إيران: سباق مختلط يثير الجدل واعتقال عدد من المنظّمين

أثار سباق الماراثون الكبير الذي أُقيم، أمس الجمعة، في جزيرة كيش جنوب إيران، بمشاركة مختلطة من النساء والرجال، موجة واسعة من الجدل في إيران.

ميدل ايست نيوز: أثار سباق الماراثون الكبير الذي أُقيم، أمس الجمعة، في جزيرة كيش جنوب إيران، بمشاركة مختلطة من النساء والرجال، موجة واسعة من الجدل في إيران. واعتقلت السلطات القضائية عدداً من المسؤولين عن تنظيم الحدث بعد انتقادات حادّة من شخصيات ووسائل إعلام محافظة، وسط ترحيب شرائح أخرى.

وشارك في “ماراثون كيش” أكثر من خمسة آلاف عدّاء وعدّاءة من مختلف محافظات إيران في ثلاثة مسارات لمسافات 5 و15 و42 كيلومتراً، فيما استقبلت الجزيرة أكثر من 25 ألف سائح حضروا لمتابعة هذا الحدث الرياضي. لكن عدداً من وسائل الإعلام والشخصيات المحافظة في إيران وجّهت انتقادات شديدة لشكل لباس بعض المشاركات، معتبرة أنّ الصور المتداولة “تخالف الضوابط الشرعية” وتفتح الباب لـ”إعادة إنتاج أنماط دخيلة”. وفي المقابل، حظي السباق بترحيب واسع على شبكات التواصل الاجتماعي داخل البلاد.

وكتبت وكالة تسنيم المحافظة، اليوم السبت، في تقرير بعنوان “مظاهر مخالِفة للضوابط في ماراثون كيش”، أنّه “لا يُعرف أين كانت أجهزة الرياضة في كيش والمنطقة الحرّة، ولماذا لم تتخذ التدابير اللازمة لمنع الإخلال بالشؤون الثقافية”. وفي السياق نفسه، اعتبرت وكالة مهر المحافظة أنّ “الماراثون الذي شارك فيه خمسة آلاف شخص تحوّل من فرصة إلى تهديد ثقافي”، معتبرة أنّ بعض المشاركين “قدّموا صورة مشوهة عن الرياضة النسائية في إيران”.

ونقل التلفزيون الإيراني عن المدّعي العام في كيش علي سالمي ‌زادة قوله إنّ شخصين من القائمين على تنظيم الحدث تم اعتقالهما بناء على قرار قضائي، مشيراً إلى أنّ أحدهما مسؤول في المنطقة الحرّة، والآخر من الشركة الخاصة المنظّمة للسباق. وأوضح أنّ كليهما تلقيا بلاغ الاتهام من دون الكشف عن طبيعته. وأضاف سالمي ‌زادة أنّ القرار الصادر بحق المسؤول الحكومي هو “المنع من العمل في المؤسسات الرسمية”، فيما يواجه مدير الشركة الخاصة “منعاً قضائياً من مزاولة الأنشطة الإدارية في المجال الرياضي”.

تصاعد الجدل حول الحجاب في إيران

ويأتي هذا الجدل على وقع تصاعد الضغط البرلماني والسياسي المحافظ على حكومة الرئيس مسعود بزشكيان لدفعها نحو تنفيذ قانون “العفّة والحجاب”، المعلّق تطبيقه منذ أكثر من سنة في إيران.

وقد وجّه 155 نائباً رسالة، الثلاثاء الماضي، إلى رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، انتقدوا فيها أداء الأجهزة التنفيذية والقضائية في هذا الملف، معتبرين أنّ “التراخي” أدى إلى “اتّساع المظاهر غير المنضبطة”. وطالب النواب بتطبيق صارم للقوانين ومحاسبة الجهات “المقصّرة”.

وقالت وكالة فارس إنّ البرلمانيين شدّدوا على أنّ الحجاب “من المبادئ الدستورية والرموز الهويّاتية للشعب الإيراني”، وأنّ ضعف تطبيق القوانين “أفسح المجال أمام مناخ من انعدام العفّة تستغله وسائل إعلام معادية”.

وقبل يومين، اعتبر محسني إيجئي أنّ “ترويج المظاهر المخالفة للضوابط، لا سيما في ما يتّصل بالحجاب، أحد أساليب الأعداء في حربهم المركبة ضد الشعب الإيراني”، مؤكداً أنّه تم إبلاغ جميع الأجهزة بأنّها “ستحاسب إذا شاركت في فعاليات تقع فيها مخالفات شرعية أو قانونية”، وليس فقط الأفراد الذين يمارسونها.

وسبق أن أثار سباق جرى في شيراز في ربيع 2023 جدلاً مماثلاً، بعدما انتشرت صور لعدّاءات ومشجعات بلا حجاب، ما أدى إلى استقالة رئيس هيئة ألعاب القوى في محافظة فارس آنذاك. هذا الجدل المتجدد حول الحجاب في إيران لا يدور فقط بين شرائح مجتمعية والسلطات، وإنما يعكس حدة التجاذب الدائر في إيران بين تيارين متعارضين مشاركين في الحكم؛ الأول يطالب بفرض رقابة أشدّ على الفضاء العام وتطبيق قانون الحجاب، والثاني المتمثل في الحكومة يرفض فرض الحجاب بالقانون، داعياً إلى منح المجال العام شيئاً من المرونة والانفتاح في الأنشطة الرياضية والثقافية، في ظلّ تغيّر واضح في أنماط الحياة لدى الأجيال الشابة.

وتحوّلت الفعاليات المختلطة، مثل “ماراثون كيش”، إلى ساحة اختبار لسياسات الحكومة الإصلاحية الجديدة التي تسعى إلى تخفيف التوتر الداخلي من دون الصدام المباشر مع المؤسّسات المحافظة. غير أنّ التفاعل السريع للقضاء واعتقال منظّمين لسباق كيش يؤشر إلى أنّ المؤسسات المحافظة تسعى إلى الحفاظ على الخطوط الحمراء في ما يتّصل بالحجاب، وأنّ أي انفتاح اجتماعي من هذا النوع سيظلّ موضع صراع سياسي في المدى المنظور.

يُشار إلى أنه منذ اندلاع الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران أواخر 2022 إثر وفاة الشابة مهسا أميني بعيد احتجازها من قبل دوريات الآداب في طهران بتهمة عدم التقيّد بقواعد الحجاب، أصبحت تنتشر في شوارع المدن الإيرانية، لا سيما الكبرى، ظاهرة خلع الحجاب، حيث أصبح الأمر واقعاً اجتماعياً مغايراً تماماً عما سبق الاحتجاجات، مع انسحاب دوريات شرطة الآداب من الشوارع. وباتت تنتشر كذلك سباقات مختلطة بين الشباب والشابات أو ممارسة مشتركة للرياضة في حدائق بمدن كبرى، وسط اعتراضات مستمرة من جهات محافظة في البلاد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى