قراءة من المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في إيران عن وثيقة الأمن القومي الأمريكي
فيما يتعلق بإيران، فتعتمد الوثيقة نظرة أقل حدّة، مدعية أن إيران كانت قبل عامين أو ثلاثة «تهديداً استراتيجياً» للولايات المتحدة والمنطقة، لكنها باتت الآن أضعف بعد الضربات التي تعرضت لها من الولايات المتحدة وإسرائيل.

ميدل ايست نيوز: تُظهر وثيقة الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي، التي تؤكد شعار «أمريكا أولاً»، أن واشنطن ابتعدت عن كثير من أنماطها السابقة، ونقلت تركيزها من التدخلات الخارجية إلى حماية الأمن الداخلي ونطاق نصف الكرة الغربي. وتقدم الوثيقة إعادة تعريف للتهديدات والأولويات والدور العالمي للولايات المتحدة.
إعادة تعريف الدور العالمي للولايات المتحدة والعودة إلى مبدأ مونرو
وقال أمير علي أبو الفتح، خبير في الشؤون الدولية، في مقال على موقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في إيران، إن أبرز ما يظهر في وثيقة الأمن القومي الأمريكية هو التشديد على شعار «أمريكا أولاً»، الذي جرى تبنيه بقوة خلال السنوات الأخيرة. ووفقاً لهذا التوجّه، تنتقد الوثيقة سياسات الإدارات السابقة، معتبرة أن الولايات المتحدة أنفقت مواردها بلا مبرر وبلا حساب في مناطق مختلفة من العالم لحماية دول أخرى. وتؤكد الوثيقة أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الأمن داخل الولايات المتحدة، وأن واشنطن لم تعد راعية للديمقراطية أو شرطيّاً للعالم، بل يجب أن تراعي قبل كل شيء مصالحها الوطنية.
وتغيّر الوثيقة أولويات الولايات المتحدة الإقليمية، لتستبدل تركيزها على غرب آسيا أو الصين وروسيا بتحوّل إلى نصف الكرة الغربي والعودة إلى مبدأ مونرو. وقد أُعلن هذا المبدأ في 2 ديسمبر 1823 على يد الرئيس الأمريكي آنذاك جيمس مونرو، رافضاً التدخل أو الاستعمار الأوروبي في دول القارة الأمريكية حديثة الاستقلال، ومعتبراً أي نشاط استعماري في القارة عملاً عدائياً. كما نصّ على امتناع الولايات المتحدة عن التدخل في حروب أوروبا وصراعاتها.
التركيز على نصف الكرة الغربي: تهديدات جديدة وإعادة ترتيب الأولويات
وفق الوثيقة الجديدة، يتحقق أمن الولايات المتحدة من خلال الحضور القوي في نصف الكرة الغربي، وهو ما ينسجم مع شعار «أمريكا أولاً» الذي كان دونالد ترامب قد أكد عليه أيضاً. ويشمل المقصود هنا كل دول القارة الأمريكية، من بوليفيا وكولومبيا ونيكاراغوا إلى البرازيل وكندا وغيرها.
وتزايد اهتمام واشنطن بالمنطقة خلال الأعوام الأخيرة بفعل مشكلتين أساسيتين: الهجرة غير الشرعية الواسعة، وتهريب المخدرات. وتشدد الوثيقة على ضرورة فرض نظام إقليمي جديد للحد من هاتين الظاهرتين. كما أنها لا تنظر بارتياح إلى صعود التيارات المحافظة في دول القارة؛ فهي لا تتحفظ على فنزويلا فحسب، بل تُبدي الموقف ذاته تجاه كندا والبرازيل. ومن منظور الوثيقة، يشكل ملف الهجرة والكارتلات التهديد الداخلي الأكبر، فيما تبقى الصين أكبر تهديد خارجي.
وتُخفف الوثيقة من مستوى اعتبار إيران وروسيا «تهديدين دائمين»، مقارنة بالوثائق السابقة، بينما تراجع الحديث عن الصين بالحدة نفسها كما في السنوات الأخيرة. فالولايات المتحدة، من جهة، تسعى إلى احتواء الصين، لكنها من جهة أخرى تريد الحفاظ على مصالحها الاقتصادية معها. أما بالنسبة إلى تايوان، فتؤكد واشنطن استمرار التزامها بالدفاع عنها، ولكن بدرجة أقل من السابق، مع اعتماد نهج قائم على حسابات المصلحة الاقتصادية.
النهج الأمريكي الجديد تجاه غرب آسيا وإيران وأوروبا والصين
تُظهر الوثيقة أن أهمية غرب آسيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة تراجعت سياسياً وأمنياً بشكل لافت. ويعود ذلك إلى أمرين: أولاً، أن واشنطن باتت منتجاً ومصدّراً للطاقة، ولم تعد تعتمد على نفط الخليج. وثانياً، أنها لن تواجه أزمة كبيرة إذا اندلع صراع في المنطقة، على خلاف الصين التي ستكون الأكثر تضرراً.
أما فيما يتعلق بإيران، فتعتمد الوثيقة نظرة أقل حدّة، مدعية أن إيران كانت قبل عامين أو ثلاثة «تهديداً استراتيجياً» للولايات المتحدة والمنطقة، لكنها باتت الآن أضعف بعد الضربات التي تعرضت لها من الولايات المتحدة وإسرائيل. وترى الوثيقة أن العبء الأمني في غرب آسيا لم يعد على كاهل واشنطن، وأن الوقت قد حان للتركيز على نصف الكرة الغربي. ومع ذلك، تعتبر أن توسيع اتفاقيات «إبراهيم» يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة ويزيد الضغط على إيران.
وتحدد الوثيقة موضوعات «حيوية» يمكن للولايات المتحدة خوض الحرب من أجلها، أبرزها إبقاء الممرات المائية الدولية مفتوحة، مع الإشارة إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر. وتؤكد أن حساسيتها لا تقتصر على إيران وحدها، بل تشمل أي قوة إقليمية أو دولية تحاول السيطرة على هذه الممرات، سواء كانت الصين أو روسيا أو إيران.
ويبدو الموقف الأمريكي تجاه أوروبا في الوثيقة أكثر تشدداً من مواقفها تجاه المناطق الأخرى، بل حتى أشد من لهجتها تجاه غرب آسيا. ففي حين ترسم الوثيقة صورة متفائلة للتجارة والسلام في آسيا، فإنها تعتمد رؤية متشائمة للغاية تجاه أوروبا، محذرة من «انهيار حضاري» محتمل هناك. وتؤكد أنه إذا عجزت أوروبا عن حماية أمنها، فإن الولايات المتحدة سترفع عنها مظلتها الأمنية. وقد أثار هذا الموقف المتشدد ردود فعل أوروبية سلبية، ويعدّ أحد أكثر جوانب الوثيقة الجديدة إثارة للجدل.


