الصحافة الإيرانية: ماذا تخفي رسالة وزير الخارجية اللبناني لنظيره الإيراني؟

يمكن قراءة رسالة وزير الخارجية اللبناني إلى نظيره الإيراني ضمن سياق مركب من اعتبارات سياسية داخلية وإقليمية ودولية.

ميدل ايست نيوز: أبلغ وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، في رسالة رسمية إلى نظيره الإيراني عباس عراقجي، أنه لا يستطيع في الوقت الحالي تلبية دعوة طهران لإجراء زيارة رسمية، لكنه شدد على أن هذا الرفض لا يعني قطع قنوات الحوار. ووفقاً لموقع «النشرة»، أكد رجي أن الظروف اللازمة لعقد مثل هذا اللقاء غير متوافرة حالياً، مقترحاً أن يعقد الجانبان اجتماعاً ثنائياً في دولة ثالثة محايدة يتم الاتفاق عليها مسبقاً.

وأوضح في رسالته أن لبنان مستعد بالكامل لبدء مرحلة جديدة من العلاقات البنّاءة مع إيران على أساس الاحترام المتبادل. كما شدد وزير الخارجية اللبناني على قناعته بأن قيام دولة قوية لا يتحقق إلا عبر حصر السلاح بيد الدولة والجيش الوطني، وأن القرارات المتعلقة بالحرب والسلم يجب أن تُتخذ ضمن إطار السيادة الرسمية للدولة.

العلاقات الإيرانية – اللبنانية في مسار مضبوط

وقالت صحيفة شرق، إنه يمكن قراءة رسالة وزير الخارجية اللبناني إلى نظيره الإيراني ضمن سياق مركب من اعتبارات سياسية داخلية وإقليمية ودولية. فعلى المستوى الأول، تكشف اللغة الحذرة وتوقيت الرسالة عن أن الحكومة اللبنانية تواجه ضغوطاً سياسية وأمنية غير مسبوقة من دول عربية والولايات المتحدة وإسرائيل، تهدف بالدرجة الأولى إلى «نزع سلاح حزب الله» وتغيير ميزان القوى الداخلي. وتأكيد رجي على «احتكار السلاح يجب أن يكون بيد الدولة والجيش» يعكس هذه الضغوط، وفي الوقت نفسه يوجّه رسالة إلى الأطراف الإقليمية والغربية بأن الحكومة الجديدة في لبنان تسعى إلى تعزيز مؤسسات الدولة وإظهار مسافة محسوبة عن الأطراف غير الحكومية.

وعلى المستوى الثاني، فإن طلب لبنان عقد اللقاء مع إيران في «دولة ثالثة محايدة» يشير إلى رغبة بيروت في إدارة علاقاتها مع طهران ضمن إطار مضبوط، وبعيد عن حساسية المشهد الإقليمي. ففي ظل سعي بعض الدول العربية للحد من الدور الإيراني في لبنان، واستمرار إسرائيل في اتباع سياسة الضغط المتعدد الجوانب على طهران وحلفائها، تحاول بيروت تجنب أي إشارة قد تُفهم على أنها اصطفاف مباشر مع إيران. وتأتي هذه الحيطة بينما يخوض لبنان مرحلة دقيقة من المفاوضات السياسية والأمنية مع أطراف غربية وعربية، ما يجعل أي تقارب علني وغير مدروس مع إيران مكلفاً للغاية.

أما المستوى الثالث، فيكشف أن رسالة رجي تهدف إلى الحفاظ على هامش مناورة لبيروت في تعاطيها مع مختلف الأطراف. فلبنان لا يريد قطع العلاقة مع إيران أو إضعافها، لكنه يسعى إلى إبقائها ضمن صيغة هادئة ومضبوطة وقابلة للقبول من الأطراف التي تمارس الضغط عليه. ويعكس هذا الإدراك اللبناني بأن العلاقات بين طهران وبيروت تحتاج إلى الدخول في مرحلة «منظمة وتحت الرقابة»، حيث تحاول بيروت تحقيق توازن بين استمرار التواصل مع إيران وبين الاستجابة للضغوط الغربية – العربية المتصاعدة.

ما ينتظر لبنان

وفقاً لتقرير صحيفة «الأخبار»، فإن الضغط الأميركي – الإسرائيلي على لبنان آخذ في التصاعد. فرغم رفع مستوى تمثيل لبنان في لجنة مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية، ولم تُبد تل أبيب أي التزام فعلي ببنود الاتفاق أو نية في الانسحاب أو إطلاق الأسرى. وتشدد مصادر دولية ووسطاء على أن إسرائيل لم تغيّر سلوكها العسكري وتواصل النهج ذاته.

مع ذلك، وافقت تل أبيب، تحت ضغط أميركي مكثف، على الابتعاد مؤقتاً عن مرحلة التهديد والعمل العسكري ضد لبنان والدخول في مسار دبلوماسي. ويأتي هذا التراجع التكتيكي بناء على توجيهات أميركية تهدف إلى خلق «نافذة زمنية محدودة» للمفاوضات السياسية، وتنشيط الأطراف اللبنانية المناهضة لحزب الله، وصنع أدوات ضغط إعلامية ونفسية. ويلعب اللوبي اللبناني القريب من واشنطن دوراً أساسياً في هذا الإطار، عبر تضخيم التحذيرات من «هجوم إسرائيلي وشيك» ووضع الدولة والجيش تحت ضغط القرار.

بالتوازي، فُرضت مجموعة شروط معقدة على زيارة قائد الجيش اللبناني، عماد رودولف هيكل، إلى واشنطن، وكذلك على اللقاءات المحتملة للرئيس جوزف عون مع مسؤولين أميركيين. ولم يصدر أي موافقة رسمية حتى الآن، ويبدو أن الروايات الإعلامية تعكس رغبات واشنطن أكثر من واقع الميدان. وترتبط هذه الشروط بمشروع في الكونغرس الأميركي يجعل المساعدات العسكرية للبنان مشروطة بعمل الجيش ضد «تهديدات حزب الله». وهو شرط غير مسبوق يحوّل المساعدات إلى أداة ضغط سياسي وأمني. ووفق المشروع، فإن الدعم الأمني للبنان سيستمر حتى نهاية 2026، لكن وزير الدفاع الأميركي سيكون ملزماً بتقديم تقارير دورية حول تقدم الجيش في «الحد من قدرات حزب الله»، ما قد يشكل أساساً لوقف المساعدات كلياً.

وفي الوقت نفسه، تعد باريس لاجتماعات أوائل العام المقبل، حيث يلتقي قائد الجيش اللبناني بممثلين عن الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا. وحضور شخصيات مثل مورغان أورتيغاس ويزيد بن فرحان وجان إيف لودريان، يشير إلى أن المحور الغربي – العربي يسعى لإعادة تشكيل البنية الأمنية في لبنان بطريقة تدفع الجيش إلى لعب دور أكبر في الضغط على حزب الله. كما أن لودريان أعاد، خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت، طرح ملف «ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا»، وهو أحد أكثر الملفات حساسية على الصعيدين السياسي والأمني.

لا شك أن مسار هذه التطورات ونتائجها سيؤثران بصورة مباشرة في مستقبل العلاقات بين إيران ولبنان. فإذا أدت الضغوط الأميركية والمحور الغربي – العربي إلى إعادة تعريف دور الجيش اللبناني وتقليص هامش حزب الله، فمن الطبيعي أن تدخل العلاقة بين طهران وبيروت مرحلة جديدة أكثر حساسية وضبطاً. أما إذا تمكن لبنان من تحقيق توازن بين الضغوط الخارجية ومتطلبات أمنه الداخلي وتوازناته السياسية، فسيظل المجال مفتوحاً للحفاظ على التعاون مع إيران وربما تعزيزه. ففي كلتا الحالتين، ستكون الاتجاهات الحالية هي العامل الحاسم في رسم شكل العلاقات بين البلدين في السنوات المقبلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى