تحقيق كورمور.. نتائج ناقصة تفاقم إحراج بغداد
تطورات جديدة طرأت على ملف استهداف حقل كورمور الغازي بعد إعلان اللجنة التحقيقية نتائجها، التي أكدت انطلاق المسيّرتين من قضاء طوزخورماتو دون الكشف عن هوية المنفذين، ما أثار موجة انتقادات بشأن غموض التقرير وتردّد الحكومة في إعلان الحقائق.

ميدل ايست نيوز: تطورات جديدة طرأت على ملف استهداف حقل كورمور الغازي بعد إعلان اللجنة التحقيقية نتائجها، التي أكدت انطلاق المسيّرتين من قضاء طوزخورماتو (نحو 100 كلم شمال شرق تكريت مركز محافظة صلاح الدين)، دون الكشف عن هوية المنفذين، ما أثار موجة انتقادات بشأن غموض التقرير وتردّد الحكومة في إعلان الحقائق، وفيما يصر الحزب الديمقراطي الكردستاني على كشف المتورطين وارتباطاتهم، رأى مراقبون أن البيان الحكومي يعكس اعتبارات سياسية تؤخر كشف المتورطين.
ويقول القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني وفا محمد كريم، إنّ “اللجنة التحقيقية المختصة بحادثة الاعتداء على حقل كورمور لم تحقق إلا تقدماً محدوداً حتى الآن، يقتصر على تحديد منطقة انطلاق الهجمات من قضاء طوزخورماتو”، وهذا التطور يؤكد ما كنا نقوله منذ اليوم الأول، فالجميع يعرف من هي الجهات والقوات المتمركزة هناك”.
ويضيف كريم، أن “وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري كان قد أشار منذ بداية التحقيق إلى أن مصدر الاعتداءات هو هذه المنطقة تحديداً، وأن المتهمين ينتمون إلى الفصائل الموجودة فيها”، مشيراً إلى أن “الوضع السياسي الحرج الذي يمر به رئيس الوزراء محمد شياع السوداني جعله يتردد في كشف الأسماء المتورطة والفصائل التي ينتمون إليها بشكل رسمي وواضح”.
ويتابع أن “البيان الصادر بشأن التحقيق لا يعد مكتملاً، لكنه يؤكد بصورة غير مباشرة أن الفصائل الخارجة عن القانون التابعة للحشد الشعبي، والتي تمتلك طائرات مسيرة وصواريخ، هي من تتواجد في طوزخورماتو، وهي الجهة التي يُرجح أن تكون وراء الهجوم”، مؤكداً أن “الحزب الديمقراطي الكردستاني متمسك بموقفه الداعي إلى إعلان نتائج التحقيق كاملة وكشف أسماء المتورطين والجهات الحزبية التي تقف خلفهم، لضمان عدم تكرار مثل هذه الاعتداءات مستقبلاً”.
وأعلنت اللجنة التحقيقية المشكلة لمعرفة ملابسات الاعتداء الذي تعرض له حقل كورمور في محافظة السليمانية الأسبوع الماضي، مصادقة القائد العام للقوات المسلحة (المنتهية ولايته) محمد شياع السوداني، على نتائج التحقيق الذي بدأ بعد يومين من الحادثة، وفيما اكتفت بالإشارة للمهاجمين دون الكشف عن هويتهم، تقدمت بست توصيات لحماية الحقل.
وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، في بيان، أمس، إن “اللجنة التحقيقية المشكلة لمعرفة ملابسات هذا الاعتداء الإرهابي، أعمالها يوم الجمعة الماضي برئاسة وزير الداخلية”.
وتضمنت نتائج التحقيق وفق النعمان، أن “الهجوم الجبان قد نفذ بواسطة طائرتين مسيرتين، إحداهما أصابت الحقل والأخرى سقطت خارجه، حيث تم تحريز حطام الطائرتين لدى الأدلة الجنائية لغرض تفريغ جهاز الذاكرة”، مردفا “انطلقت الطائرتان اللتان نفذتا الاعتداء من جهة جنوبي الحقل من مناطق شرقي قضاء طوز خرماتو”.
ولفت الى أن “هذا الاعتداء هو الحادي عشر على هذا الحقل من المنطقة المذكورة أعلاه”، مضيفا “تم التوصل الى أسماء المنفذين لهذا الاعتداء، وهم من العناصر الخارجة عن القانون، والصادرة بحق البعض منهم مذكرات قبض قضائية وجارية متابعتهم من قبل الأجهزة الامنية، وبعد تشخيص هوية الفاعلين، باشرت الأجهزة الأمنية بجمع الأدلة الفنية لغرض إدانتهم وتقديمهم للعدالة”.
من جهته، يعقب مدير مؤسسة دستورنامة للدراسات الديمقراطية، كاظم ياور، على تقرير التحقيق، بأنه “أثبت أن الاستهداف الحالي هو للمرة الحادية عشرة، لكنه لم يشر إلى أن الحكومة قامت بأي إجراءات بخصوص الاستهدافات السابقة طوال تلك الفترة، وهذا غريب”.
ويضيف ياور، أن “التقرير أثبت أيضا أن المسيرتين اللتين نفذتا الاستهداف حربيتان، وهما ليس من صنع محال أو ما يسمى بالعتيق، والمسافة المقطوعة تؤكد هذا، لذا فإن هذه الصناعة لا تملكها إلا الدول”، مشيراً إلى أن “التقرير وصف أيضا هوية المنفذين بأنهم عناصر خارجة عن القانون، ولم يبين هوية تنظيمهم وانتمائهم، مع أنه أشار إلى أن العمل إرهابي، كما لم يشر إلى مصادر تسليحهم وتمويلهم”.
ويتابع أن “التقرير شدد على تقديم المتهمين إلى القضاء، لذا فإن مسرح الجريمة يقع ضمن اختصاص المؤسسات الدستورية لحكومة إقليم كردستان وكمبدأ قانوني يجب تسليم الجناة إلى القضاء في إقليم كردستان لتتم محاكمتهم”.
وأوصت اللجنة بحسب النعمان بعدة إجراءات لحماية الحقل منها “إعادة انتشار القوات الأمنية في قاطع عمليات شرق صلاح الدين، بما يؤمن سد أي ثغرة أمنية وإدامة التنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخبارية والقطعات الماسكة وضمان وحدة القيادة، والإيعاز الى وزارتي الدفاع والداخلية، وهيئة الحشد الشعبي باستبدال القيادات بهذه المناطق بقيادات كفوءة”.
كما شملت “قيام وزارة الدفاع بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان العراق بتزويد الحقل بمنظومات الدفاع الجوي وتأمين حمايته، وشملت التوصيات كذلك “فرض إجراءات مشددة لاستخدام ونقل الطائرات المسيّرة بأنواعها، إلا بموافقة رسمية من الجهات المختصة، ومفاتحة مجلس القضاء الأعلى لتشكيل لجنة مع الوكالات الأمنية والاستخبارية لمتابعة التحقيق في القضية”.
بدوره، يرى الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي أن “البيان الحكومي بشأن التحقيق في استهداف حقل كورمور، بصيغته الحالية، يعكس خللاً جوهرياً في منهج إدارة الأزمات الأمنية، فمع إعلان اللجنة توصّلها إلى هوية المنفذين، فإنّ الامتناع عن كشف الأسماء يضعف من أثر الردع ويشير إلى وجود اعتبارات سياسية تؤخر إعلان الحقائق”.
ويضيف التميمي، أن “المنطقة التي انطلقت منها الطائرات المسيّرة معروفة بتعدد النفوذ وتداخل الجهات المسلحة فيها، ما يجعل التردد في الكشف عن النتائج مفهوماً من زاوية الحرج السياسي، خصوصاً في ظل الأجواء الحساسة التي ترافق مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة”، مبيناً أن “التوصيات التي وردت في البيان ليست جديدة، فهي تتكرر منذ سنوات في كل حادث مشابه، وتشمل إعادة الانتشار واستبدال القيادات وتعزيز التنسيق وضبط حركة الطائرات المسيّرة، ما يعني أن المعالجات تبقى إجرائية لا تمسّ جوهر المشكلة المرتبطة بطبيعة السلطة على الأرض”.
ويتابع أن “رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن كشف الأسماء قد يسبب ضرراً أكبر من إخفائها في بعض الحالات، لأن إعلانها سيحرج قوى سياسية فاعلة وربما يفتح ملفات أوسع تتعلق بالسيطرة على المناطق الهشة أمنياً”، لكنه يؤكد أن “أي معالجة لهجمات منشآت الطاقة من دون شجاعة في إعلان الحقائق ستبقى ناقصة وغير قادرة على منع تكرار الهجمات مستقبلاً”.
ويخلص التميمي، إلى القول إن “القضية شديدة الحساسية ولا تقل حرجاً عن ملف استهداف الرادارات الذي تم غلقه من دون تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، لكن يبدو أن حكومة إقليم كردستان اطلعت بشكل كافٍ على مجريات التحقيق، بعد أن تَسلّم وزير داخلية الإقليم تفاصيل الحادث وتقرير اللجنة التحقيقية”.
وتعرض حقل غاز كورمور في قضاء جمجمال بمحافظة السليمانية، ليلة 26 من شهر تشرين الثاني نوفمبر الماضي، لهجوم “بطائرات مسيرة” أدى إلى اندلاع حريق في أحد الخزانات، وتوقف إمدادات الغاز لمحطات توليد الكهرباء، بحسب وزارتي الموارد الطبيعية والكهرباء في إقليم كوردستان.
ويُعد حقل كورمور من أهم الحقول الغازية في إقليم كردستان والعراق، حيث تستثمره شركة “دانة غاز” الإماراتية لتوفير الغاز لمحطات إنتاج الكهرباء في الإقليم. وبلغت الخسائر المالية الناجمة عن استهداف حقل كورمور حاجز 7.41 ملايين دولار يومياً، نتيجة توقف إنتاج الغاز فقط، بحسب مرصد إيكو عراق.
إلى ذلك، يجد الباحث في الشأن الأمني والسياسي علاء النشوع، أن “الضربة التي استهدفت حقل كورمور لم تكن عشوائية أو عرضية، بل عملية مدروسة من حيث الإعداد والتنظيم والتنفيذ، إذ رُصدت طائرات مراقبة تحلق فوق الموقع قبل الحادث بأيام وحتى بساعات، ما يشير إلى أن الاستهداف جرى بعد مراقبة دقيقة ومعلومات استخبارية مسبقة”.
ويضيف النشوع، أن “هذا يثير تساؤلات كثيرة، فالأجواء العراقية تخضع لرقابة أمريكية شبه كاملة، والأقمار الصناعية الأمريكية قادرة على رصد حتى المقذوفات الصغيرة لمدافع الهاون والتعامل معها بشكل فوري، ما يطرح سؤالاً أساسياً: لماذا لم تتدخل منظومات الحماية الجوية الأمريكية المسؤولة عن الأجواء العراقية لمنع أو إحباط الهجوم الذي استهدف منشأة غازية تُعد من أهم مصادر الطاقة في العراق والإقليم؟”.
ويردف أن “الاحتمالات مفتوحة على أكثر من تفسير، فهل سمحت الولايات المتحدة بوقوع الهجوم عمداً لتقديمه كدليل إدانة لا يقبل الشك ضد جهة معينة؟ أم أن هناك حسابات أخرى تتعلق بإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي؟”، مبيناً أن “القدرات التقنية العالية للطائرات المستخدمة لا يمكن أن تمر من دون أن تلتقطها أنظمة المراقبة الأمريكية، وهو ما يجعل صمت واشنطن مثيراً للريبة”.
ويشير النشوع، إلى أن “التقرير الصادر عن اللجنة التحقيقية يحتاج إلى مراجعة فنية متقدمة تحدد نوعية الطائرات بدقة، وتكشف الجهة المنفذة بعيداً عن التأثيرات السياسية والحزبية، لأن إدخال الاعتبارات الحزبية في التحقيق يفقده مصداقيته”، موضحاً أن “الهجوم لم يكن ذا أبعاد أمنية وعسكرية فقط، بل يرتبط أيضاً بترتيب أوراق سياسية واقتصادية داخل العراق، خصوصاً مع مساعي إيران لإرباك المشهد بعد الانتخابات، ومحاولة الحد من نفوذ القوى السياسية القريبة من الولايات المتحدة”.
ويختتم بالقول، إن “الضربة تأتي في توقيت حساس يعكس صراع الإرادات بين واشنطن وطهران، فالإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب ماضية في خطتها لتقويض النفوذ الإيراني في المنطقة، فيما تحاول طهران استخدام أدواتها داخل العراق للرد وإظهار قدرتها على خلط الأوراق في لحظات التحول السياسي”.



