الصحافة الإيرانية: نهج أميركي جديد في إقليم كردستان العراق
لم تكن المصالح بين واشنطن وطهران متضاربة بالكامل في إقليم كردستان، إذ التقت مواقفهما في قضايا مثل مواجهة داعش، والحفاظ على وحدة العراق، ورفض استفتاء الاستقلال.

ميدل ايست نيوز: يشكل افتتاح أكبر قنصلية أمريكية في أربيل إشارة وتحذيراً مهماً لدول المنطقة، ولا سيما العراق وتركيا وسوريا، وهي دول تواجه جميعها تحدياً مشتركاً يتمثل في «القضية الكردية».
وقال أحمد حسيني، السفير الإيراني السابق لدى السعودية، في مقال على موقع دبلوماسي إيراني، إن القضية الكردية تعد أحد العناصر المؤثرة في تشكيل المستقبل الجيوسياسي للمنطقة، وهي قضية تتأرجح بين النشاط والخفوت، لكنها اليوم تعود لتبرز بقوة مع الاستثمار الأمريكي المتزايد في إقليم كردستان العراق، إلى جانب الدعم الكامل الذي تقدمه واشنطن لكرد سوريا، إضافة إلى النفوذ الإسرائيلي المتشعب والمخفي في الإقليم. كل ذلك يشير إلى أن «الجيوسياسة الكردية» ستلعب دوراً خاصاً في خريطة الطريق المقبلة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط.
وترجع جذور القضية الكردية إلى التقسيمات المصطنعة التي فرضتها بريطانيا في المنطقة عقب انهيار الدولة العثمانية، وهي تقسيمات تزامنت مع الطبيعة المتحركة للهويات القومية، الأمر الذي أوجد صراعات جيوسياسية متواصلة. واليوم، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى استكمال المشروع البريطاني غير المكتمل، عبر تحريك الورقة الكردية في العراق وسوريا لخلق أزمة جيوسياسية جديدة، خاصة أن بقاء إسرائيل واستمرار الوجود الأميركي في المنطقة مرتبطان بوجود أزمات أمنية، ما يجعل هاتين القوتين فاعلين مُنتجين للأزمات ضمن بيئة الشرق الأوسط.
وشكّل ظهور تنظيم داعش في كردستان العراق فرصة غير مسبوقة لتعزيز النزعة الاستقلالية لدى الأكراد. فقد استغلّ أكراد العراق الفراغ الأمني الناجم عن ضعف الحكومة المركزية لتحقيق مكاسب سياسية ورفع راية الانفصال. وفي ظل هذه الظروف، أُجري الاستفتاء على استقلال كردستان في 25 سبتمبر 2017، رغم المعارضة الدولية الواسعة. ومع ذلك، اضطرّ رئيس الإقليم آنذاك، مسعود بارزاني، تحت وطأة الضغوط الإقليمية والدولية، إلى التراجع عن نتائج الاستفتاء والانسحاب من كركوك والاستقالة من منصبه. لكن الرغبة في الاستقلال ما تزال قائمة داخل الإقليم.
وظلّ الدعم الخارجي للأكراد، سواء في سوريا أو العراق، دعماً تكتيكياً وقصير المدى، إذ لم تضع أي قوة دولية حتى وقت قريب مصالح استراتيجية طويلة الأجل داخل كردستان العراق. فروسيا والولايات المتحدة وإسرائيل جميعها استخدمت الورقة الكردية لتحقيق مكاسب وقتية. وهنا يُطرح سؤال جوهري: هل تمثّل إقامة أكبر قنصلية أمريكية في أربيل تحوّلاً من نهج تكتيكي إلى آخر استراتيجي؟
خلال العقود الماضية، انتهجت الولايات المتحدة سياسة مزدوجة تجاه العراق، تجمع بين دعم الحكومة المركزية وتقوية الإقليم الكردي. فمنذ عام 1991، أصبح أكراد العراق حليفاً مهماً لواشنطن. وفي الفترة بين 1991 و2003، كانت إيران والولايات المتحدة تتفقان على دعم الأكراد في مواجهة بغداد، ما ساهم في ترسيخ الهوية الكردية كلاعب متميز. لكن الخلاف بدأ بعد سقوط نظام صدام حسين، إذ ركزت إيران دعمها على الحكومة المركزية ذات الغالبية الشيعية، بينما اتجهت واشنطن—بعد إخفاقاتها في بغداد—إلى توسيع دعمها للإقليم.
ومع ذلك، لم تكن المصالح بين واشنطن وطهران متضاربة بالكامل في إقليم كردستان، إذ التقت مواقفهما في قضايا مثل مواجهة داعش، والحفاظ على وحدة العراق، ورفض استفتاء الاستقلال. إلا أن الخلافات بين الحكومة المركزية والإقليم ظلت مصدراً للتوتر، خاصة أن سعي الأكراد إلى الاستقلال شكّل أكبر تحدٍّ لبغداد. ويكتسب الإقليم أهمية حيوية بالنسبة للعراق نظراً لامتلاكه احتياطات ضخمة من النفط والغاز والمياه والمعادن.
وتنظر إسرائيل بدورها إلى القضية الكردية بمنظور جيوسياسي توسعي. فالأكراد—من وجهة نظر إسرائيلية—يعززون هويتهم المغايرة للعرب، ويسعون إلى ترسيخ حدودهم الهوياتية، كما أن إقليم كردستان يقع بمحاذاة إيران، ما يمنح تل أبيب فرصة لتعزيز وجودها الأمني قرب الحدود الإيرانية. تستفيد إسرائيل أيضاً من الطبيعة العلمانية النسبية للأكراد، وحرصهم على الابتعاد عن الانقسامات الطائفية، وتجنّبهم اتخاذ مواقف حادة ضد القضية الفلسطينية. ولهذا تتبنى إسرائيل خطاباً «متعاطفاً» مع استقلال الإقليم، بما يخدم شرعيتها في الإقليم والعالم، ويعزز إمكانية بناء علاقات اقتصادية وسياسية معه، بما في ذلك نقل النفط. ويندرج ذلك ضمن «عقيدة التحالف مع الأطراف غير العربية المحيطة بالعالم العربي»، وهي عقيدة إسرائيلية قديمة تجد بيئة ملائمة في كردستان.
وقد أسهمت التطورات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة في:
- تعزيز شرعية الدعم الدولي والإقليمي للأكراد
- تقوية النزعة الانفصالية لدى أكراد سوريا والعراق
- توسع سياسة «الموازنة الجيوسياسية» للأكراد، عبر استقطاب دعم القوى الكبرى لمواجهة بغداد ودمشق
- زيادة جاذبية المنطقة الكردية للقوى الدولية، ما يدفعها نحو التحوّل من دور تكتيكي إلى دور استراتيجي طويل الأمد
وتشكّل هذه المعطيات جميعها مرآةً واضحة لكل من إيران وتركيا، في حال تراجع نفوذ الدولة المركزية في المنطقة.



