الصحافة الإيرانية: كيف يمكن للشراكة الهندية الخليجية أن تغير موازين القوى الاقتصادية العالمية؟

في عصر التعددية القطبية الحالي، تحوّلت العلاقات بين الهند ودول مجلس التعاون إلى شراكة شاملة في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة والأمن.

ميدل ايست نيوز: في عصر التعددية القطبية الحالي، تحوّلت العلاقات بين الهند ودول مجلس التعاون إلى شراكة شاملة في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة والأمن. وقد بدأت المصالح الاقتصادية والجيوسياسية المشتركة بين الطرفين منذ منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، عندما كانت الهند تبحث عن استثمارات وأسواق جديدة، بينما شرعت دول الخليج في تنويع اقتصادها بعيداً عن النفط.

وقالت صحيفة دنياي اقتصاد في تقرير لها، في العالم متعدد الأقطاب اليوم، لم تعد الهند ودول الخليج مجرد شركاء تجاريين، بل أصبحا لاعبين استراتيجيين مستقلين، يعملون معاً على نموذج للتفاعل يعتمد على الاستقلالية والشفافية والمصالح المشتركة بدلاً من الإملاءات والاعتماد على القوى الكبرى. وأشار موقع “Project Syndicate” إلى أن قمة “منتدى الاستثمار في الشرق الأوسط” الأخيرة في الشارقة أبرزت عمق العلاقات الاقتصادية بين الهند ودول الخليج. ومع فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية تحد من قدرة صادرات الهند على المنافسة، باتت الشركات الهندية تنظر إلى الإمارات كحلقة وصل نحو الأسواق الأمريكية وتعزز روابطها الإقليمية.

نتيجة لذلك، تحوّلت العلاقات التي كانت تعتمد سابقاً على تبادل النفط مقابل العمالة إلى شراكة شاملة تشمل التكنولوجيا والمالية والأمن. لم تعد الهند والخليج مجرد شركاء تجاريين، بل يقودان تغييرات جيواقتصادية ويعيدان رسم خريطة التجارة العالمية.

تاريخ العلاقات الهندية-الخليجية عميق، إذ منذ قرون شكلت القوافل والسفن التجارية التي تحمل التوابل والأقمشة روابط ثقافية وتجارية مستمرة بين المنطقتين. وفي فترة الاستعمار البريطاني، كانت معظم مناطق الخليج تُدار من نيودلهي.

بعد استقلال الهند، كانت العلاقات ذات طابع تجاري بحت، فالنفط من جانب، والعمالة من جانب آخر، مع تدفق الثروات في كلا الاتجاهين. مؤخراً، أعادت الهند ودول الخليج الاعتراف بالأهمية الاستراتيجية لهذه الشراكة التاريخية وأعيد تعريفها للقرن الحادي والعشرين.

التقارب الاستراتيجي

حتى منتصف العقد الأول من الألفية، بدأت الأولويات الاستراتيجية للطرفين تتقارب. ففي 2015، زار رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي الإمارات لأول مرة منذ 34 عاماً. وفي الوقت نفسه، شرع قادة دول مجلس التعاون مثل محمد بن زايد آل نهيان ومحمد بن سلمان في برامج طموحة لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

وقد جاء هذا التقارب نتيجة تغيرات داخلية. فقد أدركت الدول العربية مخاطر الاعتماد على الوقود الأحفوري وخصصت مواردها للطاقة المتجددة والتكنولوجيا والسياحة. في المقابل، وجدت الهند في مسار التصنيع والرقمنة شركاء مستعدين للاستثمار والابتكار. كانت الهند تبحث عن رؤوس الأموال والخبرة، والخليج عن حجم السوق ومسارات النمو الجديدة.

تبع ذلك تفاعلات اقتصادية ودبلوماسية واسعة، شملت شراكات بين الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة، وتكريم قادة دول الخليج في الاحتفالات الوطنية الهندية. تشير الأرقام إلى أهمية هذه العلاقات فقد وصل حجم تجارة الهند مع الإمارات إلى 100 مليار دولار هذا العام، بينما بلغت تجارة الهند مع السعودية في 2023-2024 نحو 43 مليار دولار.

كما أن الاستثمارات كانت ملحوظة، حيث استثمرت صناديق الثروة السيادية مثل “مبادلة” في أبوظبي وصندوق الاستثمارات العامة السعودي بشكل كبير في الشركات الناشئة والبنية التحتية ومشاريع الطاقة الخضراء في الهند. هذه الاستثمارات ليست مجرد صفقات مؤقتة، بل رهانات طويلة الأمد على مستقبل هذا التحالف الجيوسياسي.

اليوم، ينظر محور الهند-الخليج نحو الخارج. فقد تم اقتراح طريق اقتصادي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا لإعادة تصميم مسارات التجارة العالمية، وربط الموانئ الهندية عبر شبكات السكك الحديدية الخليجية بالبحر المتوسط، وإنشاء سلاسل توريد حديثة وقوية بجانب قناة السويس.

الرؤية والتحديات

توازي هذه الشراكة المعادل المعاصر لطرق تجارة التوابل التاريخية، لكن الأخيرة استُبدلت بالتقنيات المتقدمة، والقوافل تحولت إلى سفن حاويات وكابلات ألياف ضوئية وأنظمة دفع رقمية. نظام الدفع الموحد في الهند (UPI) يعبر الحدود، بينما تساهم كابلات الكهرباء تحت الماء ومشاريع الهيدروجين الأخضر في بناء بنية تحتية مشتركة للطاقة والرقمنة.

تمتد هذه الشراكة الآن إلى إفريقيا، حيث وعدت الإمارات باستثمار أكثر من 100 مليار دولار، وأعلنت السعودية عن خطة تطوير بقيمة 41 مليار دولار. وتكمل الهند، بعقود من حسن النية عبر مهام السلام والمشاريع التنموية وشبكة الجاليات النشطة، رأس المال الخليجي وتعزز نفوذ هذا التحالف.

كما توفر المبادرات الثلاثية الناشئة، مثل استثمار الإمارات في البنى التحتية التي تنفذها شركات هندية في إفريقيا، بديلاً جذاباً لمشاريع القوى الكبرى التي غالباً ما تؤدي إلى ديون ثقيلة وشروط سياسية. وتقدّم هذه الشراكة للهند والخليج إطاراً للتعاون دون ديون هشة، وتعاون تكنولوجي دون أجندات خفية، وتعاون أمني دون تدخلات خارجية، وهو ما يطمئن الاقتصادات المتوسطة التي تخشى الوقوع في صراع النفوذ بين أمريكا والصين.

تظهر شراكة الهند والخليج كيف يمكن للأدوات الرقمية أن تدفع التنمية. فدمج الهند للهندسة الرقمية الرخيصة والمفتوحة المصدر مع رأس المال الخليجي أوجد بنية تحتية حديثة، وهوية رقمية شاملة، ومشاريع مناخية تخلق وظائف محلية بأجور مناسبة. هذه الشراكة ليست نسخة حديثة من “عدم الانحياز”، بل هي تعددية عملية، واستراتيجية جيوسياسية قائمة على المصالح المشتركة، والمنفعة المتبادلة، والاستقلالية.

ومع ذلك، تواجه هذه الشراكة تحديات قوية، تشمل المنافسات الإقليمية، والتوترات الداخلية، والتقلبات العالمية. لكن الثقة واضحة وتظهر أن الهند ودول الخليج أصبحوا مستقلين عن استراتيجيات الآخرين ويصنعون مسارهم الخاص. وإذا استمر هذا التحالف، فلن يكون مجرد نجاح ثنائي، بل يمكن أن يصبح محور الهند-الخليج مركز ثقل جديد في العالم متعدد الأقطاب، ونموذجاً للاقتصادات الناشئة التي تبحث عن التكنولوجيا المفتوحة، والتجارة المرنة، والازدهار الشامل دون الاعتماد على الآخرين.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى