رسائل أميركية إلى العراق قبيل حسم هوية رئيس الحكومة الجديد
كثفت الولايات المتحدة الأميركية في الأسابيع الأخيرة رسائلها السياسية والدبلوماسية الموجهة إلى بغداد، من خلال سلسلة تصريحات ومقابلات رفيعة المستوى مع قيادات عراقية.
ميدل ايست نيوز: كثفت الولايات المتحدة الأميركية في الأسابيع الأخيرة رسائلها السياسية والدبلوماسية الموجهة إلى بغداد، من خلال سلسلة تصريحات ومقابلات رفيعة المستوى مع قيادات عراقية، خصوصاً داخل تحالف “الإطار التنسيقي” الذي يُجري مفاوضات شديدة الحساسية تتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة. وبينما فسّر مراقبون الحراك الأميركي على أنه “اهتمام بطبيعة المرحلة المقبلة بالعراق”، تُرجم أيضاً على أنه رغبة واضحة في التأثير على مسار تشكيل السلطة العراقية قبل استقرار التوازنات النهائية داخل البرلمان.
وبالتزامن مع لقاءات القائم بالأعمال الأميركي في بغداد جوشوا هاريس، مع قيادات تحالف “الإطار التنسيقي”، كان أبرزهم نوري المالكي، حذّر مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق مارك سافايا، من “تفكك واضطراب وعزلة دولية قد يواجهها العراق”، في حال استمرار الجماعات المسلحة خارج الدولة. وقال في تدوينة له على “إكس”، إن العراق يقف “أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث، وإن استمرار الجماعات المسلّحة خارج سيطرة الدولة يهدد مكانة العراق، ويقوّض إمكانات نهوضه”.
وأضاف أن “العراق أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء مؤسساته وصياغة مستقبل مزدهر، لكن لا يمكن لأي دولة أن تتقدم في ظل وجود أطراف مسلّحة تنافس الدولة وتحدّ من سلطتها”، مشيراً إلى أن “هذا الواقع أضعف موقع العراق الدولي، وخنق اقتصاده، وقلّص قدرته على حماية مصالحه الوطنية”. ورأى أن “السنوات الثلاث الماضية أثبتت إمكانية تحقيق استقرار حقيقي حين تعتمد الحكومة نهجاً واقعياً ومتوازناً، يجنّب البلاد صراعات المنطقة ويركّز على الأولويات الوطنية”، مبيناً أن “هذا المسار الناشئ يحتاج إلى حماية، فالاستقرار يتطلب قيادة مسؤولة، ووحدة في الهدف، والتزاماً بترسيخ قوة الدولة ومؤسساتها”.
وأشار سافايا، وهو يحيي الذكرى الثامنة للانتصار على “داعش”، أن “العراق أمام خيارات مصيرية، وأن القرارات التي سيتخذها القادة السياسيون والدينيون في المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان العراق سيمضي نحو السيادة والقوة، أم سيعود إلى مسار التفكك والاضطراب”، مشدداً على أن “خياراً موحداً وعقلانياً سيبعث برسالة واضحة إلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، بأن العراق مستعد ليأخذ مكانه الطبيعي دولةً مستقرة ومحترمة في الشرق الأوسط الجديد”.
وحذر من أن “البديل سيكون تدهوراً اقتصادياً وارتباكاً سياسياً وعزلة دولية”، مشيراً إلى أن “إدارة الرئيس ترامب تقف على أهبة الاستعداد لدعم العراق خلال هذه المرحلة المفصلية، وأنا وفريقي من المتخصصين ذوي الخبرة سنعمل مع القادة العراقيين خلال الأسابيع والأشهر المقبلة لترسيخ دولة قوية، ومستقبل مستقر، وعراقٍ سيد قادر على رسم مصيره في الشرق الأوسط الجديد”.
بموازاة ذلك، يخوض هاريس حراكاً ولقاءات على مستوى القيادات البارزة في “الإطار التنسيقي”، كان آخرها أمس الخميس، إذ التقى في بغداد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، وأبلغه بضرورة “الحفاظ على سيادة العراق، وحماية البنية التحتية من هجمات المليشيات المرتبطة بإيران”، وفقاً لبيان للسفارة الأميركية ببغداد. وسبق اللقاء بيوم واحد، لقاء جمع بين هاريس ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وهو أحد المرشحين لرئاسة الحكومة المقبلة، وداعم للفصائل المسلحة، بحثا فيه الوضع السياسي ومسار تشكيل الحكومة العراقية الجديدة.
وعلى الرغم من الرسائل الأميركية المتكررة لبغداد في ما يتعلق بالفصائل ومستقبل العملية السياسية، لم يصدر عن الحكومة العراقية ولا عن “الإطار التنسيقي” أي رد رسمي إزاء ذلك، كما تتجنب الفصائل المسلحة كذلك الدخول في مواجهة سياسية أو إعلامية، وهو ما يعكس حرصاً على عدم فتح جبهة توتر مع واشنطن، في ظل مفاوضات دقيقة حول تشكيل الكابينة الحكومية الجديدة. وتنظر القوى السياسية العراقية إلى تلك التحركات بوصفها تعبيراً عن توجهات ترامب تجاه المرحلة المقبلة في العراق، كما يتعامل قادة سياسيون معها كرسائل ضاغطة، خصوصاً بعد حصول الفصائل المسلحة المتحالفة مع “الإطار التنسيقي” على نحو 90 مقعداً في البرلمان الجديد، ما قد يمنحها ثقلاً وازناً في معادلة السلطة.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه “الإطار التنسيقي” ضغوطاً داخلية وخارجية حول مرشحي رئاسة الحكومة، حيث يترقب أن تلعب قوى السلاح دوراً محورياً في تحديد هوية رئيس الوزراء الجديد، فيما رأى سياسيون أن “ترامب سعى إلى إيصال رسائل إلى بغداد عبر تلك التحركات، بأن أي حكومة جديدة لن تحظى بدعم دولي ما لم تعتمد خطة واضحة لحصر السلاح، وتحييد الفصائل عن صناعة القرار السياسي”، بحسب نائب في البرلمان العراقي.
وقال النائب، وهو من إحدى قوى “الإطار التنسيقي” مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن “تلك الرسائل تشكل عامل ضغط إضافي على القوى المنخرطة في المفاوضات، وقد تدفع الإطار التنسيقي إلى تقديم مرشح توافقي يحظى بقبول داخلي وإقليمي ودولي، بعيداً عن أي مرشح مستفز، في محاولة لتخفيف وطأة الانتقادات، وتعزيز فرص ولادة حكومة مستقرة في مرحلة حرجة في البلاد وفي المنطقة”.
بدوره، حذر عضو تحالف “الإعمار والتنمية” بزعامة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، مشرق الفريجي، من مغبة الاستهانة بـ”التهديدات الأميركية”، وقال في تدوينة له على “إكس”، “ليس خوفاً ولا خضوعاً، بل تجنباً لانزلاق البلاد إلى صراعات قد تكون كلفتها خطيرة على الاستقرار الداخلي”. وأضاف أن “الانتصار لا يكون دائما بالسلاح والدمار، يمكن أن يتحقق نصر دبلوماسي يحفظ هيبة العراق ويجنّب شعبه أثمان المواجهة المباشرة”، داعياً الإطار التنسيقي إلى “حسن اختيار رئيس الحكومة القادم”، على أن “يكون قادراً على ضبط إيقاع المرحلة، وقراءة ساعة التحديات بدقة، وصناعة نصر سياسي للنظام لا أزمة جديدة”.
ويأتي ذلك في وقت كشفت فيه مصادر عراقية مطلعة، عن حالة من التباينات المتصاعدة داخل قوى “الإطار التنسيقي” بشأن ملف اختيار مرشح لرئاسة الحكومة الجديدة، في وقت يحاول فيه “الإطار” تقديم صورة مغايرة للرأي العام، تؤكد وحدة موقفه، وغياب الخلافات الداخلية والضغوط الخارجية.



