهانة المفاوضين أو مؤيدي التفاوض لا تستند إلى أي منطق. السؤال الذي يطرحه معارضو التفاوض هو: هل يمكن التفاوض من دون ثقة؟ والجواب نعم. الثقة ليست شرطاً مسبقاً. إيران تفاوضت تاريخياً مع أطراف لم تكن محل ثقة، ومن أبرز الأمثلة مفاوضات وقف إطلاق النار مع العراق. التفاوض ليس مكافأة ولا دليلاً على الثقة، بل أداة لإدارة التوتر وتقليل الكلفة والبحث عن حلول جديدة. وحتى إذا كان التوصل لاتفاق شامل غير واقعي حالياً، فإن الحوار مع الولايات المتحدة ضروري للسيطرة على التوتر ومنع تفاقم الأزمات. تجاهل هذه الضرورة لا يزيد إلا من الأعباء».

وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قال: «رغم صدور قرار مجلس المحافظين مؤخراً، لا تزال لدى إيران فرصة لإيجاد نموذج تعاون مستدام مع الوكالة. على طهران أن تصوغ خطة جديدة تضمن أمنها الداخلي وتتيح الرقابة الفنية. المطلوب ليس انعدام الثقة المطلق ولا التفاؤل الساذج، بل مقاربة واقعية. التفاعل النشط مع الوكالة والحوار المدروس مع الولايات المتحدة، ولو في إطار إدارة التوتر، خطوة يمكن أن تخدم المصالح الوطنية وتحد من الكلفة. السياسة الفعّالة لا تقوم على ردود الفعل العاطفية، بل على قرارات عقلانية تستفيد من الخبرات السابقة وتقرأ موازين القوى في واشنطن وأوروبا والوكالة الدولية بدقة».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى